نيالها شارين هاسكيل يا منصور!

حضارات للدراسات السياسية والاستراتيجية

مؤسسة بحثية وثقافية مستقلة تهدف لإنتاج دراسات وأبحاث متعلقة بالمنطقة العربية وأبرزها الواقع الفلسطيني والشأن الإسرائيلي


بقلم: فالح حبيب
مكان
مركز حضارات للدراسات السياسية والاستراتيجية


عندما تتحول الموحدة "بيضة قبان" بتأثيرها لغيرها في هذه المرحلة. درامة جديدة بمظهرها لكنها تقليدية بجوهرها في الكنيست مع تجاوز واحد من أهم مطبات الائتلاف الحكومي في هذه الدورة الشتوية الحارة.

وزير القضاء ساعر يريد تسجيل الإنجازات والايفاء بالتعهدات الانتخابية، خاصة واستطلاعات الرأي لا تُبشّر لهم خيرا، 4 مقاعد كأقصى حد حتى اللحظة أو عدم عبور عتبة الحسم، ما أدخل "تكڤا حدشا" في حالة ودوامة ضغط تسجيل الإنجازات، فمن مشروع قانون "عقوبات الحد الأدنى لتجار السموم وحاملي السلاح غير المرخص" الذي تقدم به ساعر ومن ثم واصلت به الوزيرة شاشا بيطون، إلى قانون "تغليظ العقوبة المفروضة على مرتكبي جرائم بالأسلحة"، وصولا إلى قانون "القنب الطبي" (الكنابيس)، وسرعان ما تحول هذا الضغط إلى ضغط أفقي عريض يُفعّل على جميع مركبات الائتلاف المختلفة، وعلى رأسها، الموحدة، التي فهمت أنه لا من مفر أمامها، إلا أن تكف عن المناورة ودحر المواجهة واتخاذ قرار في الشأن، لماذا وماذا فعلت (الخلفية)؟

التفتيش عن ملاذ ومخرج آمن دينيا ودنيويا بأقل الخسائر

 الموحدة بسبب ضغوطات الائتلاف عليها وسياسة "الهات والخذ" التي أخذتها بعين الاعتبار حسمت موقفها في موضوع القنب الطبي ائتلافيا، في الأيام الأخيرة التي سبقت طرح القانون.

سرعان ما تحولت المناورة وتجنب الدخول في حقل ألغام قانون القنب ودحر المواجهة لضرورة حسم، حسم أمرها فيما يتعلق بالقانون، فظهر التعاطي بإيجابية مع قانون القنب الطبي الحالي، رغم بعض المآخذ عليه، وصدقا المُختلف كليا عن قانون عدم تجريم القنب السابق الذي رفضته الموحدة وأسقطته سابقا.
 ظهرت قابلية للتصويت على القانون، لهذا لجأت لإحالة موضوع حسم القانون "لدائرة الإفتاء"، لماذا؟ ما أرادته الموحدة هو التفتيش عن ملاذ ومخرج آمن يضمن لها عدم الدخول بأزمة جماهيرية من جهة، ومصادمة الائتلاف من جهة أخرى من خلال الارتكاز على سبب منطقي وحقيقي ديني، رغم أنه العلم المُسبق أن الفتاوى تُجيز استخدام القنب الطبي ضمن ضوابط شرعية مشددة واضحة. 
حصلت على فتوى أخرى قبل التصويت رغم تأخر تعميم الفتوى جماهيريا، ما يؤكد أن الموحدة كانت مسبقا تريد التعاطي مع القانون بإيجابية وعدم اسقاطه سواءً بالامتناع أو التصويت مع، ولو لم يكن ذلك صحيحا لمَا سعت أن تُثبت صحة قرارها، لكانت قد صرفت النظر عن الموضوع ولم تهتم به أصلا، ولكن بحثت عن الشرعية الموجودة أصلا ما يُعطي مؤشرات أنها، وبكل الأحوال، فتشت عن سبب ترتكز عليه بحالة وقرّرت أن تُصوت ليس فقط لصالح القانون، بل أيضا ضده.


تصويت أعضاء المشتركة والتباين في وجهات النظر

أما المشتركة التي صوتت ضد بغالبية نوابها، فتصويتها أظهر التباين في وجهات النظر داخلها حول الموضوع، وذلك وضح جليا. النائب عوفر كسيف لم يتغيّب عبثا عن التصويت ولم يعود لقاعة الكنيست حتى يضمن مرور القانون وفي نفس الوقت لئلا تُحسب ضده وضد الجبهة، أما النائب عايدة توما سليمان فقد تغيّبت في البداية وعادت يبدو بعد أن تأكدت أن القانون سيمر لتمسك العصا من نصفها، كسب الرأي العام هنا وهنا. معقول خروجها وعودتها صدفة؟! لا صدف في السياسة.

النائبان أحمد طيبي وأسامة السعدي موقفهم كان "ضد" طيلة الوقت، وهذا ظهر بتصويتهم، كذلك بالنسبة للنائب سامي أبو شحادة، أما رئيس المشتركة النائب أيمن عودة فكان قد صوّت مع القانون بشكله الحر والعام في السابق، ولكن على الطبي صوّت مع غالبية زملائه "ضد"، لم تكن أمامه خيارات أخرى نظرا للظروف الحالية التي تشكّلت ومن خلالها هناك محاولة للتشهير في الموحدة، فكيف سيأمر الناس بالبر وينسى نفسه أو ينهى عن خلق ويأتي بمثله؟!

أما النائب ايمان خطيب من الموحدة فتغيّبت بشكل كامل عن التصويت لعدم اقتناعها بالمبررات والتفسيرات فبقيت في المنطقة الآمنة.

اللافت! أن هناك بند يُتيح التوزيع والبيع خارج الصيدليات، ما يُثير الشكوك من جهة ويُشكل ضررا على الصيدليات من جهة أخرى والموقف الطبي، ولهذا ليس صدفة نقابة الصيادلة ضده (لأسباب مبدئية وأيضا كثيرها تجارية) وكذلك أيضًا وزير الصحة هورڤيتس بنفسه ضد القانون بالجوهر. 
هناك بُعد ترويجي تسويقي أيضا يُثير الشكوك، الذي من شأنه أن يُساهم بسهولة الوصول لهذا "المخدر" بعكس الموقف الديني على الأقل والفتوى التي نشرها المشايخ الافاضل التي أجازت استخدام القنب الطبي ضمن ضوابط شرعية مشددة. ليكتب لي رئيس الموحدة النائب منصور عباس فور انتهاء التصويت:

تصويت نواب الموحدة ينسجم مع الموقف الشرعي الذي يجيز الاستخدام الطبي المقيد لمشتقات الكنابس، وسنتأكد من تحقق ذلك خلال المراحل القادمة لسن القانون.

هذا القانون يخدم عشرات آلاف المرضى الذين يحتاجونه كعلاج طبي". ما يعني، وبكلمات أخرى، أن الموحدة ستعمل كجهاز كوابح في هذا الشأن في حالة وكانت هناك محاولات لشرعنة القنب بكل أشكاله ومشتقاته وبشكل حر، ولكن إلى متى ستبقى الموحدة بيضة قبان بتأثيرها لغيرها؟

صرف الفواتير قبل أن تزداد وتيرة لسع "الدبابير" أمر حتمي

 الائتلاف الحكومي بمساهمة الموحدة يتمكن من اجتياز واحد من أهم مطباته والحواجز وتمرير قرارته في هذه الدورة، ما يؤكد على حجم تأثيرها ودورها كبيضة قبان ولسان ميزان، هل ستبقى "بيضة قبان" لغيرها؟ فما المقابل يا ترى؟

مصادري تؤكد أن زحزحة في قضايا عالقة كثيرة ستُسجل في الأيام والأسابيع القادمة، جملة من الطلبات، ولكن هل التعهدات وحسن النوايا يكفي من قبل باقي مركبات الائتلاف؟ بكل تأكيد لا، بدون صرف الفواتير بشكل فعليّ ستجد نفسها الموحدة تتقاسم مع الائتلاف بإخفاقاته مع الكثير من لسع الدبابير، أما إنجازاته فلغيرها. "هاسكيل" وتكڤا حدشا مثلا سجلا إنجازًا يخصهم ويخدم مصلحتهم السياسية بتمرير القانون بالقراءة التمهيدية، خاصة وهي كانت قد حملت لواء تقنين القنب الطبي والقنب بشكل عام في البلاد.

الموحدة بحاجة لصرف فواتيرها نقطة. وأي أمر غير ذلك سيُحسب عليها وضدها لا لها، ومنها عبء ومسؤولية هذا القانون وغيره.

منسوب الضغط في الموحدة يرتفع كلما مر الوقت، وليس صدفة كتب لي رئيس الموحدة السابق، النائب السابق إبراهيم صرصور:

"آن الأوان أن يُعَلِّمَ نواب الموحدة وزيرة الداخلية أييلت شاكيد التي تجاوزت كل الحدود بنباحها، درسا في المدنيات والأدب.
 هذه الوزيرة غير مقتنعة بالائتلاف الحكومي الحالي وتحلم بالعودة لليكود، لهذا تعمل ضده ولا تتوقف عن احراجه وتقف حجر عثرة أمام تنفيذ اتفاقيات الموحدة مع الائتلاف".

فقط للتوضيح، هذا التصريح يأتي على خلفية إعلانها عن مخططها الرامي لإقامة بلدات يهودية في النقب وليس فقط،

تصريحاتها المستفزة بخصوص القضية الفلسطينية والقدس والاقصى وعدم ادخال أي تغيير على قانون كامنتس الذي من شأنه أن يُشكّل للوهلة الأولى تهديدا لمستقبل الائتلاف، خاصة وهذا المطلب هو واحد من أهم التزامات الموحدة لجمهور ناخبيها، وعلى وجه الخصوص، في النقب.

مثل هذه التصريحات تعكس جزءً بسيطًا، لكنه هاما من حجم الضغوطات الداخلية التي تعيشها الموحدة مؤخرا بالكثير من المحاور.

بعد يا وليد الناس بتموت، هذه المرة، نيالها شارين هسكيل يا أبو محمد (منصور)، عتباية لكنها توبيخية.

 ما أن كشف النائب منصور عباس عن موقف الموحدة عندما طلب الصعود لمنبر الكنيست ليوضح هوية قرارهم وتصويتهم متحدثا بالعربية لمخاطبة المجتمع العربي بالطبع، حتى صاح في وجهه النائب أحمد طيبي: نيالها شارين هاسكيل، قبلت التصويت معها على قانون الكناڤيس، ورفصت التصويت معي، مع أخيك وزميلك على قانون ربط البيوت العربية بالكهرباء. 

في هذا التصريح هناك بُعد استراتيجي تسويقي، هذه الجملة لم تكن عبثية! بظاهرها بريئة عفوية وتلقائية، همسة عتب عابرة نابعة من جرح شخصي عميق، لكن بجوهرها ضربة سياسية، فيها عتب لتأليب الرأي العام.

سياسيا وبمفاهيم موازين القوى في البرلمان تُخرج الأمور عن سياقها، لأن الموحدة ملزمة للائتلاف ضمن الانضباط الائتلافي وليس للمعارضة، للمشتركة وغيرها. 
ربما هناك مَن سيُخاطبني ويقول لكن فالح: لو أسقطت الموحدة "الڤيتو" آنذاك لكن لدينا قانون لربط البيوت في الكهرباء!

ما علينا، تبقى هذه العبارات العتابية علامة فارقة في أذهان الناس، وهذا ما سعى ويسعى إليه النائب أحمد طيبي من خلالها.
 أن تبقى عالقة في الوعي الجماهيري للكثير من الاعتبارات، وبهذا هناك حنكة سياسية ونكاية بنفس القدر والحجم.

هي عتابية بظاهرها، لكنها توبيخية وضربة سياسية بقصدها وجوهرها ونتائجها.

والسؤال، متى؟ متى ستتمتع الموحدة بالشجاعة والاقدام وتتحرر من "نباتيتها" وتبدأ العمل في داخل "غابة الائتلاف" كثعلب ماكر يرواغ ويناور، تقوم بذلك انصافا إلى حد كبير وما تسمح به مساحة المناورة داخل الائتلاف، ولكن بالمقابل متى؟ متى ستعمل كأسد جسور يُكشّف عن أنيابه عند اللزوم ويفترس عند اللزوم من جهة أخرى، وتبدأ بصرف الفواتير قبل أن تزداد وتيرة لسعات الدبابير.

أسابيع حاسمة أمام الموحدة يجب أن تحسم فيها الأمور.

جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2020