ورقة بحثية بعنوان: علاقة حماس مع إيران: أسبابها وتداعياتها

أحمد العواودة

باحث وأسير فلسطيني


ورقة بحثية مقدمة للمؤتمر العلمي الأول في السجون بالتعاون مع مركز حضارات

بعنوان: علاقة حماس مع إيران: أسبابها وتداعياتها

إعداد الباحث: أحمد العواودة

ديسمبر 2020


علاقة حماس مع إيران: أسبابها وتداعياتها


ارتكزت سياسة حماس الخارجية على مبدأ التوازن مع الدول الإقليمية المختلفة، مع التركيز على عدم التدخل في شؤون الدول الخارجية والداخلية.

ومن المعروف أن حماس تواجه المعطيات القائمة، في ظل أوضاع صعبة تستدعي السير بين الأشواك، وأحيانا تجد نفسها أمام أرضية أكثر تعقيدا في إدارة العلاقات مع الدول الإقليمية المتناحرة، لاسيما في ظل أن ما توصف بدول الاعتدال، وتحديدا مصر والسعودية والإمارات، تشن حملة غير مسبوقة
على الحركة.

مثل هذه المعطيات تدفع حماس لأن تكون في بعض الأحيان مكرهة على خيارات لا تريدها، ولو أخذنا إيران على سبيل المثال، فإن الشيء الذي تريده حماس منها هو تماما عكس ما تريده إيران منها، فهي تسعى لبناء علاقات مع الحركة ضمن رؤية إيرانية تواجه خلالها المحور المعادي لها، علما بأن حماس ليست ضمن أي من المحاور التي تشهدها المنطقة.

كما تتطلع إيران لأن تكون من بين محاورها حركة مقاومة سنية مثل حماس، أجمعت عليها الأمة الإسلامية بأسرها، بعد أن سطرت بجهادها أروع الملامح والبطولات منذ تأسيسها وحتى يومنا هذا، مع علم القادة الإيرانيين أن حماس تخالف رؤيتهم العقدية والفكرية.

استغلت إيران حالة العداء القائمة بين محور الاعتدال وحماس، إلى محاصرتها، عبر سياسة تجفيف المنابع، وهي سياسة باتت معلنة، تنتهجها هذه الدول تجاه الحركة.

أما ما تريده حماس من إيران، فهي الحاجة الماسة للتسليح العسكري والتمويل المالي، خاصة بعد أن اشتد الضغط على الحركة داخليا وخارجيا، وأغلقت دونهم الأبواب، وتخلى عنها القريب والبعيد، وحوصرت من كل جانب، إضافة إلى عدو يتربص به متسلحا بآلة عسكرية هي الأضخم في المنطقة، ناهيك عن المؤامرات التي تحاك ليل نهار، بهدف إضعاف الحركة، وإنهاكها.

كل ذلك يؤكد أن حماس بحاجة إلى هذين العاملين: التسليح والتمويل، كي تبقى صامدة أمام كل هذه التحديات، ويبدو أن إيران على استعداد لأن توفر لحماس ما يلزمها، رغبة منها أن تنال شرف دعمها، مستغلة حالة العداء القائمة لدى بعض دول المنطقة، مما دفع حماس لبناء علاقة مع إيران التي قد تختلف معها في بعض الملفات والمحاور.

تدرك حماس طبيعة الظروف التي تمر بها المنطقة من تقلبات وأحداث متتالية، تتطلب منها بناء علاقات مع أطراف حاكمة بعينها، وأن يكون لها تأثير على مجرياتها،لذلك فإن من مصلحة إيران دعم حماس، لتحقيق العديد من الأهداف الداخلية والخارجية، ومنها محاولة تسويق صورتها في المنطقة التي تضررت كثيرا بفعل تورطها في الحروب التي شهدتها الدول العربية، لاسيما العراق وسوريا واليمن.

رغم كل هذه التشابكات، فإن حماس ليست من أي من المحاور الواردة أعلاه، لأن لديها هدف واحد وهو تحرير البلاد والعباد من الاحتلال الجاثم على صدره، ولذلك تبقى علاقتها مع إيران قائمة على التفاهم في بعض الملفات من جهة، والمصلحة المتبادلة من جهة أخرى.

لكن اللافت أنه في الوقت الذي توجه فيه الاتهامات لإيران في التسبب بقتل المدنيين العرب في الدول المجاورة، تلجأ الماكنة الإعلامية الإيرانية على الفور الى استحضار دعمها الحصري لحماس، الأمر الذي قد يخفف من حدة الاتهامات الموجهة إليها.

مع العلم أن العلاقات الوثيقة بين حماس وإيران استجلب على الحركة جملة انتقادات قاسية في ضوء الدور الكبير الذي لعبته إيران في إجهاض ثورات الربيع العربي التي انطلقت في 2011، وهو دور حققت منه الولايات المتحدة وإسرائيل العديد من المكاسب.

ومما يزيد العبء الأخلاقي على حماس في علاقتها مع إيران، ما تحمله الذاكرة الجمعية العربية، من خلال الموقف الإيراني الذي سهل الاحتلال الأمريكي لأفغانستان في 2001، وإسقاط نظام طالبان، ثم احتلال العراق في 2003، وإسقاط نظام صدام حسين.

حماس من جهتها تدرك جيدا كل هذه الأمور والتعقيدات، وتعلم إن إيران تسعى من خلال دعمها لتقوية مصالحها الإقليمية، بصرف النظر عن الطريقة التي تتحقق بها، وتفهم حماس جيدا أن إيران ليست جمعية خيرية، لا تقدم شيئا بالمجان، بكل لك مساعدة ثمن.

تتحدث الأوساط السياسية في حماس وإيران أن القواسم المشتركة بينهما تتركز في معاداة إسرائيل، وهو أمر ينطلق منه الجانبان لأسباب شرعية ودينية وعقائدية، فضلا عن المنطلقات السياسية الواقعية، فهي تحتل الأرض، وتقتل، وتبطش بالشعب الفلسطيني منذ عقود.

فيما ترى تيارات فكرية أخرى أن العداء الإيراني لإسرائيل قد يكون مؤقتاً، وربما تنتهي حالة العداء إن توفرت المصالح بينهما، وللخروج بأقل الخسائر في التعامل مع دول الإقليم المتناحرة فيما بينها، وهو ما اتبعته إيران في سياستها تجاه حماس، رغم حساباتهما المعقدة، وحالة الضغوط التي تمارس على الجانبين، وانتهاج دور عدائي تجاه الحركة في بعض الأحيان.

تراوحت المواقف بين حماس وإيران بين اندفاع في بعض الأحيان، وتدهور في أحيان أخرى، الأمر الذي تطلب منها استخدام علاقة متوازنة معها، دون تفريط أو تنازل، وقبل إصدار الإحكام التأكيد على المحددات والاعتبارات التي تحكم مواقف الدول الكبرى والكيانات السياسية تجاهها، وهي بالضرورة تختلف عن اعتبارات الأفراد والشخصيات. 

من حق ناقدي حماس أن يعبروا عن مواقفهم التي تنطلق من تقديراتهم وحساباتهم، واعتقادهم بأن الدعم الذي يصل الحركة من إيران متزامن مع ما تقوم به الأخيرة من جرائم بحق العرب والمسلمين في العدي من دول المنطقة، حتى لو تشدقت بشعارات مهترئة عفا عليها الزمن.

في المقابل، من حق حماس التي تدرك تعقيدات المشهد، وتحمل مسؤولية حماية مشروع المقاومة، أن تفاضل بين خياراتها، وتبحث عن مقاربات دقيقة ومتوازنة لتحقيق المصالح ودرء الأخطار، لأن القادة الحقيقيين لا يبنون مواقفهم حسب توجهات عوام الناس، استرضاء لهم، حتى وإن كان جزء من الناقدين من أبناء الحركة أو داعميها، لأنهم غير مطلعين على الكثير من التفاصيل ودقائق الأمور.

هناك من يرى بأن علاقة حماس مع إيران يجب أن تكون بحدها الأدنى، وأن تكون علاقة مصالح فقط، ومما يزيد الوضع صعوبة على حماس أن المحرمات ليست سياسية، بل شرعية وعقائدية وفكرية، وهي مطالبة في آن واحد بمراعاة حسابات المبادئ والثوابت والقضايا الشرعية والعقلية من جهة، ومن جهة أخرى فإن تطلعات الأمة ترى في حماس رأس الحربة، ومن جهة ثالثة هناك احتياجات الشعب الفلسطيني الخاضع تحت الاحتلال، ومن جهة رابعة ضرورة مراعاة الجغرافيا المفروضة على الحركة، لاسيما في العلاقة مع مصر.

كل هذه الاعتبارات تدفع حماس إلى الاقتناع بأنه مهما بلغت حدة التوتر مع أي دولة عربية مثل مصر والسعودية، فإن عليها معالجة الأمر بكل هدوء، لذلك تجد نفسها أمام توازنات لا يسهل التعامل معها، ولذلك نجد أن هناك من ينتقد الحركة، لأنهم لا يدركون هذه الحسابات الدقيقة.

بالعودة الى الحديث عن علاقة حماس وإيران، فقادة الحركة يعلمون أن خياراتهم ليست سهلة، وقد يجدون أنفسهم أمام استحقاقات صعبة، تفرض عليهم أخذ مصالح الآخرين بالحسبان، حتى وإن كانوا من الخصوم، الأمر الذي يتطلب من حماس أن تكون، في إطار علاقتها الشائكة مع طهران، حريصة على تقاطع المصالح، وتدرك حدود الممكن والمتاح.

اليوم وبعد مرور قرابة ثلاثة عقود من العلاقة المتأرجحة مع إيران، تدرك حماس أنها اصطدمت بأمواج عاتية، تارة من أبناء جلدتها، وتارة أخرى بأمواج المحيط والإقليم، ومن جهة ثالثة محاولة استهداف الحركة بشتى الوسائل، وأشدها محاولة تصفية قادتها، وعلى رأسهم مؤسسي الحركة.

هذا يؤكد أن علاقة حماس مع إيران يمكن تشبيهها، وفق بعض الأوساط داخل الحركة، بوضعية المضطر، بعد أن أغلقت أمامها الأبواب، وانطلاقا من شعورها بالمسؤولية، ما قد يشير إلى أن علاقتهم بإيران مصالح، ومصالح فقط، وهذا رأي يدور حوله جدل لا بأس به داخل الحركة.

الخلاصة أن العلاقات التي تربط إيران بحماس يدفع الأخيرة لأن تسير على حبل دقيق، كي تتمكن من الوصول إلى نهاية هذا الطريق، وحظر الانزلاقات يمينا ويسارا، والمحافظة على توازناتها، دون التفريط بالثوابت، أو التنازل عن الحقوق، رغم أن ذلك قد يحتمل فرض مزيد من الحصار، في ظل صعوبة خياراتها السياسية.

لتحميل الدراسة pdf: علاقة حماس مع إيران: أسبابها وتداعياتها


جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2020