السلطة الخامسة - أحلام صوتك عالي نموذجًا

السلطة الخامسة

(أحلام صوتك عالي) نموذجا

في الوقت الذي يُتَّفَق فيه على تحديد سلطات أربعة لها تأثيرها ودورها، هي ( التنفيذية والتشريعية والقضائية والإعلام)، يبدو الحديث عن تحديد سلطة خامسة فضفاضا وضبابيا وغير متفق عليه.

وكاتب هذه السطور يرى أن الأمة أو الناس أو الجماهير ويدخل في نطاقهم كل مؤسسات المجتمع المدني والجمعيات غير الحكومية.. كل هؤلاء يشكلون السلطة الخامسة. وبعبارة أخرى: الشعب هو تلك السلطة التي لا يقل تأثيرها عن سائر السلطات.

لقد كان هاشتاج ( أحلام صوتك عالي) الذي أطلقه موقع (مش هيك) في مقابل ( أحلام صوتك بقطّع) كان القضية التي أحسنت نخبة إعلامية شبابية في تجنيد الشعب حولها، فسقط البرنامج واستقال مذيعوه واحداً تلو الآخر. وهذا الحدث مؤشر بسيط، لكنه يحمل رسالة عميقة لنخب الأمة وقياداتها على قدرة الشعب في التأثير والتغيير لو أُحسِن خطابُه وتوجيهُه، على قاعدة الثقة به وبقدراته، انطلاقا من الثقة بضميره ووعيه الجمعي وحسه الوطني وفطرته السليمة.

في البلاد المستقرة الآمنة تتكامل هذه السلطات الخمسة لنهضة أمتها وتنميتها، وفي البلاد المضطربة والمتخلفة والدكتاتورية غالبا ما تكون السلطة الخامسة مطية المتنفذين، وهنا يأتي دور النخب في الرهان على الشعب وحسن استنهاضه بحسن الخطاب والتوجيه، ضمن خطةٍ تعرف ما تريد، وتعرف كيف تصل إلى ما تريد.

ومن قَبْلُ حدثنا القرآن الكريم عن سلطة الشعب القاهرة، وعمق أثرها الفعال، إذ كانت المقاطعة الاجتماعية أو ( النبذ الاجتماعي) السلاح الذي وجهت السماءُ الشعبَ ليحمله في وجه ثلاثة تخلفوا عن المشاركة في بناء أمة ناهضة والدفاع عنها ضد الأخطار:" وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم..." [ التوبة:118]، وكفى بالتعبير القرآني تصويرا عن ذلك التأثير. وإنه تأثير عرفه الطغاة من قبل فحرصوا على استثماره ( تجنيدا، أو تحييدا) " فاستخف قومه فأطاعوه" [ الزخرف:54]. " فاجعل بيننا وبينك موعداً لا نخلفه نحن ولا أنت مكاناً سوى. قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى" [ طه:58، 59]. وإنه مهما بلغت قوة طاغية فإنه بحاجة لجماهير يستخفها فتعطيه ( التفويض) الذي يستولي به على مقدراتها ويسحق فيه أحرارها ويئد به حلمها بالنهضة والتقدم. وفي زمن قريب استغلت طغمة عسكرٍ جشعَ ومراهقةَ وسذاجةَ أحزاب أخرجت له جماهيرها لتدّعي تلك الطغمة تفويض الشعب لها كي تسحقه وتسحق أحراراه فيما بعد! وفي هذا السياق يتساءل كاتب هذه السطور لم ما زال الثوار يفكرون بالأدوات ذاتها التي خبرها العسكر فيعملون على التظاهر الذي لا أفق له! أما من تفكير باستخدام قوة الشعب الناعمة نبذاً اجتماعيا لطغمة العسكر ومَن حولهم متزامناً ذلك كله مع مقاطعة اقتصادية لشركاتهم ومنتوجاتهم، كمقدمات لعصيان مدني يفعل فعل لسعة البعوض في عين الفيل حتى تسبب له جراحاً يستعصي عليه التعايش معها؟

وأحسب أن تجربة الشعب الفلسطيني جديرة بالاستلهام، فيوم راهن العدو على تذويبه في سوق العمل وإلهائه بالتوافه حتى صار المستوطنون وضباط الشاباك يشاركون الناس أفراحهم وأتراحهم، وحين ظن العدو بهذا المشهد أنه على بعد خطوات من إسدال الستار على القضية، فاجأهم الشعب الفلسطيني بانتفاضة الحجارة، حيث سبقت الجماهير التنظيمات حينها. وفي انتفاضة الأقصى تشابهت الظروف من حيث الظن أن أوسلو قد طوّع الناس، فما هي إلا شرارة الأقصى فيشتعل الشعب ويشعل في جلاديه النار.

وفي جولات جزئية استطاعت السلطة الخامسة أن تفرض رأيها على كل من حاول الاستخفاف بها، ورآها كومة مهملة يمكنه التلاعب بها وفق ما شاءت أهواء شجعه. وكانت مثل صرخة ( أرخصوها بالترك)[1] كفيلة بإخضاع تجار كبار اعتادوا الاقتيات على لحم الشعب احتكارا وغلاء أسعار، وبقوة ناعمة لا تكلف الكثير تعفّف الناس عن بضاعة جشعهم وغلائهم، فبارت وطواها النسيان فقاموا يتوسلون! حدث هذا في الماضي، وحدث ويحدث في الحاضر وما قضية البيض في (الأرجنتين/2017 ) منا ببعيد.

إن النخب والقيادات التي تثق بشعبها وتحسن توجيه الخطاب الملائم له لتحريكه ضمن خطة مدروسة فتخوض معه وبه جولات مدروسة من المواجهة المحسوبة التي تحرز فيها معه مزيدا من النقاط لصالح مشروعها النهضوي، إن هذه القيادات هي التي تنجح في إحداث الاختراق، وأحسب أن النخب التي لا ترى في الجماهير إلا كتلا من الغوغاء بلا فاعلية، أو تردد مقولة ( ماذا نستفيد ممن قلبه معنا وسيفه ضدنا في خدمة الطاغوت أو في غمده حينما تدق طبول الفداء)، أحسب أن على مثل هذه النخب مراجعة خطاباتها وخططها وبرامجها، فلعل المشكلة في هذه النخب وفي حسن إدارتها للمعركة، وقدرتها على توظيف الطاقات!

وأخيرا فإن كاتب هذه السطور يدعو النخب والقيادات التي فقدت الثقة في الرهان على شعوبها أن تدرس بروية الدرس البسيط والعميق من معركة: ( أحلام صوتك عالي)، فتعيد النظر في خطابها وبرامجها ورؤاها. نعم: الشعب هو السلطة الخامسة التي لا يقل تأثيرها عن بقية السلطات، لكنه بحاجة إلى نخب تحسن خطابه وتحسن توجيه قواه الناعمة في معارك مدروسة ومحسوبة تستطيع تحقيق الإنجاز والمراكمة عليه.

وليس من نافلة القول التأكيد من جديد: 

نعم أخت أحلام سيظل صوتك عاليا لأنك ابنة شعب عظيم وقضية عظيمة وأمة عظيمة، وقد أصرت على النهضة والتحرر رغم قيود الجلادين والمتآمرين.

أحلام صوتك عالي

...........................

[1]نقل ابن كثير في البداية والنهاية أن الناس قد شكوا لإبراهيم بن أدهم غلاء اللحم فقال: ( أرخصوه) أي لا تشتروه فيرخص. ( البداية والنهاية: 10/145) 

جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2020