القدس في عيون أسير

عثمان بلال/ أسير في سجن عوفر



أي مخزون قداسة هذا، الذي تحويه القدس، فما أن يصاحب اسمها شيٌ، إلا واصطبغ بشي من خصوصية تغايره، عن نظائره من الأشياء، تمامًا كنفخة روح تحيل ترابًا مكوم، إلى كائن مكرم، وضمن هذا القانون العجائبي، تندرج أسوار وبوابات وحارات، تبقى مجردة إلى أن تضاف إليها القدس، وتكسوها هالة نورانية، لتغدو كأيقونة في كنيسة، وتمتلي بمعانٍ كأنها آية من قرآن، ويتردد في خلفية المشهد، صدى تراتيل (تميم)، يلخص ملحمة بدأت وما انتهت.

في عالم الأحلام الصغيرة، حيث أُسجن ولا أقيم، حدثت معجزة، فجأة وبعد ثلاثة عقود إلا قليلا، تيسرت لي كعكة، وليست كأي كعكة، إنها كعكة القدس، تلك التي تستقبلك على رصيف المصرارة، وتودعك هناك أيضًا، يوم كنا نملك زيارة محبوبتنا، وعلى ترابها نسجد، أخذت كعكتي، حدقت بها طويلاً، كأنها العشاء الأخير، وتملكتني حالة كأنها الوجد، تلك التي تسكن صوفيًا، يرقص في زاوية ضيقة، في حين تحلق منه الروح، في عوالم لا تنتهي.

كانت الكعكة بمثابة كبسولة، تبحر عبر الزمن  في رحلة باتجاهين، نحو ماضٍ كان، وحلمٍ أسأل أن يقول له كُن، رأيت فر رحلتي هذه عائلتي تفترش التراب، هناك قبى الأسباط، حول مائدة الإفطار في مساء رمضاني، يوم كنا عائلة قبل أن تفرقنا السنون، بين سجن وغربة وكفن، رأيت فيها الكاف، حيث هناك وضوء، هناك بصبغة السماء، وأركانه بهذا الماء تزيد ركنًا خاصًا، فتغسل قلبك، بعد أن غسلت وجهك، ويديك إلى المرافق، رأيت فيها أبو طير، يؤمنا في قيامٍ فيطيل، فنكمل ركعتنا جالسين، وتفحصت وجوهًا بعد سلام فيها إمارة صدق، منها من قضى النحب، ومنها من دون تبديل، ينتظر اللحاق بمن أحب، ثم حلمت أن أسجد يومًا هناك، فيء مغارة تحت الصخرة، حيث تهبط ساجدًا نحو أرض قدستها خطى الأنبياء، فيستحيل هبوطك معراجًا، على براق الشوق نحو السماء، وتسري فيك روحًا وجسد، تلك القشعريرة التي يعرفها من هناك سجد.

اللهم حقق فيما يرضيك، أحلامنا وآمالنا اللهم آمين.

جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2020