المملكة المنقسمة: الأردن اهتزت بسبب الانقسام بين الملك وولي عهده السابق

نيويورك تايمز

المملكة المنقسمة: الأردن اهتزت بسبب الانقسام بين الملك وولي عهده السابق

  • انكشاف صدع بين العائلة المالكة.
  • إلقاء القبض على شخصيات بارزة ورفيعة المستوى.
  • شائعات عن محاولة انقلاب فاشلة. 
  • مؤامرة داخل القصر الملكي تسببت في زعزعة صورة الأردن باعتباره حصنًا موثوقًا به وسط جزء مضطرب من العالم.
    كتبه: رنا سويس،آدم راسغون و باتريك كينغسلي

نشر 4 أبريل 2021

تحديث 5 أبريل 2021


لطالما اعتبرت المملكة الأردنية كما لو كانت واحة مستقرة نسبيا في الشرق الأوسط، ففي الوقت الذي اندلعت فيه الحروب وحركات التمرد في سوريا والعراق المجاورتين، كان الأردن على مدى عقود يُعتبر حليفاً آمناً يمكن أن تعتمد عليه الولايات المتحدة، وسورًا واقيًا من الهجمات على إسرائيل، ووسيطًا رئيسياً مع الفلسطينيين.

ولكن في نهاية هذا الأسبوع، انقلبت تلك الصورة الهادئة في عيون المجتمع مع حدوث شرخ كبير بين الملك عبد الله الثاني وولي العهد السابق حمزة بن الحسين.

فيوم الأحد اتهمت الحكومة الأمير حمزة، الأخ الأصغر غير الشقيق للملك، بـ "زعزعة أمن الأردن"، وبذلك تكون قد قدمت دلائل أكثر وضوحا حول تورطه المزعوم مقارنة بما أعلنته سابقا، عندما كشفت لأول مرة عن المؤامرة المفترضة بشكل مقتضب.

وفي كلمة ألقاها بعد ظهر الأحد، اتهم وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي الأمير حمزة مباشرة بالعمل مع وزير المالية السابق باسم عوض الله وأحد صغار أفراد العائلة المالكة، شريف حسن بن زيد، لاستهداف أمن واستقرار الأمة.

وألمح السيد الصفدي إلى أن الثلاثة متورطون في انقلاب فاشل داخل القصر والذي كان يحظى بدعم أجنبي، حيث عرض تفاصيل عن الاتصالات التي تم اعتراضها بين الأمير والسيد عوض الله، وأعلن عن اعتقال ما لا يقل عن 14 شخصاً آخرين.

وزعم السيد الصفدي أن الأمير حمزة كان على اتصال بالسيد عوض الله طوال يوم السبت، متهماً إياه بـ "التحريض والعمل لحشد المواطنين ضد الدولة بطريقة تهدد الأمن القومي".

وجاءت هذه الاتهامات بعد محاولات قام بها الأمير حمزة (41 عاما) لتبرئة اسمه مساء السبت عندما نشر شريط فيديوقال فيه أنه وُضع قيد الإقامة الجبرية، ونفى الأمير تورطه في أي مؤامرة ضد الملك عبد الله، على الرغم من أنه أدان الحكومة ووصفها بأنها فاسدة وغير كفؤة وسلطوية.

وبحلول يوم الأحد، كانت والدته الملكة نور - زوجة أب الملك أيضاً - قد تصدرت مشهد هذه المعركة بإصدارها بياناً قتالياً دفاعاً عن ابنها، قائلة إنه كان ضحية "افتراء شرير".

وبالنسبة لمنزل ملكي يحافظ عادة على خصوصية الخلافات، فإن هكذا مواجهة كانت غير متوقعة وغير عادية.

وقال جواد العناني وزير خارجية سابق والخبير الاقتصادي الأردني في اتصال هاتفي الأحد: "الطريقة التي تكشفت فيها الاعتقالات والأشرطة كانت صادمة، فعلى الرغم من التوترات التي كانت تحصل سابقا، كانت العائلة المالكة تقدم دوما صورة الجبهة الموحدة، لكن أحداث الأمس حطمت تلك الصورة، وانكشفت التصدعات على مرأى الجميع".

يُذكر أن الملك حسين، والد الأمير حمزة، حكم الأردن لمدة أربعة عقود، وصاغ اتفاق سلام مع إسرائيل، وخلال حياة الملك حسين، كان أبناءه وزوجاته الأربع يتنافسون على النفوذ في كثير من الأحيان، ولكن منذ أن خلف عبد الله الملك الراحل الحسين في عام 1999، لم يتم الطعن أبدًا علناً في سيطرته على الحكم.

وكان الملك عبد الله والأمير حمزة قد تلقوا تربية مماثلة، وتعلما في مدارس ومعاهد عسكرية بريطانية وأمريكية، ولكن الأمير حمزة في شبابه، كان يميل إلى الجانب الأكاديمي أكثر - حيث تخرج من جامعة هارفارد في عام 2006 - وكان يُنظر إليه منذ فترة طويلة على أنه الملك المستقبلي الأكثر احتمالاً، ولم يُعَيّن عبد الله خلفا للملك حسين إلا في الأسابيع الاخيرة من عهده.

كما يمثل الرجلان فروعًا مختلفة من عائلة الملك حسين، فعبد الله هو ابن زوجة الحسين الثانية، الأميرة منى؛ بينما والدة حمزة، هي الملكة نور الأميركية المولد، والزوجة الرابعة لـ حسين.

ووفقاً لموقع الأمير حمزة الإلكتروني، وهو عميد في الجيش الأردني، فإنه يقدم نفسه على أنه ناشط في مكافحة الفساد، ومن شأنه أن يأخذ البلاد في اتجاه أكثر ديناميكية واستقلالاً.


دفعت الأزمة التي حدثت في نهاية الأسبوع، الولايات المتحدة والحلفاء الآخرين للأردن، الذين يعتبرون الملك عبد الله شريكاً حاسماً في مكافحة الإرهاب في الشرق الأوسط، إلى التعبير عن دعمهم له.

فبحسب مكانة الأردن الجغرافية التي تقع على الحدود مع سوريا والعراق وإسرائيل والضفة الغربية المحتلة، فإن هذا البلد يعتبر محوراً للأمن الإقليمي، بما أنّه موطن الملايين من الفلسطينيين المنفيين، والحارس الرسمي للمسجد الأقصى في القدس، وكذلك لعبه دورا رئيسيًا في أي اتفاق سلام مستقبليبين إسرائيل والفلسطينيّين.

وذكرت وزارة الخارجية الأمريكية أن الولايات المتحدة لديها قوات وطائرات على الأراضي الأردنية، وتحافظ على علاقات وثيقة مع المخابرات الأردنية، حيث قدمت العام الماضي أكثر من 1.5 مليار دولار كمساعدات للحكومة الأردنية.

ويبدو أن هذا الصدع وهذه الحرب الإعلامية ليست موجهة للجمهور الأردني فحسب، بل أيضاً باعتبارها حربًا دبلوماسية فإنها موجهة إلى واشنطن أيضاً، فلم يخرج الأمير حمزة بمقطع فيديو باللغة العربية فقط، لكنه حرص أيضاً على نشر فيديو آخر باللغة الإنجليزية.

ويرى العديد من المراقبين الدوليين أن المواجهة بين الملك والأمير أكدت هشاشة الهياكل الاجتماعية التي تُغطيها واجهة الأردن الهادئة.

والجدير ذكره أن اقتصاد البلاد الآن يعاني بشدة في منتصف موجة وحشية من فيروس كورونا، بالإضافة لوجود 600,000 لاجئ من سوريا، وبالتالي فهي واحدة من أكثر البلدان تضرراً من تداعيات الحرب السورية.

وينحدر عدد كبير من المواطنين الأردنيين البالغ عددهم تسعة ملايين نسمة من الفلسطينيين الذين فروا إلى البلاد بعد الحرب العربية الإسرائيلية في عام 1948 و1967،أما الباقية فهم سكان أصليون، الذين اندمجت قبائلهم في بنية الدولة، والذين يعتبر دعمهم وفق ما يعتقده المحللون حاسماً لشرعية الملك عبد الله، وجاء حدث هذا الأسبوع بعد المحاولات الأخيرة والعلنية للأمير حمزة ببناء علاقات أوثق مع تلك القبائل.

وكان الملك عبد الله البالغ من العمر 59 عاما قد عين حمزة وليا للعهد في عام 1999م، بيد أنه جرده من اللقب في عام 2004م ونقله إلى ابنه الأمير حسين الذي يبلغ من العمر الان 26 عاما .

وفي السنوات الأخيرة، بدا أن الأمير حمزة يحاول إعادة بناء نفوذه، وهيبته في المملكة، حيث أثار ضجة في البلاد من خلال اجتماعاته الأخيرة مع زعماء القبائل الأردنية، بانتقاده العلني للحكومة في عام 2018م، عندما دعا إلى اتخاذ إجراءات حقيقية ضد الفساد المستشري الذي يحدث، وإلى محاسبة الفاسدين وإعادة بناء الثقة بين الدولة والشعب، حيث قال حينها: "أوه يا بلدي"، معبرًا عن أسفه،لكن أياً من هذا لم يُجهّز الأردنيين لاستقبال هذه الأحداث الدرامية التي وقعت ليلة السبت الماضي.

ومن النادر – بل يمكن على الإطلاق - ما تتحرك العائلة المالكة علناً ضد نفسها، إلا أن الحكومة أعلنت السبت أن مسؤولين أردنيين تحدثوا إلى الأمير حمزة وسط تلميحات إلى إحباط محاولة انقلاب.

وقال الوزير السابق، السيد العناني، إن الأردنيين صُدموا، حيث صرح قائلًا: " أي شخص يقول لكم إنه لم يفاجأ بما حدث في الاردن، فعلى الأغلب لن يكون صادقا".

وفي وقت لاحق، نشر الأمير حمزة مقطع فيديو مصورًا نفسه وأشار فيه إلى أنه مُنع من مغادرة منزله، وقال: "تم اعتقال عدد من الأشخاص الذين أعرفهم -أصدقائي- وسحب حارسي الأمني الخاص وقطع خطوط الإنترنت والهاتف، وهذا الاتصال قمت به من خلال الإنترنت عبر الأقمار الصناعية التي أملكها، وقد أبلغتني الشركة أنهم تلقوا تعليمات بقطعه لذلك قد تكون هذه المرة الأخيرة التي أكون فيها قادرًا على التواصل معكم".

وقال الأمير حمزة أنه ليس جزءا من أي مؤامرة أو منظمة إرهابية أو مجموعة مدعومة من الخارج، وانتقد بشدة الحكومة الاردنية التي وصفها بأنها فاسدة وغير متسامحة مع الانتقادات.

وأضاف قائلًا: "إن أي انتقاد في أي أمر سياسي ولو كان بسيطًا فإنه سيؤدي إلى الاعتقال والإساءة من قبل الأجهزة الأمنية، وقد وصل الأمر إلى درجة أنه لا يمكن لأحد أن يتحدث أو يعبر عن رأيه في أي شيء دون التعرض للتنمر والاعتقال والمضايقة والتهديد".

وكثيراً ما يقمع الأردن المعارضة السياسية الرئيسي، ففي عام 2020، قامت قوات الأمن باعتقال المئات من المعلمين الذين نظموا احتجاجات للمطالبة بعلاوات أفضل، وكذلكإهانة الملك ممنوعة وتعتبر خطًا أحمر.

وقالت منظمة "Freedom House" مؤخرًا، وهي منظمة أمريكية تنشر تقريرا سنويا عن حقوق الإنسان في جميع أنحاء العالم، أن الأردن لم يعد مجتمعًا حرًا، وقد سبق لها أن صنفته على أنه "حر جزئيًا"، فمن بين التدابير الأخرى ضد حرية التعبير، حظرت الأردن موقع "Clubhouse"، وهي شبكة تواصل اجتماعي جديدة، ومنعت كذلك المتظاهرين من التجمع الشهر الماضي للاحتجاج على الاستراتيجية المتبعة لمواجهة فيروس كورونا في الأردن.

ولكن الغريب هذه المرة، أنه نادرًا ما تعتقل الحكومة مسؤولين أردنيين كبار مثل السيد عوض الله، وزير المالية الأردني السابق ومستشار ولي العهد السعودي، وكذلك السيد زيد، أحد أبناء العائلة المالكة.
ولتبديد التكهنات حول ما إذا كان للسعودية دور في أي مؤامرة، سارعت المملكة العربية السعودية بإصدارها بياناً قوياً لدعم الملك عبد الله، فقد أعلنت وسائل الإعلام الحكومية السعودية يوم الأحد أن الأمير محمد بن سلمان قد تحدث مع الملك عبد الله عبر الهاتف وعبّر عن دعمه للأردن.

ولكن بعد ظهر يوم الأحد، أثارت الحكومة الأردنية مرة أخرى شائعات عن تورط أجنبي، حيث قال وزير الخارجية العراقي أيمن الصفدي في مؤتمر صحافي: "هناك شخص لديه علاقة بأجهزة استخبارات أجنبية قد عرض مساعدة زوجة الأمير حمزة على الفرار من الأردن على متن طائرة خاصة"،وفي وقت لاحق، صرح رجل أعمال إسرائيلي يعيش في أوروبا، روي شابوشنك، بأنه كان على اتصال بالأمير، لكنه لم يخدم قط في أي وكالة استخبارات.

وخلال عطلة نهاية الأسبوع، قدمت جهات مختلفة من العائلة المالكة سلسلة من المطالبات والادعاءات.

فأولاً، تقدمت الملكة نور للدفاع عن ابنها الأمير، حيث كتبت على تويتر: "دعواتكم من أجل أن تظهر الحقيقة وتتحقق العدالة لجميع الضحايا الأبرياء لهذا الاتهام الشرير، اللهم باركهم واحفظهم آمنين".
ثم أتىردًا معاكسًامن جناح آخر من العائلة المالكة، حيث غردت الأميرة فيريال -وهي عمة الملك وأخيه غير الشقيق على حد سواء- قائلة: "الطموح الأعمى على ما يبدو للملكة نور وأبنائها وهمي وعقيم".

وقبل حذف التغريدة، قدمت نصيحة: "اعقلوا أيها الأطفال".


لتحميل الدراسة كاملة pdf: المملكة المنقسمة: الأردن اهتزت بسبب الانقسام بين الملك وولي عهده السابق

جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2020