حُلُم إبليس بالجنة

ياسين بكري

أسير وكاتب

الحلُم أثناء النوم أمر طبيعي، ومن حق ّ كل إنسانٍ أن يحلم، حتى الحيوانات تحلم، والحلم كما يعتقد البعض تعبير عن أمنيات ورغبات مكبوتة داخل العقل الباطن يصل نسبته إلى 90% من الذاكرة، أما الهذيان وأحلام اليقظة فهي شيئ آخر تماماً، وخصوصًا إذا ما صدرت عن شخص يفترض أن يكون "مسؤول" عن منصّة رسمية بخطاب معدّ مسبقاً مزود بخرائط ورسومات.

إذًا فإنّ تصريحات ستموتريش من باريس لم تكن زلة لسان، وإن لم تكن حقيقة، فهي أمنية يسعى لتحقيقها، فلطالما حلم أجداده أن تكون الأرض بلا شعب، أرض تمتد من النيل إلى الفرات، خالية من البشر، وتنتظر عودة الشعب المختار إليها، ولتحقيق الهدف، لا بدّ من خلق رواية ومحاولة تثبيتها، ويسعى لهذا الغرض بشتّى الطرق من خلال الحفريات وتزييف التاريخ وإنكار وجود الشعب الفلسطيني؛ متحدياً روايته بكل وقاحة بالرغم من أن كل شيئ على هذه الأرض يتحدث بالعربية، رواية يعرفها أنا وأنت مع الإقرار بوجود تضليل من نشر روايتنا للعديد من شعوب العالم، وهذا لا يتعارض مع قناعتي أن الحد يكون ميزانيا والقوي هو من يكتب التاريخ.

يتسائل ستموترش من كان أول ملك فلسطيني؟ وما كانت عملة فلسطين الرسمية؟ ويناقض نفسه عندما يدعي من جهة بعدم وجود شعب فلسطيني وأنه هو الفلسطيني الأصلي، وقد سكن جدّه "كرياتشمون" منذ العشرينات من القرن الماضي وهو من الجيل ال13للميلاد، ولو استشارني، لاقترحت عليه تغيير اسم عائلته؛ لإعطاء روايته ولو القليل من المصداقية والأصالة، فأسماء العائلات المنتهية بحرف ال (اتش) أصلها من شرق أوروبا، ودراسات تاريخ علم الجينات الحديثة تُظهر أن نسبتهم2% فقط من يهود العالم، تتقاطع جيناتهم ولو بجزء بسيط مع الشرق.

وبالنظر للمسألة بحيادية، وبعيداً عن العاطفة خاضت "إسرائيل" التي اختارها أن يضعها ستموترش على المنصة أثناء إلقاء خطابه في فرنسا، ليست بعيدة عن الواقع وباعتقادي أن لا تتجاوز تلك الحدود، فليس بالضرورة أن يتواجد الجندي أو الدبابة على الأرض؛ لإثبات هيمنته لأن  أشكال السيطرة والهيمنة متعددة، و"إسرائيل" ومن وراءها الغرب تعتبر أن حدودها الأمنية تقع شرق الأردن (البلد وليس النهر) واتفاقيات التطبيع مع دول الخليج والقواعد العسكرية الأمريكية ومحطات الإنذار المبكر تعزز هذا الاتجاه.

تمتلك "إسرائيل" كثير من وسائل الإنذار، لإثبات سيطرتها على دول المنطقة، مستفيدة من تفوقها في العديد من التقنيات وعلى رأسها الأمنية والسيبرانية، ويكفي امتلاكها مفتاح بوابة الدخول إلى البيت الأبيض.

العلو في الأرض كما ذُكر في القرآن الكريم، قائم بلا شكّ، لاندري أهو العلوّ الأول أم الثاني الكبير، أم ماذا؟! نتركها للتحليل، أما المؤكد أن هناك متغيرات عالمية وإقليمية ومحلية نشهدها من شأنها رسم خارطة جديدة؛ فتحول العالم تدريجياً إلى عالم متعدد الأقطار، وتراجع الدور الأمريكي والخلافات العالمية بينها وبين "إسرائيل" بالرغم من كون العلاقة استراتيجية، وباعتقادي ستبقى كذلك، والتقارب الإيراني السعودي  كلها عوامل تقلل من إمكانية تعرض المنشآت النووية الإيرانية إلى هجوم عسكري.

والأهم من ذلك الأحداث الأخيرة التي حصلت في الشارع الإسرائيلي، أججت الخلافات والأحقاد الدفينة لدرجة غير مسبوقة، حتى أصبحنا نسمع علنًا عن أصوات تنادي بتقسيم البلاد إلى عدة كانتونات، وأنه لم يعد بالإمكان، التحدث عن "إسرائيل" واحدة وإنما ثانية وثالثة ورابعة، يعيش كل منها بمعزل عن الآخر تحت نظام شبه فدرالي، كانتون للمستوطنين والمتدينين، وكانتون شمال تل أبيب يضم الليبراليين، تعبير ملطف للعرق الأبيض الاشكنازي، وكانتون للعرب وغيرها، وهنالك مجموعات تضم الآلاف وعشرات الآلاف تتفاوض بصورة جماعية مع دول أخرى، كاليونان وقبرص والبرتغال وإيطاليا، تعرض عليها إمكانية الهجرة بشكل جماعي بكل ما تملك من قوة بشرية ومادية ورؤوس أموال وخبرات؛ بشرط إعطائها حيز جغرافي على شكل حكم ذاتي، وتسمح لها بالحفاظ على لغتها وثقافتها، يستفيد منها البلد المستضيف، وتبقي خيار العودة مفتوحًا عندما تهدأ البلاد، فعلًا بدأت ظواهر الانحسار والتقوقع، أم أنّه من المبكر أن ننعى هذا المشروع؟

اليوم ومع ذكرى يوم الأرض ال47 عدد الفلسطينيين من البحر إلى النهر يتساوى مع عدد اليهود في البلاد، ويوازيه عدد مشابه في الشتات، مازال متمسكًا بحقه في العودة دون أن نقول أي كلمة عن المقاومة ومسانديها وثبات شعبنا على الأرض، أما لستموتريش نقول: أنك لست أول من ادعى هذا الادعاء.

كانت جولدا مائير من قبلك، ادَّعت عدم وجود الشعب الفلسطيني، وآخر تمنى أن يستفيق ذات يوم ويجد غزة وقد ابتلعها البحر..

احلم يا ستموتريش.. احلم بإقامة "إسرائيل" الكبرى من النيل إلى الفرات، وأن يتبخر الشعب الفلسطيني ذات يوم.. فإبليس منذ الأزل مازال يحلم بالجنة…

جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2023