هل سيركب الناخب العربي قطار الشراكة ويدفع ضريبة " الأسرلة"؟

هآرتس - رون غرليتش وأمير فاخوري
ترجمة حضارات
هل سيركب الناخب العربي قطار الشراكة ويدفع ضريبة " الأسرلة"؟

سيتوجّه المواطنون وللمرة الاولى في تاريخ السياسة الإسرِائيلية للانتخابات، بالتزامن مع تصريح مرشّح معسكر الوسط – اليسار لرئاسة الحكومة- الذي يعتزم تشكيل حكومة تعتمد على قوّة المواطنين العرب السياسيّة.
باستطاعتنا السخرية من تصريحات لبيد، الرّامية إلى تشكيل حكومة تدعمها القائمة المشتركة، لكنّها تظل بالفعل جزء من تغيير مثير ومفاجئ تشعله السياسة الإسرائيليّة في السنوات الأخيرة، ويتمثل بدعم معسكر الوسط – اليسار على مصوتيه وقادته لحكومة تعتمد على التمثيل السياسيّ العربيّ.

أظهر بحث أجراه مركز إكورد في الجامعة العبرية بداية عام 2021 أنّ %64 من مصوّتي معسكر المركز اليسار اليهوديّ، يدعمون فكرة تشكيل حكومة تعتمد على دعم القائمة المشتركة الخارجي، كما ودعم %50 منهم انضمام القائمة المشتركة للائتلاف الحكومي.
لا يمكن وصف هذا التوجه سوى برقصة التانجو، حيث يرغب المواطنون العرب بشدة التأثير على السياسة الإسرائيليّة التي تؤثّر بدورها عليهم وعلى الساحة السياسية العربية برمتها.
اعتبر رجل القانون حسن جبارين اللحظة التاريخيّة التي حصل فيها العرب على المواطنة "باللحظة الانهزامية" – لحظة انهزام واستسلام فئة مجتمعية- سياسية معينة لأخرى؛ لكننا الآن بصدد لحظة تاريخية أخرى، حيث يصرّح المواطنون العرب عن رغبتهم بالمشاركة بعملية صنع القرارات السياسيّة الإسرائيليّة بشكل مباشر، وعليه فيمكن اعتبار هذه اللحظة، بداية تقويم للحظة الأولى.

لكن تقف الكثير من العقبات أمام هذه الشراكة، فلن تتنازل الفئة الأقوى داخل هذه المعادلة بسهولة عن تفوّقها، وعن سيطرتها المطلقة على عملية اتخاذ القرارات. 
شهدت وما زالت تشهد "إسرائيل" و منذ قيامها حتى يومنا هذا، صراعا قوميّا بين المواطنين اليهود والعرب يسيطر اليهود من خلاله وبشكل مطلق على الحكم والقوة.
وعليه، فلا عجب أن ترفض الأغلبية اليهودية التنازل عن امتيازاتها، ومشاركة العرب بعملية اتخاذ القرارات.

بالمقابل لا يعد انخراط المواطنين العرب بالسياسة الإسرائيلية وعلى نطاق واسع لم تشهده السياسة الإسرائيليّة ولا أجهزة اتخاذ القرارات، عملية سهلة؛ حيث يوجب هذا الأمر حدوث تحول بالنهج السياسيّ الحالي، وأعني هنا تحويل النهج النضالي والعادل الذي يهدف إلى تحصيل الحقوق من السلطة، إلى نهج داعم جزئيا لها من أجل تحقيق أهداف مدنيّة وقوميّة. 
تبدو هذه العملية نوعا من "السّلف والدّين": حيث يوجب دخول دائرة اتخاذ القرارات دفع "ضريبة أسرلة" لم تتضح معالمها بعد. لكن، وبالرغم من ذلك سيتوجب على الجمهور العربيّ الفلسطينيّ التعامل مع هذه "الضريبة" بحكمة وحذر، عندما يحين الوقت المناسب لذلك.
وبالرغم الصعوبات التي واجهت وما زالت تواجه هذه الشراكة، إلا أنها حدثت بالسابق على نطاق ضيّق بمبادرة كلّ من توفيق زيّاد ورابين إبان حكومة الأخير.
شهدت تلك الشّراكة صعوبات جمّة، إلا أنها أتاحت المجال للجمهورين العربي واليهودي تحقيق رغباتهم السياسيّة.
كان تأثير هذه الشراكة ملحوظا وما أشبه اليوم بالأمس، فهذا نهج معسكر المركز – اليسار الذي يسعى من جهة للتمسّك بالسلطة ويحاول من جهة أخرى تحريك عمليّة المصالحة مع الفلسطينيين.
كان باستطاعة هذا المعسكر استغلال هذه الشّراكة، لوقف التدهوّر المقلق الذي تشهده الديمقراطيّة، والنهوض بدولة أكثر ديمقراطيّة ونجاعة.
بنظري وكما بالسابق، ما زالت الشّراكة خيار المواطنين العرب الأفضل للتّأثير على السّلطة، دعم المساواة وخلق حراك شعبي عمليّ يفضي إلى تحرير الشّعب الفلسطينيّ من ظلم الاحتـــ ــــلال واستبداده. 

لم تكن الشراكتان: السّابقة وتلك المطروحة حاليا، كاملتين أو مساويتين، بل على العكس كانتا أبعد ما تكونان عن ذلك.
لكن لا جدوى من انتظار توفر كل الشروط وتذليل كل العقبات والمعيقات للمبادرة للشراكة السياسية العربية- الإسرائيلية.
فعلى قطار التّغيير التّاريخيّ الانطلاق حالا، كما وعلى النوّاب عربا ويهودا قيادة هذا القطار في مسار مشترك ومتفق عليه. 
يقع على عاتق المواطنين العرب، حق وواجب أخلاقيّ- وطنيّ ثقيل يعني شيئا واحدا، استغلال قوّتهم السياسيّة من أجل إنقاذ أبناء شعبهم الرّازحين تحت نير الاحتـــــ ـلال.
يبرّر هذا وحده محاولة التغلّب على الخوف والتردد الواضحين من تحول الفلسطينيين إلى جزء فاعل ونشط في السياسة الإسرائيليّة، ولا ضير أن يشمّر المواطنون العرب عن سواعدهم، بل وأن يغضّوا الطّرف عن بعض التفاصيل، لدفع القطار الإسرائيليّ إلى الأمام، طبعا في حال استمراره بمساره السياسيّ والأخلاقيّ الصحيح.

هناك حقيقة واحدة لن تتغير، رغم مرور مئة عام من الصراع الإسرائيليّ – الفلسطينيّن لا يمكن تحقيق عيش مشترك ومواطنة متساوية بين اليهود والعرب في دولة "إسرائيل"، إلّا من خلال النهوض بلغة وممارسة تقوم على المشاركة، المساواة والحرية لكلا الشعبين. وعليه سيشكل تأسيس شراكة سياسية بين معسكر المركز يسار اليهوديّ، وبين السّياسة العربيّة الفلسطينيّة في "إسرائيل"، أداة لتحقيق ما سبق ذكره، فإذا أردنا حياة أفضل لنا ولأولادنا في هذه البلاد، فهذه مهمّتنا الأولى والأهمّ على الإطلاق.


جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2020