المقاومة الفلسطينية في مواجهة الرؤية الأمنية الإسرائيلية

مهند شريم

الباحث في الشأن الصهيوني


تمر علينا في هذه الأيام الذكرى 75 للنكبة، وهي التوصيف الفعلي لما أقدمت عليه العصابات الصهيونية من تطهير عرقي ضد الشعب الفلسطيني، وهي أيضاً ما استمرت الدولة العبرية في القيام به طوال 75 سنة الماضية، ومنذ ذلك التاريخ وحتى اليوم استمر الشعب الفلسطيني بمقاومته ورفضه للمحتل ومواجهته بما امتلك من أدوات قليلة في مواجهة دولة عاتية تمتلك كل أسباب القوة المادية، تتمثل بجيش ومؤسسات وأجهزة واقتصاد ودعم خارجي لا نظير له، وكل ذلك في مواجهة مقاومة هي بالأصل مدنية شعبية يسميها البعض في بعض الأحيان تجوزاً مقاومة مسلحة أو عسكرية، ولعل أكثر ما يوضح حجمها وقوتها أن دولة الاحتلال ومنذ تأسيسها لم تعتبر المقاومة الفلسطينية تشكل خطراً وجودياً عليها .  


وبالرغم من ذلك فقد واجهت الدولة العبرية ومؤسساتها الأمنية، مقاومة الشعب الفلسطيني بكثير من الجدية والبطش، حرصاً منها على منعها من التطور والتقدم، ومراكمة القوة والخبرة، وباتت تتبنى ضدها استراتيجية تسميها [مبام] وهي المعركة ما بين الحروب، أي خوض جولات متقاربة زمنياً مع الفصائل الفلسطينية، لا تصل إلى حرب كبيرة تضمن من خلالها تعزيز فكرة الردع وتدمير ما لدى المقاومة من عناصر قوة مادية أو بشرية، وضمان عدم تطور المقاومة و انشغالها ببناء ما تم هدمه أثناء الجولة ، وهذه الاستراتيجية هي المستخدمة اليوم تجاه قطاع غزة بشكل خاص ، وجهات أخرى تعتبرها "إسرائيل" عدواً استراتيجيا لها مثل الملف النووي الإيراني ومحاولات إيران تثبیت وجود لها في سوريا .

وهنا لن نتطرق إلى هذه الاستراتيجية، بل سنقصر الحديث على الضفة الغربية وبشكل خاص كتيبة جنين وعرين الأسود، وكيف يعمل الكيان الصهيوني على مواجهة المقاومة هناك عبر رؤية أمنية وإستراتيجية، ربما هي ثابتة منذ النكبة وحتى يومنا هذا، وهي تعتمد على ما يلي :

1.الحدود الآمنة ونقل المعركة إلى أرض العدو: حيث اعتبرت "إسرائيل" ومن يومها الأول أن عملها الأمني ضعيف وضيّق وعليها أن تواجه عدوها خارج حدودها، وفي حالتها اليوم داخل حدود الضفة قبل أن تتمكن المقاومة من إيصال مجاهديها إلى العمق ، وهذا ما يوضح اقتحامها المستمر لمدن الضفة وعدم السماح للكتائب والعرين من خلق مناطق آمنة ينطلق ثم يعود إليها.  

2. الردع المتراكم وغير المتوازي: حيث تعمل الأجهزة الأمنية على القتل بشكل بشع وعدد كبير، لإيصال رساله لكل من يفكر في المقاومة أن يد الكيان طويلة وتصل إلى كل مكان وتقوم في سبيل ذلك بعمليات قتل تطال النساء والأطفال لأجل ردع الحاضنة الشعبية وكسر معنوياتها .  

3.سياسة جز العشب: وذلك عبر عمليات الاعتقال اليومية التي تطال الناشطين وعوائلهم، وكذلك عمليات الاعتقال الإداري التي تستهدف الكوادر لمنع تشكيل أي حاضنة تنظيمة حقيقية تتمكن من إخراج عمل تنظيمي ذو فعاليه كبيرة  .

4. استخدام الوكلاء: وهو ما يوفره لهم التنسيق الأمني مع السلطة الفلسطينية لضرب المقاومة وشلّ حركتها، وذلك عبر ملاحقة مصادر التمويل واعتقال وتهديد النشطاء وإغلاق المؤسسات التي تتبع فصائل المقاومة، ومنع كوادرها من مزاولة أي نشاط دعوي أو تربوي أو تثقيفي أو تحريضي ضد العدو الصهيوني.  

وفي سبيل مواجهة ذلك على المقاومة في الضفة، أن تدرك أنها تواجه دولة بمؤسسات ورؤية أمنية همها الوحيد هو استهدافها وإنهاء وجودها، ولذلك عليها أن تنتبه إلى النقاط التالية:

1. الكر والفر هو السلاح الأنجع في مواجهة هذا العدو، لذلك يجب يكون المبداً الناظم للمقاومة في الضفة هو مفاجأة العدو من حيث لا يحتسب.  

2. الخروج إلى الأهداف بعد جمع الاستخبارات وليس البقاء والمواجهة في أماكن الاحتماء، لأن الأولى نقطة قوة والثانية نقطة ضعف.  

3. العمل السري والعمل ضمن مجموعات صغيرة فكل معلومة تصل إلى العدو تعني للمجاهد مقتل.  

4. يجب على المجاهدين السعي لإمتلاك السلاح النوعي الذي يغيّر المعادله ويفاجئ العدو، مما يضطره إلى اتخاذ العديد من إجراءات الحماية التي تساعد في كشفه قبل اقتحامه.  

في الختام كي يتمكن المقاوم من الانتصار على عدوه، يجب أن يعيش مطارِداً لعدوه لا مطارَداً له.

جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2023