رؤوس الجسور كيف تبنى وكيف تثور؟

عبدالله أمين

خبير عسكري وأمني

بقلم:
الخبير العسكري والأمني:
عبد الله أمين
19- 02- 2023


أولاً: مقدمة:  

مفهوم رؤوس الجسور مفهومٌ عسكريٌ نظاميٌ كلاسيكي، المقصود به هي تلك البقعة من أرض العمليات، أو منطقة المسؤولية التي يختارها القائد العسكري؛ لتكون بداية توغله في الأرض المقابلة له أو المدينة التي يرابط في مواجهتها، بحيث تكون هذه القطعة من الأرض بمثابة الخطوة أو القضمة الأولى التي ينطلق منها موسعاً وضعيته، محرراً أو محتلاً لما يواجهه من أرض أو مدن وقرى، فإن أحسن هذا القائد تحديد مكان رأس الجسر الذي يريد أن يحتله ويبدأ منه عمليته العسكرية أو تعرضه على عدوه، إن أحسن الاختيار؛ كانت خطواته التالية في عمليته العسكرية خطوات موفقة تحقق له ما يصبو له من أهداف؛ بأقل الأثمان وأسرع الأوقات، وإن لم يحسن القائد اختيار رأس جسره في منطقة عدوه؛ فإنه سيمنى بالفشل، وستتحول بقعة الأرض تلك إلى مصيدة وكمين يلحق به خسائر مادية وبشرية غير متصورة، فضلاً عن أن عدوه سوف يتمكن من معرفة نواياه المستقبلية وخططه القتالية، فيترصده ويصطاده، كما يُصطاد البط في المستنقع! وهنا قد يتبادر إلى أذهان البعض أن مثل هذا المصطلح أو المفهوم  أو طريقة العمل هذه ــ عمل رؤوس جسور ـ لا تصلح للتطبيق أو الاستفادة منها في حروب العصابات، أو عمليات المقاومة التي تقوم بها خلايا عمل مقاوم تنتشر في المكان الذي يحتله أو يسيطر عليه عدوها، الأمر الذي لا يعتقد كاتب هذه الورقة أنه دقيق؛ بل يزعم الكاتب أن هذا المفهوم وطريقة العمل هذه يمكن أن تطبق في الأراضي المحتلة إن أحسنا شرح الموقف وتبين جزئياته، الأمر الذي ستهتم هذه الورقة بتبيانه وشرحه، بهدف زيادة الوعي العسكري، وتنمية الفهم التخصصي لدى أبناء المقاومة في فلسطين عموماً وفي الضفة الغربية خصوصاً، لما تمثله هذه الجغرافيا ـ الضفة الغربية ـ من أهمية في مسار بناء قدرات المقاومة الفلسطينية، وما يمكن أن تشكله هذه القدرات من تهديد ذي مصداقية، يهدد أصل مشروع عدونا المحتل لأرضنا، وهنا ستناقش هذه الورقة، هذا المفهوم ــ رؤوس الجسور ـ من خلال العناوين التالية.  

ثانياً: المهمة:  

إن أول ما يساعد في تطبيق هذا المفهوم وجعله واقعاً تعبوياً في أية منطقة عمليات هو تحديد مهمة بقعة الأرض هذه، وما هو مطلوب منها أن تحققه، والذي يمكن أن يكون أهمه ما يأتي:  

1. استقبال القدرات البشرية المادية وادخارها:  

إن أول مهمة من مهام رؤوس الجسور هي استقبال القدرات العسكرية ـ البشرية والمادية ـ والتي تعد أقل ما يمكن البدء به من عديد وعتاد في صناعة تهديد ذي مصداقية على العدو.  فليس مطلوباً من القائد العسكري ـ بغض النظر عن مستواه أو حجم ما يقود من تشكيلات ـ ليس مطلوباً منه أن يبحث عن بقعة جغرافية تستوعب كامل التشكيل تحت إمرته أو كامل القدرات التي تقع تحت مسؤوليته، إنما مطلوبٌ منه أن يبحث عن بقعة جغرافية تستوعب جزءاً مما تحت مسؤوليته من قوات، قادرة على الانتقال إلى تلك الجغرافيا، والتشبث بها والدفاع عنها إلى حين التحاق ما هو مخطط له أن يلتحق من قوات لتوسيع الوضعية، وقضم مزيد من المساحات الجغرافيّة.  

2. حماية هذه القدرات والدفاع عنها:  

أما المهمة الثانية المتصورة لرأس الجسر المُشكل فهي، حماية القدرات التي تندفع باتجاهه وتلتحق به، فليس الهدف من احتلال رأس الجسر ذلك فقط حماية القوة التي شكلته ابتداءً؛ وإنما إمكانية توفير الحماية والدفاع عما سيلتحق ويدخل إلى رأس الجسر ذلك من قوات وقدرات ـ بشرية ومادية ـ، حيث لا تشكل عملية بناء رأس الجسر نهاية مهمة عسكرية؛ إنما هي بداية عملية عسكرية، وخطوة نحو التحضير لخوض اشتباكات واحتكاكات بالعدو، بهدف قضم مساحات أرضية مما هو مسيطر عليها، وقضم جغرافيات محتله من قبله، وصولاً إلى تحرير كامل منطقة المسؤولية التي بني رأس الجسر في مكان منها.  

3. فرض حقائق ورسم معادلات:  

كما يمكن تصور أحد مهام رأس الجسر على أنها حالة وموقف يتم العمل على تحقيقه من أجل فرض حقائق تعبوية ورسم معادلات عسكرية تفرض على العدو، فرأس الجسر يمكن أن يشكل شوكة تنغص على العدو عيشه، وتمنعه من التفكير المنظم المطلوب لحل المشاكل والمعضلات، كما أنه ـ رأس الجسر ـ يمكن أن يفرض على العدو إعادة ترتيب أولوياته أو نشر قواته، والتفكير مجدداً فيما كان ينوي أن يقوم به من عمليات تعبوية أو تعرضات هجومية، إن بناء رأس الجسر بنجاح يعني بداية فرض حقائق ورسم معادلات، وتحقيق أهداف وإنجازات.  

4. توسيع الوضعيات وبسط السلطات:  

حيث أن رأس الجسر ليس مطلوباً لذاته، وإنما هو إجراء مرحلي، يهدف إلى توسيع بقعة الأرض المسيطر عليها من قبلنا، وبسط سلطتنا ـ المادية أو المعنوية ـ على مساحات أخرى مجاورة لها، لذلك فإن أحد مهام هذا الإجراء هو توسيع وضعية القوات المنتشرة فيه حتى لا تختنق، ويضيق عليها هامش مناورتها، وحتى لا تصبح هدفاً ثابتاً أينما وجهت له ضربة، أصابت منه مقتلاً، لذلك عندما يُختار المكان الذي سيكون رأس جسر للقوات؛ يجب أن يوفر هذا المكان القدرة على توسيع الوضعية القتالية، وتحسين الموقف التعبوي للقوات، ومن ثم الانطلاق من ضيق المكان إلى رحابة الجغرافيا.  

5. نقاط ارتكاز ومنصات انطلاق:  

ومن مهام رؤوس الجسور أنها تشكل نقاط ارتكاز ومنصات انطلاق لتحقيق أهداف كبيرة، وعليه كلما كان اختيار هذه النقاط اختياراً ( متعوباً ) عليه وموفقاً، كانت نقاط الارتكاز ومنصات الانطلاق تلك مؤثرة جداً في تحقيق الانتصارات، وفرض الحقائق والمعادلات، وكلما أصبح وجودها منغصاً ومزعجاً للعدو، كما أنها ستكون محطات انتصار في مسير النصر النهائي، وتحقيق الهدف الكلي من المعارك أو الحروب.  

هذه بعض مهام رؤوس الجسور، وما يتوخى تحقيقه من العمل على بنائها أو احتلالها، وحتى تكون هذه الجغرافيات محققة لما هو مطلوب منها من أهداف؛ يجب أن تتوفر فيها مجموعة من الصفات و / أو الميزات التي سنأتي على ذكرها في العنوان التالي.  

ثالثاً: المواصفات:  

1. إمتلاك حاضنة شعبية داعمة أو مساعدة:  

إن كان رأس الجسر العسكري النظامي الكلاسيكي ليس مطلوباً لتكوينه أن تكون هناك حاضنة شعبية تحتضن القوات التي ستنزل فيه أو تحتله؛ فإن رأس الجسر في عمل العصابات وقوات المقاومة التي تقاوم محتلاً يجب أن تتوفر لديه حاضنة شعبية مؤيدة ومساعدة، تعين على الدخول الآمن إلى هذه الجغرافيا والأماكن، كما توفر لنازليه سبل الحياة، وأسباب وأدوات العمل، وإمكانية التردد منه وإليه، إن توفر مثل هذه الحاضنة الشعبية المؤيدة،هي أهم عنصر من عناصر نجاح بناء رؤوس الجسور المقاومة في مدننا وقرانا وخِربنا في فلسطين المحتلة عموماً، وفي الضفة الغربية خصوصاً.  

2. قريبة من مصادر القدرات:  

ومن المواصفات المهمة لمثل هذه الأماكن التي تعين على بنائها واستمرار عملها؛ قربها من مصادر القدرات ــ الذاتية أو الرديفة ـ، فرأس الجسر في العمل المقاوم ما هو إلا خلية عمل استقرت في قلب مناطق العدو، وهي بحاجة إلى إمدادها وتزويدها بأسباب الحياة، وبما تدافع به عن نفسها، تُزود بها من مقر قيادتها أو مركز إدارتها، أو من المحيط الذي استقرت فيه، لذلك يصدق هنا القول: "لا ترسل قوة لا تستطيع إمدادها أو استرجاعها "، وقد تكون مصادر القدرات تلك بعيدة أو قريبة؛ داخل الحدود أو خارجها، المهم أن تتوفر القدرة على رفد رأس الجسر هذا بكل ما هو مطلوب من قدرات وإمكانيات؛ ليبنى ويدافع عن نفسه ويحمي ما فيه مقدرات، ثم ليقدر على توسيع مجاله الجغرافي والديموغرافي.  

3. توفر (شبكات) طرق ومداخل ومخارج آمنة:

وحتى يُمد رأس الجسر ذلك بأسباب الحياة؛ وحتى يستطيع الدفاع عن نفسه وحماية مقدراته وما روكم فيه من قدرات؛ يجب أن تتوفر للمكان المختار شبكة طرق مناسبة، ومداخل ومخارج تساعد على التزود بكل ما هو ضروري من أسباب البقاء، كما توفر هذه الطرق وتلك المداخل والمخارج، إمكانية الخروج من تحت الضغط أو الحصار المعادي في حال أطبق العدو على المكان أو حاصره.    

4. توفر قدرات بشرية ومادية قادرة على حمايتها والدفاع عنها:  

إذا كانت رؤوس الجسور النظامية الكلاسيكية تتم حمايتها من خلال تخصيص جزء من قوات رأس الجسر للدفاع عنه، بالإضافة إلى ما يؤمنه التشكيل الرئيسي لقوة رأس الجسر من حماية، إذا كان الأمر كذلك؛ فإن رأس الجسر الذي تقوم قوات العصابات بعمله في المدن والحواضر التي تعمل فيها حتى تتم حمايته؛ لابد من توفر حد أدنى من القدرات البشرية والمادية القادرة على الدفاع عنه وتأمين أمنه الشامل ـ أفراد، مقرات، معلومات ـ، فليس متصوراً أن تقوم مجاميع المقاومة بعمل رأس جسر لعمل في مدينة أو قرية من قرانا؛ وليس لها فيها حد أدنى من قدرات تدافع بها عن نفسها أمام التهديدات والمخاطر المتصورة.  

5. طبوغرافيا مساعدة على رعاية أصل التأمين الشامل:  

إن طبوغرافية رأس الجسر المساعدة على بنائه والحفاظ عليه لتحقيق أصل الهدف منه؛ من أهم المواصفات المطلوب توفرها في البقعة الجغرافية محل الاختيار، فبناء رأس جسر مقاوم في مكان سهل السيطرة عليه بوسائل السيطرة البشرية والمادية؛ من قوات وطائرات ووسائط قتالية، بناء رأس الجسر في مثل هذه الجغرافيات من أكثر الأمور التي تؤدي إلى فشل التجربة وعدم تحقيقها لهدفها، فضلاً عن عدم تكرار محاولة انشائها وبنائها، لذلك عند اختيار بقعة ( اقرأ مدينة أو قرية أو خربة، بناية في حي  ) جغرافيّة لتكون رأس جسر تنزل فيه قوى المقاومة، يجب اختيار تلك البقع التي تسيطر هي على محيطها، وتؤمن لمن هم فيها سيطرة بالرؤية والنار على جوارها، فلا يفاجأ من هم فيها بعدوهم يطرق بابهم، ولا يؤخذوا على حين غرة.  

6. محيط رخو وآمن نسبياً:  

ويساعد على إطالة عمر رؤوس الجسور هذه أن تكون في محيط ( رخو) وآمن نسبياً، فلا هي في أماكن ثقل العدو الأمني والعسكري، ولا ضمن سيطرته ومكان مسؤوليته المباشرة، و( رخاوة ) المكان التي هي فيه؛ تمكّن المقاومين المتحصنين فيه من حرية الحركة والمناورة؛ ومنها ولها، كما يمكنهم من توسيع وضعيتهم وقضم مزيد من الجغرافيا المحيطة بهم أو بسط (سلطتهم ) عليها بسهولة ويسر، وبأقل الأكلاف والمتطلبات البشرية والمادية.  

7. يخدم هدفاً أكبر منه:  

قلنا أن رأس الجسر هو مكان تموضع ظرفي غير دائم، وأنه يأتي في سياق خدمة هدف آخر، أهم منه قيمة، وأكبر منه مساحة، لذلك عند اختيار مكان ما ليكون رأس جسر، لا بد من أن يكون ضمن حلقة في مسار عمل تكاملي، يكمل بعضه بعضاً، وكون بناء رأس الجسر من الأمور المكلفة على الصعيد المادي، والخطيرة على الصعيد الأمني؛ فلا بد من أن تخضع هذه العملية لمعادلة الجدوى والأكلاف، فلا يُقبل أن تبذل الطاقات وتصرف المقدرات على بناء رأس جسر لا يوصل إلى هدف أكبر أو أكثر أهمية منه! لذلك يجب التنبه لهذه المسألة عند التفكير في تنفيذ مثل هذا الإجراء أو القيام به.  

8. تتمتع بالقدرة الاستيعابية المناسبة للاحتفاظ بالقدرات المُقر ادخارها:

فلكل جسم طاقة، ولكل إناء سعة، ورؤوس الجسور عندما تبنى؛ تبنى لتستوعب كماً معروفاً من القدرات البشرية والمادية ـ تزيد أو تنقص قليلاً ـ لذلك عند اختيار هذه الجغرافيات لتكون رؤوس جسور، من الجيد معرفة الكم البشري والمادي الذي سيدخل إلى هذه الأماكن وسيتموضع فيها، حتى لا نفاجأ بأن القوة التي ستدخل إلى رأس الجسر هذا أكبر بكثير مما تتسع له مساحة المكان الجغرافي، أو أن من سيلتحقون بهذا المكان من القلة بمكان بحيث لا يستطيعون تأمين الحد الأدنى من متطلبات الأمن الشامل المطلوب لهم لتنفيذ مهامهم في هذا المكان، أو انطلاقاً منه.  

بعد أن جئنا على ذكر بعض أهم مواصفات رؤوس الجسور التي يمكن أن تبنى لتساعد في توسيع وضعية المقاومة في فلسطين عموماً والضفة الغربية خصوصاً، نأتي في العنوان التالي للحديث بشكل سريع عن آلية بناء هذه الحواضن البشرية المقاومة.  

رابعاً: آلية البناء:  

1. حسن اختيار المكان:  

إن أول إجراء من إجراءات بناء رؤوس الجسور هذه؛ حسن اختيار المكان، لذلك عند البحث عن جغرافيات لعمل رؤوس الجسور تلك، لا بد من اخضاعها لقائمة معايير الاختيار وهي عبارة عن تطبيق مواصفات رؤوس الجسور التي ذكرنا سابقاً، على ما يتم اختياره لاحقاً، فإن توفرت هذه الشروط مجتمعة؛ فبها ونعمت، وإن تعذر توفر بعضها؛ فلا أقل من تمتعها بأكثر عدد من تلك المواصفات.  

2. تأمين وسائل وإجراءات حمايتها والدفاع عنها:  

كما يجب قبل البدء بعمليات البناء تلك توفير متطلبات حماية البدء بإنشائها، حتى لا (يجز) ما يتم مراكمته من قدرات وأصول بشرية ومادية، وهذه القدرات يجب أن تصل وتستقر في المكان قبل وصول القوة الرئيسية التي ستعمل على توسيع ( قضم ) جغرافيا المكان، أو بسط السلطة وإعمال السيطرة على المحيط المجاور.  

3. تأمين طرق وممرات ومعابر الوصول لها والخروج منها:  

كما أن تأمين شبكة طرق للدخول والخروج منها يعد من أهم إجراءات بنائها، فلا يعقل أن يتم بناء رأس جسر في منطقة ما، ويكون معزولاً عن محيطه، فيتحول من رأس جسر يراد أن يتم التوسع منه إلى جزيرة معزولة عن محيطها تسهل محاصرتها وخنقها.  

4. تكثير مراكز الثقل فيها:

وعند بناء مثل هذه المواقع، يجب عدم تركيز مراكز ثقلها البشري أو المادي في مكان واحد، إن ضُرب أو تَهدد؛ انهار كامل رأس الجسر، وتشتت وتناثرت أشلاؤه، وإنما يجب أن تُعدد مراكز ثقل هذه المناطق وتوزع في أكثرمن مكان من رأس الجسر ذلك، بحيث توفر لها أفضل حالة من التوازن والاستقرار في مختلف المواقف، وتصمد أمام أعتى التهديدات.  

5. توزيع القدرات على كامل المساحات:  

وكما أن رؤوس الجسور يجب أن تتعدد مراكز ثقلها، فإن ضُرب مركز، فدونه مراكز أخرى تديم العمل ولا تخلي الساحة، لذلك يجب أن  توزع  ما في هذه الجغرافيات من قدرات على كامل مساحة العمل، فلا تستأثر بها منطقة دون أخرى، وإنما تخضع المفاضلة في التجهيز والاعداد لقاعدة أن الأهم يأخذ الأكثر، وأن تخصيص القدرات يخضع لسلم الأولويات وما هو مطلوب أداؤه من مهمات.  

أما عن متطلبات وطرق الاستثمار والتشغيل، فيمكن اختصارها في العنوان الأخير من هذه الورقة والتي يمكن أن تكون على النحو الآتي :  

1. عدم الحيدة عن المهمات:  

عدم إغفال مهام رؤوس الجسور، وعدم تحميلها أكثر مما تطيق، وتكليفها أكثر مما تستطيع، فهي ليست قوات صلبة قادرة على تنفيذ كل المهام، ولا هي ذات إمكانيات متعددة تمكنها من النهوض بكل الأعباء، إنها قوات ظرفية تخدم هدف مرحلي، من أهم أصول عملها أصل الحفاظ على الذات.  

2. توسيع الوضعيات:

ومن طرق تشغيل واستثمار رؤوس الجسور تلك، محاولة توسيع وضعية القوات فيها، وبسط نفوذها وسلطتها على جغرافيات مجاورة، وعدم قبول موقف الانحباس في الجغرافيا، فرأس الجسر مكان ظرفي لمدة زمنية محددة، ولا يستقيم الركون له والكمون فيه إلى المالا نهاية.  

3. الاقتصاد بالقدرات:  

ومن متطلبات التشغيل والاستثمار المهمة؛ الاقتصاد بالقوات والقدرات المراكمة في هذه الأماكن وعدم الدفع بها كاملة في وجه العدو، ولنتذكر أن مهمة القوات في رأس الجسر؛ المحافظة على الذات واشغال العدو وصرفه عن استهداف القوة الرئيسية، إلى حين التحاق كامل القوات بكامل القدرات برأس الجسر ذلك، عندها يمكن التفكير بخوض المعارك والاشتباكات الحاسمة مع العدو.  

4. إمداد (الساحات):  

كما أن أحد أوجه استثمار رؤوس الجسور؛ إمدادها للساحات المجاورة أو البعيدة بالرجال والعتاد، فهي تراكم فيها ما يمكّنها من الدفاع عن نفسها، وما يعينها على توسيع وضعيتها، وأحد صور توسيع الوضعية يمكن تخيله في فتح (جبهات) جديدة في وجه العدو، وإجباره على التشتت والانتشار في الجغرافيا الأمر الذي يزيد من ضعفه وإمكانية الحاق الأذى به.  

5. البعد عن (المغامرات):  

والبعد عن المغامرات أصل مهمٌ من أصول المحافظة على رؤوس الجسور، فليس كل تهديد يجب الخروج للتصدي له، ولا كل خطر يعد خطراً وجودياً يتطلب الكشف عن كامل القدرات لكبحه، وإنما يجب أن تدار عملية استثمار  وتشغيل ما في رأس الجسر من أصول بشرية ومادية، برؤوس باردة وأعصاب من حديد.  

ختاماً:
 فإن مدننا وقرانا في الداخل المحتل، وفي مناطق الضفة المختلفة، تصلح أن تكون رؤوساً لجسور مقاومة تُبنى وتراكم فيها القدرات، وتُنمى فيها الخبرات؛ فقط إن أحسنا معرفة مهمة قوات المقاومة، وتحديد رؤيتها في إدارة معركتها مع عدوها، وكذلك معرفة أهداف ونوايا العدو تجاهنا، الأمر الذي يعيدنا إلى مربع المعلومات المطلوب الانشغال بها؛ جمعاً وتصنيفاً وتحليلاً وقراءة وتقديراً. 
      والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.  





جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2023