غزة إلى أين؟؟

ناصر ناصر

كاتب وباحث سياسي

تقدير موقف


بقلم ناصر ناصر

23-8-2021

سؤال لا يفارق غزة منذ احتلالها، وتحديداً منذ تولي المقاومة الفلسطينية زمام أمرها، نتيجة لعوامل داخلية وخارجية لا يسمح المقام في تفصيلها، هل سيؤدي التصعيد الأخير لجولة عسكرية جديدة مع الاحتلال الصهيوني بعد أشهر معدودة من انتهاء معركة سيف القدس في مايو الماضي حتى حادث استهداف القناص الإسرائيلي بارئيل شموئيلي واصابته بجراح عميقة على يد شاب فلسطيني ثائر في منطقة ملكة شرق غزة، وذلك أثناء مسيرة سلمية نجح فيها ذلكم القناص بإصابة العشرات من الأطفال والشبان الفلسطينيين المشاركين في هذه المسيرة حتى تلك اللحظة من يوم الجمعة الماضي سادت أوساط قادة الاحتلال أجواءً من التفاؤل
 ( والتقدير الخاطئ للأمور ) بأن ما تم تقديمه لغزة من (تسهيلات ) قد يضمن لرئيس وزراء الاحتلال نفتالي بينت هدوءً نسبياً لإدارة أزماتهم الداخلية، وعلى رأسها الكورونا ومناكفات الأحزاب والمضي قدماً في زيارته التاريخية لواشنطن للقاء الرئيس بايدن بعد أيام، ومن ثم التوجه للقاهرة للقاء الرئيس عبد الفتاح السيسي وقد أسهمت زيارة الوزير عباس كامل لتل أبيب الأسبوع الماضي ولقائه رئيس الوزراء بينت ووزير الدفاع غانتس بهذا التفاؤل أيضاً.

ماذا قدم الاحتلال لغزة؟

قدم لها تسهيلات محدودة جداً لا تتعدى أو تتجاوز معادلته التي يحاول -عبثاً فرضها- وهي أن ما كان قبل سيف القدس لن يكون بعدها، ووافق على الاتفاق الموقع بين قطر والأمم المتحدة والذي يسمح نظرياً بتلقي 100 ألف عائلة فلسطينية محتاجة من غزة 100 دولار شهرياً بدأً من سبتمبر القادم والسماح لحوالي 1350 تاجراً غزاوياً للسفر عبر المعابر وذلك من أصل 7500 تاجر كان يُسمح لهم بالتحرك قبل مايو 2021، إضافة إلى ما يعتبره الاحتلال ضبطاً للنفس في عدم الرد على صاروخ غزة نحو اسديروت يوم الاثنين الماضي.

لقد حاول بينت أن يصدّق أوهامه التي حذره منها قادة جيشه واستخباراته بأن معادلة غزة الاستراتيجية ستتغير على يده، وأن ما كان قبل سيف القدس مايو 2021 لن يكون بعده، وبأنه سينجح فيما فشل فيه أستاذه نتنياهو والذي اختار صاغراً وبعد تجربته مع غزة لسنوات اختار الوضع القائم، أي الوضع الذي ساد قبل معركة سيف القدس، لأن البدائل هي إمّا احتلال غزة بثمن باهظ جداً للجيش أو الاعتراف بالأمر الواقع في غزة والتعامل مع حماس وتخفيض الحصار بشكل جوهري، وكلا الطاغيتين بينت و نتنياهو لا يعتقدان أبداً بالخيار الرابع وهو الانصياع للقانون الدولي وإنهاء حصار واحتلال غزة الظالم.

ماهي عوامل التصعيد وعوامل التهدئة في غزة

من الواضح أن زيادة الحصار على القطاع وتصعيد ممارسات الاحتلال ضده هي العامل المركزي للتصعيد، وما المماطلة والمناورة المستمرة لبينت إلا جزءً من هذا الأمر، وقد بدا واضحاً أنّ الفلسطينيين في غزة ملتفون حول مقاومتهم وداعمين لها حتى أنهم يدعونها للقتال أو أن تتغير الأوضاع ويكسر الحصار.

أمّا عوامل التهدئة الممكنة فهي:

أولاً: قناعة قادة الاحتلال ووفق ما جاء اليوم في هآرتس بأن حماس مستعدة تماماً بجولة قتالية جديدة، وأنّ ترسانتها من الصواريخ لم تتأثر كثيراً كما أعتقد قادة الجيش نهاية معركة سيف القدس، التهدئة والتفاهم لا يتمان في عرف ومنطق الاحتلال إلا إن كان الطرف الآخر أي المقاومة مستعدة للحرب والدفاع عن حقوقها، وليس هذا فحسب بل إنها بدأت فعلاً بالتسخين التدريجي من خلال المسيرات على حدود غزة

ثانياً: من العوامل التي قد تسهم في كبح رغبة الاحتلال في التصعيد هي عوامل داخلية إسرائيلية سياسية واستراتيجية معاً، أما الاستراتيجية فهي تقديرات جيش الاحتلال أنه لن يحقق شيئاً من مواجهة جديدة مع غزة سوى المزيد من الدمار، وقد يتعرض رئيس الوزراء بينت لحرج جديد وقد يضطر للتنازل تحت النار خاصة أن مطالب غزة محدودة وقانونية ومشروعة، وقد تحقق المقاومة نصراً جديداً وخاصة في مجال الوعي.

 أمّا السياسية فتتلخص في هشاشة الائتلاف الحكومي، فحرب على غزة قد تؤدي إلى سقوط حكومة نفتالي بينت، خاصة بسبب معارضة حزبي ميرتس الصهيوني والحركة الإسلامية الجنوبية لها، كما أنها قد تزيد من انتقادات العالم لإسرائيل وستعزز التوجهات المعادية للاحتلال والصهيونية في كافة أنحاء العالم.

بناءً على ذلك يمكن القول بأن احتمالات التصعيد والوصول لجولة عسكرية جديدة خلال الأيام أو الأسابيع القادمة هي احتمالات محدودة إلى متوسطة وقد يتم ذلك تحديداً بسبب تطور وتدحرج الأوضاع، وكنوع من أنواع فقدان حكومة بينت السيطرة على الأمور نتيجة لرغباتها المستحيلة وأمانيها غير المعقولة، أما مصالح الاحتلال كما تبدو اليوم فهي العودة إلى الوضع القائم أي لما كانت عليه الأوضاع قبل مايو 2021 وتخفيف الحصار عن غزة وعدم التوجه لجولة قتالية وعليه فإن احتمالات التوصل لتفاهمات هي أعلى من احتمالات المواجهة العسكرية ما لم تحدث مفاجئات غير محسوبة من قبل الطرفين.



جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2020