الاستيطان كــــ (عقب أخيل) للكيان

عبدالله أمين

خبير عسكري وأمني

قيل في الأساطير الإغريقية أن القائد أخيل ولد في اسبارطة التي كان بينها وبين روما من المعارك وجولات القتال الكثير، ولما ولد هذا القائد قيل لأمه أنه إن أردت أن يعيش ابنك عمراً مديداً سعيداً ولا يصيبه مكروه فعليك أن تغمسيه في مياه نهر ستيكس المقدسة، فمن يغمس في مياه هذا النهر لن يصيبه أذى أو ضرر، ولما أرادت أمه غمسه في المياه، أخذت بعقبه وغمسته في مياه النهر، فطالت المياه كل جسمه ما عدا موضع عقبه الذي أمسكته أمه منه، فأصبح هذا المولود قوياً منيعاً ( ضد الكسر ) ما عدا موضع يد أمه الذي صار نقطة ضعفه الوحيدة التي أن أصيب فيها فهي القاتلة، وقد قيل أنه أصيب بسهم سامٍ أصابه في حصاره لمدينة طروادة فقتله.
ومن هنا أصبح يطلق هذا المصطلح ــ عقب أخيل ــ على نقاط الضعف التي تعتري الناس والدول والكيانات.
ومن هنا وبناء على هذا الأصل فإن هذه المقالة قائمة على فرضية أن المغتصبات الصهيونية في فلسطين، في الوقت الذي أنشئت فيه من أجل تأدية أدوار دفاعية، الأمر الذي جعل قرار إنشائها من حيث المكان والشكل والهندسة الداخلية، والبنى التحتية الملحقة بها من صلاحيات لجنة التخطيط في وزارة الدفاع، فإنها في الوقت نفسه تشكل عقب أخيل لهذا الكيان، إن أُحسن العمل على نقطة الضعف هذه للتحول إلى مقتل.

إن السبب في قولنا أن هذه المغتصبات تشكل نقطة ضعف لهذا الكيان يرجع إلى أصل مهم من الأصول التي قام عليها هذا الكيان والذي يقول: أن العامل البشري والحفاظ عليه من أهم الأهداف التي يجب الدفاع عنها ومنع تهديده وتأمين متطلبات الحياة الرغيدة والسعيدة له، فمن يَرِد إلى فلسطين المحتلة من المستوطنين إنما يأتي بحثاً عن فرصة العيش الرغيد وراحة منشودة في بلاد السمن والعسل، وأن القداسة التي تُحاط بها المؤسسة العسكرية الصهيونية إنما حازت عليها ونالتها إنطلاقاً من أنها تؤمن لهذا المستوطن الأمن المنشود والحرية التي يبحث عنها.
وحتى يكون هؤلاء المغتصبون شركاء في عمليات السيطرة على أراضينا المحتلة والدفاع عنها في مواجهة أعمال المقاومة والتصدي التي يقوم بها أبناء الأرض الأصليين، تم نشر هذه المغتصبات على النقاط الاستراتيجية والحاكمة في مختلف جغرافيات فلسطين طولاً وعرضاً، حتى أن الناظر عن بعد يرى فيها صفوفاً أقرب إلى القلاع منها إلى الشقق والعمارات من حيث الشكل والتوزيع، ففي فلسطين التاريخية ما لا يقل عن 503 مغتصبات، منها 474 مغتصبة فقط في الضفة الغربية و 29 مغتصبة في القدس.
وهي موزعة ما بين مغتصبات صغيرة بحجم مزارع وقرى حدودية وأخرى بحجم مدن كبيرة مثل مغتصبات معاليه أدوميم أو بيتار عيليت أو أرئيل التي يقطن فيها ما لا يقل عن 18000 مغتصب، وهي منتشرة انتشار خلايا السرطان في الجسم ممزقة الوحدة الجغرافية لمناطق الضفة بما استولت عليه من أراض ومساحات، وبما يربط بينها من طرق وشوارع وممرات . فإن كان هذا هو التوصيف السريع لهذه المغتصبات من حيث الشكل والدور الذي تقوم به في حماية هذا الكيان، فكيف أصبحت تشكل عبئاً على صانع القرار في الكيان بحيث غدت تمثل عقب أخيل له ولكيانه؟ إن الباحث والمدقق فيما يتطلبه تأمين أمن هذه المغتصبات ومن يقطنها من مغتصبين يرى أن هنا مجموعة عناوين يمكن من خلالها فهم كيف يمكن أن تصبح هذه المغتصبات عامل قلق وأرق للكيان ومسؤوليه، ومنها على سبيل المثال لا الحصر: 

  1. تحويل سكانها أو بعضهم إلى رهائن يفاوض عليهم : إن من الأمور التي تشغل بال صانع القرار الأمني في الكيان، تحول هذه المغتصبات أو بعض أبنيتها بمن فيها من مغتصبين إلى رهائن يمكن أن يفاوض عليهم، فإن كان أهل القرى والمدن الفلسطينية التي تجاور هذه المغتصبات لا يملكون اليوم من وسائل القتال ما يمكنهم من فعل هذا الأمر، فإن المستقبل قد يحمل من طرق العمل ما يمكّن هؤلاء السكان من امتلاك ما يقدرون به من أخذ بعض هذه المغتصبات كرهائن يفاوض عليها أو سلبها الأمن ليفاوض ــ مرحلياً ـــ  على أمنها مقابل أمن جوارها، الأمر الذي يتطلب جهداً ذهنياً ونفسياً وإدارياً من أجل منعه والحؤول دونه تبذله المؤسسة العسكرية والأمنية الصهيونية، وهذا في حد ذاته مكسب ونقطة في صالح المقاومة وأهلها.
  2. خصهم بجزء لا يستهان به من القدرات القتالية: كما أن من الأمور التي حولت هذه المغتصبات إلى عبئ إضافي على الجهاز الأمني والعسكري الصهيوني، طلب خص هذه المغتصبات بقدرات قتالية تؤمن لهم الحماية داخل مغتصباتهم وأثناء التنقل منها وإليها، فهم مثلاً في مغتصبة كريات أربع في الخليل لا يتنقلون إلا تحت حراسة مشددة، وصغارهم الذين يذهبون إلى مدارسهم ترافقهم مواكب أمنية من بيوتهم حتى مدارسهم، هذا على سبيل المثل لا الحصر. 
  3. التغير الحاصل في وسائط القتال أفقد هذه التجمعات قيمتها التعبوية: إن من أهداف هذه المغتصبات عندما تم إنشاؤها ونشرها في طول فلسطين وعرضها، تأمين عمليات إنذار مبكر عن أي عمل عسكري من قبل الدول المحيطة بفلسطين، أو أي تهديد ممكن من البيئة الفلسطينية الداخلية، كما يُطلب من هذه المغتصبات امتصاص الضربة الأولى ومنع تطور الموقف الميداني والسيطرة عليه إلى حين تعبئة القوات المناسبة للتصدي لأي خطر ممكن، ولكن وبعد التطورات المذهلة في وسائط إيصال النار من مقصدها إلى أهدافها، أصبحت هذه المغتصبات إلى حد كبير غير ذات قيمة، وهي عاجزة عن القيام بالدور المطلوب منها، مع بقاء مطالبتها بالمخصصات المالية والقدرات البشرية على ما هي عليه، وهذا أيضاً عبء مضاف على كاهل الإدارة العسكرية والموازنة المالية.
  4. عدم القدرة على التأمين الشامل لشبكات الطرق الواصلة بينها: كما أن من الأمور التي تثقل كاهل الجهات المطلوب منها تأمين هذه المغتصبات، ما يتطلبه هذا التأمين من توفير أسباب الأمن والسلامة لشبكات الطرق التي تربط بين هذه المغتصبات، وبينها وبين مدن فلسطين الساحلية.
    وحتى يتم تأمين بقاء شبكات الطرق تلك فاعلة وعاملة في كل الأوقات وكل الساعات، لا بد من تخصيصها بقدرات مادية وبشرية، قد تكون الحاجة لها في مكان آخر أكثر ضرورة وأكثر أولوية، وهنا أيضاً نقطة في صالح المقاومة بحيث تقلص قدارت قتالية قد تعترضها عند استهدافها تلك المستوطنات أو قد تزيد من الأهداف التي تبحث عنها للضرب والتي ستنتشر وتتحرك على تلك المحاور والطرق.
  5. إمكانية السيطرة على القدرات القتالية المخزنة فيها: وحتى تقوم هذه المغتصبات بجزء من الدور المطلوب منها إلى حين تعبئة القدرات القتالية الفعلية للقيام بالمهام الرئيسية في مواجهة التهديد، تم تزويدها بأسباب البقاء من أدوات قتال ومعدات دفاعية؛ لذلك فإن من الجهود المبذولة في متابعة هذه المغتصبات ما هو مُنصّبٌ على تأمين مستودعات الأسلحة والذخيرة تلك من أن يصل لها الغرباء أو المقاومون، وفي هذا ما يسبب إرهاق واستنزاف لقدرات يمكن أن تستثمر في ضرب المقاومة وبيئتها الحاضنة، وهذا أيضاً مطلوبٌ لذاته. 

إذا كان ما ذكر من نقاط يعد بعض مما حوّل تلك المغتصبات من قيمة مضافة إلى القدرات القتالية يمكن أن تستثمر عند الحاجة، إلى عبء يمكن أن ينقلب إلى نقطة ضعف يؤتى منها الكيان في مقتل، فما هي السبل وما هي الطرق التي يمكن أن تفاقم من هذه المعضلة وتمكّن من استثمارها كنقطة ضعف من قبل المقاومين والمتضررين من أبناء فلسطين؟ إن بعض الطرق التي تساعد في استثمار نقطة الضعف تلك يمكن أن يكون على النحو الآتي: 

  1. عزلها عن محيطها: عن طريق السيطرة على طرق المواصلات التي تربط بين هذه المغتصبات، أو تحويلها إلى ممرات غير آمنة بشكل دائم أو مؤقت، أو العمل على إعاقة التحرك عليها بسلاسة وسرعة في ظروف قد تتطلبها بعض أعمال المقاومة العسكرية أو الشعبية. 
  2. قطع طرق التواصل بينها أو نزع الأمن عنها: عن طريق عمليات التخريب الشعبي؛ فسكب بعض من الزيت على هذه الطرق وتلك المحاور يجعل من الصعوبة بمكان التحرك عليها؛ ولو لحين، كما أن إيجاد الحفر أو القاء مخلفات البناء من الحجارة أو بقايا الإسمنت قد يحيل السير عليها إلى كابوس يومي للمغتصبين ولجهاز الحامية المرافق لهم والمسؤول عنهم. 
  3. تحويلها إلى نقاط اشتباك دائم: كما يمكن أن تتحول هذه المغتصبات إلى نقاط اشتباك دائم بين المقاومين وسكان القرى والمدن المحيطة بها، وبذلك نحول السكن فيها والتردد منها وإليها إلى مشكلة دائمة تستنفذ الجهود والمقدرات التي يمكن أن يستثمرها المحتل في غير مكان من أماكن المواجهة، خاصة وأن أدوات الفعل في مثل هذه المواجهات قد لا تكون من النوع الذي يصعب تأمينه وتشغيله والتهرب من تبعاته. 
  4. السيطرة على مستودعات السلاح فيها: إن هذه المغتصبات وبشكل أكيد تحوي في داخلها مستودعات ذخيرة وسلاح لسكانها أو للتشكيلات القتالية التي ستأتي للتموضع فيها عند الحاجة، الأمر الذي يعني أن رصد مثل هذه المستودعات ومحاولة الوصول لها والاستيلاء على بعض ما فيها أو تخريبه، أمر ممكن ومتاح مع بعض التفكير والجهد وتخصيص القدرات إلى هذا النوع من الأعمال والإجراءات.
  5. تحويلها إلى نقاط ارتكاز دفاعية في معركة التحرير النهائية : كما يجب أن يفكر من الآن بالآليات والأجراءات التي يجب أن يتم التدرب عليها وتأمين ما تحتاجه من قدرات مادية وبشرية لتحويل هذه المغتصبات إلى نقاط ارتكاز ورؤوس جسور لمعركة التحرير النهائية الآتية لا محالة، فكما أنها ــ المغتصبات ــ أعدت من أجل مهمة دفاعية عن بقعة جغرافية تمكن من يسكنها  ويسيطر عليها من تأمين محيطه الدفاعي، فهي تعمل أيضاً في صالح من يحتلها فيحولها إلى نقطة قوة له يستثمرها في عمله التعبوي، أو قد تخرج عن مهمتها المبنية من أجلها إن تمت السيطرة عليها ومنعها من أداء مهمتها. 

لا نزعم أن هذه المقالة جاءت على تفاصيل ومفردات هذا البحث، ولكنها بداية بحاجة لعملية تفكير ونقاشات وحوارات وتنضيج من أجل تحويل هذه المغتصبات من نقطة قوة للعدو وعامل إزعاج لنا، إلى نقطة ضعف واستنزاف لعدونا تصب مياها في طاحونة تحريرنا التي دارت سواقيها وجرى الماء في مجاريها، على أننا يجب أن نبحث بالتفصيل عن نقاط ضعف هذا العدو للعمل على استثمارها لصالحنا، فالركون إلى استهداف نقطة ضعف واحدة لا يجدي ولا يغني، وإنما الأصل الضرب في المجموع واستهداف المنظومة ككل يعضد بعضه بعضاً ويقوي قويه ضعف ضعيفه . 

عبد الله أمين 

01 03 2021





جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2020