خطاب الرئيس: غموض بَناء أم غياب رؤية؟

د. إبراهيم أبراش

دكتوراة في القانون العام

بقلم/ إبراهيم أبراش 


توقع البعض أن يعلن الرئيس في خطابه في الجمعية العامة في دورتها 77 المنعقدة يوم الجمعة 23 سبتمبر، عن الانتقال من حالة سلطة حكم ذاتي تحت الاحتلال إلى دولة تحت الاحتلال، وخصوصا أنه هدد بذلك أكثر من مرة وتم اتخاذ خطوات داخلية بهذا الشأن، كما توقع آخرون أن يعلن الرئيس من على منصة الأمم المتحدة عن الانسحاب من تسوية أوسلو، وتنفيذ قرارات المجلسين المركزي والوطني، ولكن خطاب الرئيس وإن كان واضحا وشاملا في تغطية كل جوانب القضية، بداية من وعد بلفور والمسؤولية البريطانية والأمريكية مطالبا بالاعتذار والتعويض، مرورا بالنكبة والتشريد والمجازر الصهيونية القديمة والحديثة، إلى تهرب إسرائيل من التزاماتها مع الفلسطينيين، وتهربها من تطبيق قرارات الشرعية الدولية، متسائلا لماذا إسرائيل وحدها لا تعترف أو تلتزم بالشرعية الدولية، محملا أمريكا مسؤولية التعنت الإسرائيلي، كما تحدث عن عشرات قرارات الشرعية الدولية التي لم تلتزم بها إسرائيل، ولم تفعل الأمم المتحدة أي إجراء لمحاسبة إسرائيل على ذلك.
إلى هنا كان الخطاب واضحا من حيث تأكيده على عدالة القضية، ولكن هذا الوضوح غاب والتبست مفردات الخطاب حيث كان يجب التوضيح، وخصوصا أنه قبل عام هدد أنه سيتخذ إجراءات تضع حدا لعجز المنتظم الدولي و للممارسات الصهيونية، وفي اعتقادنا أن خطاب الرئيس هذه المرة كان الأكثر غموضا و التباسا و إرباكا من كل خطاباته السابقة، سواء فيما يتعلق بما يريده الرئيس أو بالسياسة المستقبلية للقيادة الفلسطينية، ويمكن إرجاع ذلك إلى:-
1- معرفته أن العالم مشغل بأزمة أوكرانيا وتداعياتها الاقتصادية والعسكرية، وبالتالي لن يلتفت أو يتشغل عمليا لأي تسوية للقضية الفلسطينية.
2- حالة الضعف التي عليها النظام السياسي الفلسطيني، على كافة المستويات.
3-  تصاعد أعمال المقاومة في الضفة والقدس.
4-  تقدُم الرئيس بالعمر، مما يجعله حذرا في الإقدام على أية خطوات دراماتيكية.
5- ضغوط أمريكية وأوروبية وعربية عليه، لعدم تضمين خطابه أي مواقف تصعيدية.
6-  عودة واشنطن وتل أبيب للحديث عن حل الدولتين.
7- عدم تحرك أي طرف دولي بعد خطابه السابق، لتحريك عملية السلام أو الضغط على إسرائيل.
أما بالنسبة لحالة الالتباس والغموض في خطاب الرئيس، سواء كان غموضا بناء أم تعبيرا عن حالة ضعف وغياب رؤية، فتلمسها من خلال ما يلي: 
1- بعد إسهاب الرئيس في الحديث عن تقصير المنتظم الدولي والأمم المتحدة، وعدم تنفيذ أي قرار من قراراتها عاد ليراهن على الأمم المتحدة وقراراتها، من خلال قوله إنه سيتقدم لمجلس الأمن لطلب عضوية كاملة لفلسطين والانضمام لمنظمات دولية، مع أنه يدرك أن الفيتو الأمريكي ينتظره هناك.!
2- تنويهه بحديث غالبية قادة العالم عن حل الدولتين، واعتبار ذلك تحولا إيجابيا بالرغم من أن فكرة حل الدولتين موجودة منذ قرار التقسيم 181، وبعده مع توقيع اتفاقية أوسلو ثم خطة خارطة الطريق 2002.
3- استعداده للعودة لطاولة المفاوضات، إلا أنه لم يكن واضحا إن كانت المفاوضات ستكون على أساس اتفاق أوسلو، وخطة خارطة الطريق وقرار الجمعية العامة لعام 2012 أم على أساس قرار 181 و194؟.
4- تجاهل الحديث عن مؤتمر دولي للسلام، والاكتفاء بالحديث عن الاستعداد للعودة لطاولة المفاوضات، مع أن كان قبل ذلك يطالب بهذا المؤتمر.
5- مع اتفاقنا مع الرئيس على أهمية حديثه عن المجموعات اليهودية المتطرفة، ومطالبته بإدراجها على قوائم الإرهاب، أيضا حديثه عن رفض الإرهاب، لا إننا كنا نتمنى لو تحدث عن حق الشعب الفلسطيني بالدفاع عن نفسه ومقاومة الاحتلال، موضحا الفرق بين الإرهاب الذي تمارسه دولة الكيان وقطعان المستوطنين من جهة، وما يقوم به الفلسطينيون من ممارسة حق مشروع بالدفاع عن النفس من جهة أخرى.
إن كان الرئيس لمس ليونة في حديث الرئيس الأمريكي بايدن ورئيس وزراء إسرائيل لابيد عن حل الدولتين، فإننا  نحذر من مناورة أمريكية إسرائيلية تهدف إلى الالتفاف والتآمر على حالة الغضب التي تعيشها الضفة، والتغطية على الاقتحامات اليومية للمسجد الأقصى من خلال جر القيادة الفلسطينية مجددا لمفاوضات عبثية، ومع أن الرئيس أبو مازن طالب بخطوات عملية لإثبات صدق الحديث عن حل الدولتين، بالرغم مما يكتنفه من غموض، إلا أنه لا توجد أية مؤشرات على إمكانية قبول إسرائيل وأمريك بقيام دولة فلسطينية تكون الضفة والقدس جزءا منها، وهنا نذكر بالمناورة الأمريكية الإسرائيلية للالتفاف ومواجهة الانتفاضة الأولى 1987، حيث تم عقد مؤتمر مدريد للسلام ثم توقيع اتفاق أوسلو، والغرق في مفاوضات استمرت لثلاثين سنة لم تثمر إلا مزيدا من ضياع الأرض والحق، أيضا ما جرى عقب الانتفاضة الثانية 2000، حيث تم طرح خطة خارطة الطريق وطرح العرب المبادرة العربية للسلام 2002، وبعدها تم اقتحام الضفة الغربية واغتيال أبو عمار، وحتى اليوم لم تلتزم إسرائيل بالمبادرتين؛ بل عملت كل ما من شأنه تدميرهما.

وأخيرا، إن أسوأ ما يمكن فعله أن تعود المفاوضات بين القيادة الفلسطينية وإسرائيل، في ظل حالة الانقسام وقبل ترتيب البيت الفلسطيني، فأية عودة للمفاوضات ليس فقط ستمنح العدو مزيدا من الوقت، لاستكمال مخططاته التوسعية والتهويدية؛ بل أيضا ستفاقم من حدة الخلافات الفلسطينية الداخلية.

جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2020