مشاعر مؤجلة

سعيد ذياب

أسير وكاتب

أدَرتُ مُؤَشِّرَ الراديُو على الإذاعةِ مَساءً أثناءَ انشغالي بتوضيبِ أغراضي، بعد انقضاءِ يومٍ آخرَ انضمَّ مُرْغَمَاً لِرُزمِ الأيامِ المُتَكدسةِ في سنيّ عُمرٍ أوغلَ فيه السجنُ واستولى على ربيعِهِ منذُ زمن، كان البرنامَجُ حِوَارِيَّاً، يُديرُه صوتٌ أُنثوي انشدّ سمعِي إليه، لا لرقَّتِهِ وحسْب؛ بل للطريقةِ المُنَمقة في نسجِ الكلماتِ وإدارةِ الحوارِ مع ضَيفٍ كان يُؤَصلُ لِموضوعِه بمقتضى مُواصفاته الشَّرعيّة.

ظننتُ بدايةً أن الحديثَ عن النُّطفِ المُهرَّبة، لكنَ المقصودَ غَدا أوسع عند الحديثِ عن ارتباطِ الأسيرِ المؤبَّد بلال البرغوثي بأستاذةٍ جامعيّة تُحاضرُ في جامعةِ بيرزيت، كنت ُلازلتُ في انهمَاكِي وذهني نِصْفُ منشَدّ إلى الحوار أُفَتّـشُ في أشيائي علَّني نسيتُ شيئاً قبل إغلاقِ القسم، عندما قال الضيفُ: إنَّ مِنْ حقِّ الأسيرِ أن يكونَ له مشاعر، وأن يحياها كأيِّ إنسانٍ آخر، أن يكونَ له زوجةٌ وأولاد وعائلة، وكلام ٌآخرَ كثير، احتـَفَـْيتُ جداً بهذا المعنى الذي أراد، فقد وافقَ في داخلي رأياً كنتُ أراه، وَوَدَدتُ لو أكتبَ عنه مراراً لأتشاركَه مع نفسِي على الأقل، إذ لم تُتَح لي فرصةُ التَّعبيرِ عنه لأحدْ.

أعلمُ أن الموضوعَ شائكٌ، والخوضُ فيه ليس مأمونُ العواقبِ؛ لأنهُ يقودُ مباشرةً إلى ظاهرةِ ارتباط ِالأسرى من سجنِهم ومؤبدِهم بفتياتٍ خارجِه، الذي يعني إضافةً لمعاناةٍ جديدة، وفتحَ جُرْحٍ جديد، اللهُ وحدَه أعلم متى سيندَمِل، وربْطُ قلبَيْنِ بحُبٍّ سيُعلَّقُ اكتمالُه على زوالِ قيدٍ وسِجنٍ وجدار.

وبعيداً عن هذه المباشَرَة التي لها ما يُبَرُّرها ويُدعِّمُ حُجتَها فإني أُريدُ أن أعودَ لعبارةِ: (من حقِّ الأسيرِ أن يكونَ له مشاعر)، إذ ليس سهلاً ربما على مجتمعِ الأسرى، الأبطالِ الصَّنادِيدِ، ورجالِ المرحلة الذين صنعوا الأمجادَ لشعبِهم وقدَّمُوها على مذبحِ حُريتهم أن يتحدثوا عن مشاعرِهم المُكبَّلة وأحلامِهم المُؤجَّلة.

أجل، لربما يأبى الكبرياءُ على رجلٍ أن يتنازلَ عن بعضِ مظاهر رجولتِه ويتحدَّثَ عن مشاعرِه وأحاسيسِه وعواطفِه، وحاجاتِه النفسيةِ التي هي انعكاسٌ لعوالمِ الروحِ الخفية، التي ترتفعُ عن حاجاتِ الجسدِ الماديةِ والحسية، تلك التي لا ينكرُ وجودَها إلا جاهلٌ بنفسِه وبقوانينِ الطبيعةِ ومنطق ِالأشياءِ، أو لربما مُكابرٌ مسكين.

السؤالُ هنا: لِمَ يأبى الأسيرُ أن تكونَ له مشاعر؟ وإنْ كانت أن يفصِحَ عنها؟ وعلامَ يراهن عندما يحفِرُ القبورَ بدافعٍ من الكبرياء كي يَئِدَها إن وُلِدتْ ودونَ مراسمَ جنائزيةٍ حتى؟ والأهمُّ هنا: أن يدرك وهو يفعل ذلك أنه يُحققُّ المرادَ لعدوِه الذي أرادَ تغيِيبَه عن ساحةِ الفعلِ، وعقابَه على مشاعرِه النبيلةِ التي دفعتُه لفعلِ ما فَعَل، دفاعاً عن شعبهِ وانتصاراً لقضيتِه العادلة، وبالتالي سَلخِهِ من ارتباطاتِه الإنسانية، وإبقائِه جسداً دونَ روح، وكَياناً دون حياة، ورقماً دونَ تأثير، والإجابةُ هي بالتأكيد لا، لا يدرك.

فالأسيرُ مذ  تحطُّ رحالُه عند عتباتِ السجونِ فهو يبدأ مساراً قد يمتدُ من الصراعِ، الصراع مع منظومةٍ متكاملةٍ من القوانينِ الصارِمةِ، المدروسةِ بعناية، والتي وُضِعَت بهدفِ التَّدجِينِ والتَّرويضِ، كيّ الوعي وصهرِ الإرادة، إنْ من خلالِ حشرِه في حيِّز مكانيّ صغيرٍ تنعدمُ فيه الخصوصية، ويغدو مستباحاً على كل الجَبَهَات، وتتكثفُ حياتُهُ ضمن دائرة من الاهتمامات الصغيرة، وتصبحُ مشدودةً بحبلٍ طَرَفُه بيدِ السجَان يلهو فيها كيفما شاء، في الشَّد والإرخاءِ، ويصادر زمنَه الذي يصير مجردَ تعدادٍ للأيامِ والسنين، ومتابعةً لامتدادِ غزو الشيبِ لرأسٍ سَرعانَ ما يستسلمُ مكتسِياً حلتُه البيضاء في معركةٍ غير متكافئةٍ بحال، هذا كله من دون مُرَاكمَةٍ لأيِّ إنجازٍ أو مسارِ تطورٍ، اللهم إلا زيادةً في رصيدِ العمر ِالمهدور.

هذه التوليفة بمركباتِها القاهرة، وتعقيداتِها النفسية المُتشابكة، تجعل من هذا الكيانِ الإنسانيّ يعيشُ حالةَ حربٍ مفتوحةٍ تتأهبُ فيها حواسُه على وقْعِ هواجسِ الاستعداد للضربةِ التالية.

هذا من ناحية الصراع مع السَّجانِ ومنظومتِه الحاكمة، فإن أدرتُ ناحيةَ الحديث نحو ذات الأسير وكينونَتِه المُتشَكِّلَة في هذه البيئة العدوانية؛ فحجمُ الصراعِ لا يقلُّ، إنْ لم يكن يزيدْ، فعليه ومع تأهبِه الدائم للتعاملِ مع البيئةِ والمحيط؛ وبما تُصدِّرُهُ من ضغوطٍ هائلةٍ، أن يتعاملَ مع احتياجاتِه المتزايدة، الجسديةِ منها والنفسية، هذا على افتراضِ سلامةِ الجسدِ وعدم اعتلال الصحةِ، التي قد تُضَاعِفُ حجمَ القهر والألم والعجز، وما أدراك ما عجز الرجال.

المفهوم ضمناً أن كلَّ إنسانٍ له مسارٌ يخوضُه في الحياةِ، ومسارُه هذا تقِلُّ كُلفَتُه أو تَزيدُ تَبَعَاً لأمورَ كثيرة، منها تحقيقُهُ لأهدافِه وطموحاتِه المُعدَّةِ سَلفَاً، ووجود الدفءِ العائلي والأمان، السلام العاطفي والحنان، وقد نضيفُ لها تكاليفَ الحياةِ قليلِها وكثيرِها، والتوازنَ النفسي المطلوب بين الأشياء، والرضا والقناعة التي تُفضِي للتصالحِ مع الذات وأشياءَ أخرى.

هذه كلُّها تغيب لدى الأسير داخلَ السجن دون مبالغةٍ طبعاً، فإذا ما أضيفَ لها وُقوفُه مع نفسِه وحيداً يرقُبُ عمرَه المُنسلَّ في هباءاتِ التمني، وسِنينِه المُثقَلة بأحمالِ الخيبةِ والحرمان، ووُجدانِه الباحِثَ عن إجاباتٍ لأسئلةِ التوحد الفطريّ والاكتمال مع الآخر قلباً وعاطفةً وروحاً، واشتياقاً لمِلء حيزٍ هو لا زال ذكراً، ولم يتسع لشيء قدرَ اتساعِه لقلبٍ يصبح لك، ويزيلُ بهمسةٍ حانيةٍ منه جبالاً من القهر والأسى تثقلُ كاهلَك، تصبحُ الصورةُ أكثرَ جلاءً، إنسانٌ وجد نفسَه أسيراً لقيودٍ عليه أن يُسْلِمَ لها روحَه والجسد، ويُسَلِّم بما يقتضيه الحال، ويرضى بحياةٍ هي دونَ الموتِ بقليل، ودون الحياةِ بكثير في آن.

لا أرمي من وراء مقالي هذا أن أدغدغَ مشاعرَ القارئ الكريم عن مظلوميةِ حالِ الأسير، أو حاجتِه لارتباطٍ عاطفي يُسعفُ ما تبقَّى من روحه، ويعين على وعثاءِ السفر، إذ لهذا تَبِعَات، ووُجهةُ نظرٍ وازنةٍ تقول: أنَّ مَنْ خَبِرَ معاناةَ الأسر وذاق صنوفَ مراراتِه عليه أن يتعالى فوق جراحاتِه، ويكونَ من النُّبلِ ولا يسعى لربطِ قيده بمِعصمٍ رقيق لحرَّةٍ كريمةٍ قد يكونُ لها في الحياة رَغَدُها المنتظَر، إذ يكفي تعداداً لزوجاتِ أسرى بِتْنَ رهائنَ قيودٍ يَحِزُّ حديدُها الثقيل كلَّ المعاصم، بل وتفتكُ الوحدة وشعور الاغتراب بما تبقَّى من أُنوثتهن المطحونة تحت مطارقِ الحياة وأعبائِها التي لا ترحَم، وفوق ذلك ؛ تُحَارَب إن شَكَتْ، وتُقرَّعُ إن بكت، فهي الصابرة المكافحة الثابتة والمُضَحية، وعُدَّتُها وزادُها هو الحوقلة والاسترجاع والحسبنة، وسوى ذلك فهو من وساوسِ إبليس اللعين!!

واستطراداً للقول؛ فأنا لا ألوم على من ارتضت أن يكون عمرُها وَقْفَاً لعمرِ حبيبِها الأسير، وقلبُها ذُخْرَ سِنِينه، وشمسَ أيامه وأنيسَ لياليه، بل ونبضَه الذي يبثُّه أملاً وعزماً ومضاء، تشاركُه وتشتركُ معه في نسج حروف أسطورةِ حُبٍّ انبثقت من حكايةِ شعبٍ عشقَ الحياةَ أرضاً وهوية، وجادَ بما استطاع، وفوق كلِّ مستطاع، فعلاً ماضياً وحاضراً، وسيستمرُ بلا انقطاع.

ما أردتُه؛ أنْ نعم، من حقِّ الأسير أن تكونَ له مشاعر فهو إلى جانب بطولتِه ورجولتِه وصمودِه، وكلّ مُفرزاتِ الأنفة والقوة والعنفوان؛ إنسان يجري عليه ما يجري على بني آدم، فكما كان من واجبه أن يغضبَ لكرامةِ شعبِه ووطنِه، وأن يثورَ ويقاتلَ دفاعاً عن أرضه، وكرامته، فمن حقِّه أيضاً أن يحبَّ، وتكونَ له معشوقتُه التي يَفِدُ إلى دفء قلبِها إنْ أوحشَته برودةُ الطريق، أو تنكَّرت لمُصابِه هدهداتُ الزمن، كما من حقه أيضاً أن يحلُمَ بالحريةِ التي وُهِبتْ للناس جميعاً كأغلى هدية تسمو على أي ثمن، وفَقَدَها هو لأجل أن يحياها شعبُه حُبّاً وكرامة.

فلا تتركوا أسراكم في غمرةِ ما يحيط بالقضية ولا تهملوا أشياءهم المتواضعة، وتفاصيلهم البسيطة، فهي ما يُشكّلُ عالمَهم، إذ لولاهم ما كان للقضية وزنٌ أو حضور، فهم والشهداءُ سواء أولئك قضوْا نحبَهم، وهؤلاء مَنْ ينتظر، كما لا تُؤطّرُوهم وترفعوهم كثيراً عن حدودِ إنسانيتهم وبشريتِهم وتقضُوا عليهم مرتين، مرة بأن تَسْمُوا بهم إلى ما لا طاقةَ لهم به، ومرة بإخراجهِم من دائرةِ احتياجاتهم العادية، فما هم إلا ذوات، أنهضَتْها للواجب المشاعر الكبرى وفقَدَت لذلك الإحساسَ بالمشاعر الصغرى وبين هذه وتلك؛ أسيرٌ يبحثُ عن حقه في مشاعرَ يحياها كأيّ إنسانٍ آخر، وهذا منتهى البساطة والتواضع إن شئتم، والسلام.

جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2020