حقل الغاز بغزة: انقسام داخلي في خدمة السلام الاقتصادي

منتدى التفكير الإقليمي

زياد أبو زياد
 محامٍ وصحفي وسياسي فلسطيني.
ترجمة حضارات



في هذه الأيام المفاوضات جارية الآن بشأن إعادة تنشيط حقل الغاز الواقع قبالة ساحل غزة ("غزة مارين").


 وأكدت السفارة الأمريكية في القدس المعلومات يوم الثلاثاء، وأعربت عن أملها في التوصل قريبًا إلى اتفاق بشأن حقل الغاز، عقب المباحثات التي جرت في العقبة وشرم الشيخ.


في التسعينيات وأوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، كان هذا هو حلمنا بالضبط: كنا نستعد لتأسيس بلدنا الذي سيكون له اقتصاد مستقل، لكن الحلم تحطم جنبًا إلى جنب مع حلم إنهاء الاحتلال وإقامة دولة.

تراجع المستثمرون وبقي الغاز في أعماق بحر غزة، ما زلنا عبئا على كاهل الدول المانحة والمواطن الفلسطيني الذي يدفع نفقات الاحتلال الذي أصبح واقعا دائما.

وفقًا لاتفاقية جنيف الرابعة، يجب أن نتذكر أن الاحتلال من المفترض أن يضمن رفاهية الأشخاص الذين يسيطر عليهم.

ومن المدهش أن نكتشف أن "إسرائيل" أعلنت بالفعل أنه لن يكون هناك ترسيم للحدود البحرية بينها وبين غزة على عكس ما حدث مع لبنان.

علاوة على ذلك، تعتقد "إسرائيل" أن إدارة حقول النفط والغاز في البحر واستغلالها من اختصاص الدول.

 في ضوء حقيقة أن الفلسطينيين ليس لديهم دولة، تقترح "إسرائيل" أن تتولى مصر الإشراف والإدارة والتنفيذ لجميع الأمور المتعلقة بحقل غزة مارين، في غياب المصالحة الفلسطينية الداخلية، فإن إثارة هذه القضية سيؤدي بلا شك إلى تدهور الوضع إلى الهاوية.

إلى جانب ذلك، علمنا بشبهة قصور في مصداقية فواتير المقاصة التي تقدمها السلطة الفلسطينية لـ"إسرائيل" من أجل استرداد الضرائب على البضائع الفلسطينية المستوردة.

انتشر هذا الخبر عبر وسائل الإعلام في "إسرائيل"، وعلى رأسها صحيفة يسرائيل هيوم، التي يمولها الرأسماليون المؤيدون لليمين.

وتزعم الصحيفة أن التجار الفلسطينيين يستوردون البضائع عبر الموانئ الإسرائيلية ويقدمون فواتير التخليص للسلطة لاستلام الضرائب من "إسرائيل"، ولكن بما أنهم يبيعون البضائع في الـ"أراضي الإسرائيلية" وليس في الأراضي الفلسطينية، فإن الضرائب تعود لـ"إسرائيل" وليس للسلطة.

كما تدعي الصحيفة أن التجار الفلسطينيين يشترون الوقود من "إسرائيل" بسعر مخفض ضمن الحصة المستحقة للسلطة الفلسطينية، ثم يبيعونه لمحطات الوقود في "إسرائيل"، وهو أمر آخر ينطوي على الاحتيال وسرقة الضرائب التي تذهب إلى "إسرائيل".

لا أعتقد أن هذه المعلومات عرضية. يبقى فقط أن نسأل من وراءها. أعطت الحكومات الإسرائيلية لأجيال أعذارًا مختلفة لسيطرتها على عائدات السلطة الفلسطينية على أساس بروتوكول باريس.

 ويقتطعون ضرائب تصل إلى مئات الملايين من الأموال المستحقة للسلطة على أساس أنهم في المقابل يزودون السلطة بالمياه والكهرباء، ويقتطعون ديون سكان السلطة للمستشفيات في "إسرائيل".

 ومن الأعذار الأخرى أن هذه الأموال تُستخدم في تمويل تعويضات قضت في المحاكم الإسرائيلية لقتلى العمليات التي ينفذها فلسطينيون في "إسرائيل"، أو تُخصم من مخصصات عائلات الشهداء والأسرى، إلخ.

 إن حكومات "إسرائيل" غير راضية عن مليارات الأموال الفلسطينية التي تراكمت في خزائن الدولة، وهي تبحث عن طرق "لسرقة" الضرائب من الأموال الإضافية المستحقة للسلطة الفلسطينية.

هناك طريقة واحدة للقيام بذلك هي التشكيك في مصداقية الوثائق التي يقدمها الفلسطينيون لـ"إسرائيل".


إن الخطاب حول إعادة تنشيط حقل الغاز قبالة سواحل غزة إلى جانب رفض ترسيم الحدود البحرية بين "إسرائيل" والدولة الفلسطينية، والتي يعتبر قطاع غزة جزءًا لا يتجزأ منها، يذكرنا بالحل الذي تم اقتراحه سابقًا على القيادة الفلسطينية ورفضتها: دولة فلسطينية بلا حدود.

 كان الاسم الذي أطلق على الاقتراح هو "حدود مؤقتة"، أي بيع وهم الدولة للفلسطينيين، لكن المطلب الأول والأساسي للفلسطينيين الذين شاركوا في جولات المفاوضات السابقة، وآخرها خلال رحلات جون كيري (2013-2014)، كان ترسيم الحدود بين "إسرائيل" وفلسطين قبل المحادثات حول الانسحاب الإسرائيلي و إخلاء المستوطنات.

 ورفضت "إسرائيل" بالطبع رفضا قاطعا تقديم أي خرائط أو مقترحات للحدود بينها وبين الأراضي الفلسطينية؛ لأنها لا تنوي التوصل إلى حل أو الانسحاب من الضفة الغربية.

كل ما هو مطلوب هو كسب المزيد من الوقت لإقامة الضم والاستيطان.

إلى جانب كل هذا، فإن الحديث عن تحسين الوضع الاقتصادي للفلسطينيين والوضع المالي للسلطة الفلسطينية مع استثمار الجهود في إيجاد مواردهم المالية الخاصة لهذا الغرض، على سبيل المثال من خلال تشغيل حقل الغاز على ساحل غزة، هو بالضبط في بؤرة "الحل الاقتصادي" أو "الحد من الصراع".

هذه محاولات شائنة للاستفادة من ضائقة مالية لجرنا تدريجياً وبدون قصد نحو منحدر الدولة المتخيلة بلا حدود، وهو ما لن يحسن وضعنا الاقتصادي ويتجاهل بشكل كامل الحقوق السياسية والوطنية للشعب الفلسطيني.  

نحن الآن في فترة حساسة وخطيرة للغاية، يتم فيها القضاء على القضية الفلسطينية وروح المقاومة، مع ارتكاب أعمال القتل اليومية وتعميق الانقسام الداخلي بين مختلف الفصائل في داخلنا.

يجب على المواطن الفلسطيني أن يقرر، من خلال التصويت في مراكز الاقتراع، من سيكون صانعي السياسة الذين سيقررون مصيره، وفي الوقت نفسه يعتني بالموارد الاقتصادية.


 وإلا فلن تكون هناك شرعية للاتفاقيات السياسية أو الاقتصادية، وسنعلق في دائرة الشكوك والاتهامات في الظروف السياسية بغياب الشفافية والرقابة والرقابة البرلمانية.


جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2023