روحوا عَ غزّة

هآرتس

شيرين فلاح صعب

"لم أخرج من غزّة بحياتي أبداً بل ولا أملك حتى جواز سفر، أنا أنتمي لجيل لم يعرف إلا الحصار، كبرتُ على أخبار انتظار فتح الحاجز وإغلاقه، وعلى قصص مرضى لم يتمكنوا من مغادرة غزة لتلقّي العلاج، يعني -بالعربي- نشأتُ داخل سجن"!.

"أخبَرني أبي -وآخرون من أبناء جيله- أنهم اعتادوا الخروج لتناول العشاء في يافا وتأمل الغروب".

"لم أستطع يومًا تخيُّل ما تحدثوا عنه، فقد كانت هذه القصص بمثابة أحلام بالنسبة لي -نحن جيل الحصار- نتابع تقدّم وتطور شبّان العالم، أمّا نحن فَمحرومون حتى من التفكير بذلك".

"لم نختبر يومًا الانفعال الذي يسبق السفر، لم نرَ الطائرات العاديّة سوى عبر شاشة التلفاز، لكننا نعرف جيداً كيف تبدو طائرات الـF16 والطائرات المُسيَّرة".


كان هذا جزءاً من شهادة أدلى بها "حازم الجاعوني" -ابن الثالثة والعشرين- والذي يعمل كمصمّم غرافيكي لجمعية "مسار".

كان حازم في السابعة من عمره حين فرضت "إسرائيل" حصارًا على قطاع غزّة إثر تولي حركة حماس الحُكم.

وكانت كلماته هذه جزءاً من مشروع تقوم به الجمعيّة لجمع شهادات فلسطينيين عقب مرور 15 عامًا على الحصار.


"ماذا أقول؟ الوضع في غزّة كئيب جدًّا، حيث لا يجُد معظم خرّيجي التعليم العالي عملًا، ويعيشون في ظلّ الاحتلال، الحصار، الانقسام السياسيّ، وعدم الاستقرار، حيث تنشب سنوياً حروب تودي بحياة الكثيرين، تدمّر البيوت وتخرب الأراضي وتأخذ معها أحلامنا وآمالنا".

"لا أدعي أن علينا الاستسلام أو التوقف عن الحلم بواقعٍ أفضل، لكن أحلامنا هذه منوطة بالقيود الإسرائيلية_فلا إمكانية تقريبًا للعمل خارج القطاع والتقدّم مهنيّا".

"نعم فقد تلاشت أحلامي أمام واقعٍ لا يمكنني التحكُّم به، أريد أن أكون حُرًّا، أجرّب، أختبر أسافر وأستجمّ، أريد أن تسنح لي الفرصة بمغادرة غزة والعودة إليها".

"أخشى إصدار جواز سفر؛ بل وأخشى السفر وحدي، فلم أقم بذلك من قبل، سمعتُ الكثير عن معاناة الناس على المعابر، وعليه أخشى تجربتها".


أصدر مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة عام 2008، إعلانًا يدين "إسرائيل" ويدعوها إلى رفع الحصار عن القطاع، والسماح بدخول الطعام، الوقود، والأدوية وفتح المعابر الحدوديّة.

لكن وبالرغم من ذلك ما زالت غزة سجنًا كبيرًا لأكثر من مليونَي فلسطينيّ، وعليه فلا عجب أنّ تحولت مقولة "روحوا عَ غزة" -على الأقل بنظر الإسرائيليين- إلى مقولة يُقصد فيها اذهب "للجحيم".

لقد حان الوقت وبعد مرور 15 عامًا، ورغم الإنكار الإسرائيلي المستمر وصمته حيال الحصار، التوقف عن ترسيخ حوار فكّ الارتباط مع غزة، ببساطة لأن "إسرائيل" قوّة مُحتَلّة بل وما زالت تسيطر على غزّة عن بُعد، تتحكّم بحركة مواطنيها وتفرض عليهم عقوباتٍ اقتصاديّة ومدنيّة.

لا ينفي أحد "حق "إسرائيل" بالدفاع عن نفسها"، لكن الحصار والعقاب الجماعي خلقا معادلة سيئة تؤثّر سلبًا، بشكلٍ مباشر وغير مباشر على المدنيّين الفلسطينيّين فمصيرهم بيد "إسرائيل".

لكن ما يجعل أسى سكّان القطاع فوق الاحتمال، أنهم محرومون حتى ووفقاً للأعراف الدولية من "الاستفادة" من مكانتهم كمدنيين تحت الاحتلال فـ"إسرائيل" لا تحتل غزّة فعلياً.

تُبقي هذه الديناميكية الفاعل مجهولًا، ليعتاد الجانب الإسرائيلي العيش معها بل ولينكر وجودها أصلا.

تدعي "إسرائيل" أن "لا شريك" لها في غزّة، خلافًا للضفّة الغربية ظاهريًّا لتبرر حروبها العسكرية، واستمرار العقوبات والحصار.

يرسخ هذا الحوار واقع غزة الكارثي، الذي تولد فيه أجيال متعاقبة لا تعرف إلا حياة تحت القمع والسيطرة الأجنبيّة.  

في هذه الأثناء تستمر "إسرائيل" بإنكار سيطرتها على غزة، الأمر الذي لا يُلزمها بتحمّل أية مسؤولية أخلاقية. وعليه فلا عجب أن يستمر الإسرائيليون بترديد عبارة "روحوا عً غزّة"!

جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2020