وقد أحسن بي

الكاتب/ وليد خالد

عند المفسرين أن فعل أحسن يتعدى ب (إلى) و(الباء)، فيقال أحسنت إليه وأحسنت به، أو أنه حين يتعدى (بالباء)، يتضمن معنى لطف، فأحسن به معناها: أحسن إليه ولطف به، أو أن الباء هنا للملابسة والملاصقة، بمعنى ملاصقة الإحسان به. [ينظر: الزمخشري، الرازي، ابن عاشور...]. وكل ذلك جميل.

غير أن ( العبد الفقير) يحب أن يتدبرها بشكل إضافي كما يأتي:

من معاني الباء، استعمالها كأداة أو وسيلة، فنقول: جئت بالسيارة، وكتبت بالقلم، وضربت بالسيف، وهكذا...، لذلك كان من لطيف ما قيل، في معنى قول الله عز وجل: ( ولقد نصركم الله ببدر)، أن الباء هنا للوسيلة، وكأن القرآن يقول: إن الوسيلة التي نصــ ـر الله بها الإسلام، كانت بدر، فكأنما كان النصر في بدر، سببُ نصر الإسلام والمسلمين، كيف لا وهي الفرقان؟ وهي: (وما أدراك لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال اصنعوا ما شئتم فقد غفرت لكم).

وإذا كانت الوسيلة أو الأداة منسوبة إلى القدرة الإلهية، فمن الجيد تسميتها (الجندي) الذي اختاره الله، لتنفيذ إرادته وقدره، ( وما يعلم جنود ربك إلا هو).

وعلى هذا يكون معنى قول الله سبحانه، على لسان يوسف عليه السلام: (وقد أحسن بي)، أي:  أحسن إلي بأن جعلني الأداة والوسيلة، التي أحسن بها إلى الناس، أو الجندي الذي اختارته القدرة الحكيمة، كي ينقذ به الناس، كيف لا وقد أنقذ به، الناس والحيوان والنبات في مصر، وما حولها من خطر مجاعة كان سيفتك بهم، فضلا عن هداية من هدى منهم للإسلام، فأنقذه من النار... وعلى هذا المعنى تكون أكبر مكافأة وتكريم وإحسان من الله عز وجل، لعبد؛ أن يختاره جنديا من جنوده لينفع الناس، ويعطي الناس، ويسعد الناس، ويقاتل في سبيل الله، من أجل الناس وكرامة الناس وحرية الناس. ومن هنا كان الأنبياء عليهم السلام صفوة الخلق، لأن الله اصطفاهم؛ لينقذ بهم البشرية؛ في دنياها فلا تشقى، وفي آخرتها فلا تتردى. واختص الله سبحانه سيد الخلق وحبيب الحق، بالكرامة الكبرى والشفاعة العظمى، والمقام المحمود يوم القيامة، ثم كان من كرامة الشهــ ـداء عند ربهم، أن يشفعهم في سبعين من أهلهم، ممن وجبت لهم النار.

وهكذا يكون مقدار المكافأة الإلهية، والكرامة الربانية، لعبد من عباده، بمقدار ما استخدمه وسخره، لنفع الخلق والعطاء للناس والتضحية في سبيل الله؛ من أجل سعادة الناس وخير الناس؛ لذلك كانت هذه الأمة (خير أمة أخرجت للناس).

لذلك كان جميلا وعميقا قول القائل: (حاجات الناس إليكم من نعم الله عليكم، فلا تملوا هذه الحاجات)، ومثله قول الشاعر:

       وأكرم الناس ما بين الورى رجل     تقضى على يده للناس غايات

       واذكر فضيلة صنع الله إذ جعلت    إليك لا لك عند الناس حاجات

ومن ثم، فلعل الله سبحانه يدخر جواهرنا خلف القضبان، فلا تزيد قسوتها أصالة بريقهم، إلا لمعانا وإشعاعا، حتى إذا حانت ساعة القدر المرسوم أخرجهم من بطن الحوت، فأحسن بهم إلى شعبهم وأمتهم، على ظمأ الغياب والشوق والصبر الجميل، فيخرجهم أحوج ما تكون الأمة، لبذلهم وعطائهم؛ فيغسل بأرواح آلامهم وآهات صبرهم، ما علق بجسد الأمة من درن الدنيا، واثقلال الإخلاد لزخارفها الخادعة، نسأل الله أن يكون ذلك أقرب مما نظن.

وفي هذه الأيام يتخذ الله سبحانه، جنودا يصطفيهم ليحسن ببأسهم الأخاذ لكل حر؛ ولكل بيت، ويشفي بهم صدور المؤمنين. 

وأي كرامة يصطفيهم الله لها، أكبر من اتخاذهم ليكونوا سحابة الغيث، المحيي لصحراء الضفة المكبلة والمجدبة بقحط التنسيق، والتآمر والسحق؟ ألا إنه نِعم الاتخاذ ونعم الإحسان.  

وعندي أن الكرامة الأكبر إنما يدخرها الله عز وجل، لفتيان الجنوب، الذين ينتظر بأسهم العدو والصديق، أولئك خوفا وفرقا، وهؤلاء لهفة وشوقا، أولئك الذين سيحقق الله بهم وعد الآخرة، أولئك الذين كانوا كلما أجدبت قضيتنا بقحط التآمر، أسقانا الله غيث بطولاتهم، يحيي به موات عجزنا، كان ذلك في جولات: ( 2009، 2012، 2014، 2021...)، وها نحن ننتظر الوعد المرقوب.

أليست هذه الأرض هي التي باركها الله للعالمين؟ أي أن بركتها ستعم الأرض؟ فكيف يكون ذلك؟ أحسب أن هذا سيتحقق عندما تصحو البشرية ذات فتح، وقد خلصها (إخوان الملثم) من لوثة التاريخ، التي جثمت على صدرها إفساد وابتزاز ومؤامرات، تصحو الدنيا ذات تحقيق الوعد، وقد بترت ذراع الشيطان في الأرض، وأصيب حــ ـزبه في مقتل، عندئذ ستدرك البشرية، أي خير وأي نفع وأية بركة، أنعم الله عليهم بها بجنوده الذين اصطفاهم لتحقيق وعد الآخرة.

عندي أن هذه هي الكرامة الكبرى، التي يدخرها الله عز وجل لأولئك الذين يشتاق ظمأ أرواحنا، لغيث صهيل خيلهم على مسامع القدس، فتكتشف الدنيا أن أولئك الذين طالما تآمروا عليهم، وحاربوهم فوق كل أرض وتحت كل سماء، أولئك الذين حاصرهم الجار ذو القربى، والجار الجنب، والصاحب بالجنب، وابن السبيل، أولئك هم الذين اختارتهم يد العناية الحكيمة، لتحسن بهم إلى الدنيا، التي طالما تنكبت لهم، ورمتهم عن قوس واحدة.

عندي أن هذه هي الكرامة الكبرى، التي يدخرها الله عز وجل لهم في الدنيا، أما في الآخرة فعند الحوض يكون الملتقى، وتكون الجوائز الكبرى، وما عند الله خير وأبقى. 

اللهم متعنا وأكرمنا بتأويل رؤى أقلامنا عاجلا غير آجل، ويا رب إذ أحسنت إلينا بالخروج من السجن، أن تتم نعمتك علينا بالإحسان بنا، إلى أهلنا وشعبنا، اللهم الثبات، اللهم آمين.

جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2020