طوفان الأقصى... الموقف اليوم الاثنين: 30/ 10/ 2023 الساعة: 09:00

عبدالله أمين

خبير عسكري وأمني

أولاً : الموقف

لليلة الثالثة على التوالي، منذ بدء المناورة البرية في يوم: 27/ 10/ 2023 الساعة: 22:00 والعدو يحاول تسجيل إنجاز تعبوي على الأرض يستطيع من خلاله تقديم ( صورة ) نصر للقيادة السياسية بغية استثماره في المفاوضات القادمة ، والتي ـ المفاوضات ـ ستركز على إطلاق سراح الأسرى ، وتقييد محاولات حركة المقاومة الإسلامية " حماس " إعادة بناء وترميم قدارتها العسكرية المتضررة من جراء هذه الحرب



وفي هذا السياق لم يحقق العدو إلى الآن خروقات حقيقه إضافية غير التي حققها في الليلتين السابقتين ، فالعدو ما زال متمركزاً في رأس الجسر الذي حققه في شمال غرب " بيت لاهيا " في محيط المدرسة الامريكية ، أما منطقة الحد الشمالي مع القطاع ؛ فقد دارت فيه بالأمس معركة حامية الوطيس عندما قامت مجموعة من المقاومة تابعة لكتائب " عز الدين القسام " بعملية نفوذ خلف خطوط العدو باستخدام نفق أرضي ممتد من شمال القطاع إلى خلف قوات العدو المنتشرة في منطقة معبر " أيرز " حيث اشتبكت المجموعة مع قوات العدو المنتشرة هناك ، تحت نار إسناد مدافع الهاون الصديقة ، وبالأسلحة المضادة للدروع ، والأسلحة الفردية ، وقد امتد الاشتباك لعدة ساعات ، استعان العدو خلاله بنار الدبابات وبنار ، الإسناد القريب من المروحيات لقطع التماس مع المقاومين ، وانهاء عملية النفوذ . هذا وقد بقي العدو يقوم بعمليات التعرض البري في مناطق الشمال الغربي باتجاه "العطاطرة " و "السوادنية" و " التوام " ، كما بقيت قواته في رأس جسر " المقبرة " شرق "جباليا" على حالها ؛ فلم تقم بأي تعرض حقيقي يهدد الحافة الأمامية لجبهة المقاومة شرق " جباليا " أو شمال غرب " التفاح " و " الشجاعية " . 



وفي السياق فقد فتح العدو محاور اشتباك أخرى مع المقاومة في شرق "المغازي " و " رفح " . كما بقيت طائراته ومدفعيته وسلاح بحريته تغير بالنار على كافة مدن ومخيمات القطاع ، من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب ، مركزة نارها على مناطق وسط مدينة غزة ، وجنوبه حيث حي "الزيتون " و "تل الهوا " ، كما طال قصف العدو " المغراقة " و " دير البلح " في المحافظات الوسطى من قطاع غزة . وفي السياق ، فقد أعلن العدو مساء اليوم الماضي ـ الساعة: 22:25 ـ أنه شن غارات على جنوب لبنان ، مستهدفاً مناطق يزعم أنها تشكل منطلقاً لهجمات المقاومة ضد مواقعه المنتشرة شمال فلسطين المحتلة . كما تجدر الإشارة إلى أن العدو يستخدم في قصفه لمدن ومخيمات القطاع مدافع الميدان من نوع " سيغما " وهي مدافع ذاتية الحركة ( 10× 10) من عيار 155 ملم تتوافق ذخائرها مع جميع ذخائر الناتو ، تلقم بشكل أتوماتيكي ، ويبلغ مداها في القذائف المعيارية العادية 30 كلم ، أما إذا ذُخرت بقذائف صاروخية ، فإن مداها يصل إلى 40 كلم ، مما يعني أن هذه المدافع قادرة على تغطية منطقة العمليات من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب ، ومن الشرق إلى الغرب . 



هذا وقد عاد الناطق الرسمي باسم الجيش " دانيال هاغاري " وفي إيجازه اليومي الطلب من سكان شمال قطاع غزة بالتوجه إلى جنوبه ، ولكن هذه المرة قال أن المغادرة ستكون مؤقتة ! كما عاد وذكّر بعدد قتلاهم من الجيش منذ بدء عملية " طوفان الأقصى " في  7 أكتوبر ، حيث بلغ عدد القتلى 313 ، وعدد الأسرى 230 أسيراً . 



وفي صفحة المقاومة ، فقد بقيت المقاومة تتصدى للعدو وتشتبك معه في كافة محاور تقدمه ، من شمال غرب القطاع حيث رأس جسر " بيت لاهيا " ، حيث اشتبكت في محيط المدرسة الأمريكية مع قوات التعزيز القادمة إلى تلك المنطقة ، وتعاملت معها بصنوف الأسلحة المناسبة ، كما قامت المقاومة في منطقة الحد الشمالي لقطاع غزة بعملية ـ س : 1430 ـ نفوذ عبر الأنفاق واشتبكت مع العدو في حاجز " إيرز " موقعة فيه خسائر مادية وبشرية ، مما اضطره للاستعانة بنار الإسناد المدفعي والجوي لقطع التماس مع المقاومين في بقعة العمليات هذه ، كما تصدت المقاومة للعدو على المحور الشمالي الغربي / " بيت حانون " بالرشاشات ومضادات الدروع ، ومنعته حتى كتابة هذا الموقف من تحقيق رأس جسر يهدد بقعة العمليات في المنقطة المذكورة ، كما منعت المقاومة العدو من تطوير موقفه وتوسيع وضعيته انطلاقاً من رأس جسر " المقبرة " شرق " جباليا ". كما بقيت المقاومة مشتبكة مع العدو بالنار على أكثر من اتجاه ؛ حيث قصفت مقرات حشده وتجمع  في : " نير عوز " ـ الساعة: 10:20 ـ و "نيراسحق " و " نحال عوز " و " رعيم " . 



هذا وقد قَصفت المقاومة العمق الفلسطيني في "تل الربيع " و" عسقلان " ومدن المركز . 



وفي السياق فقد بقيت المقاومة الإسلامية في لبنان " حزب الله " على تماس ناري مع العدو ، حيث أطلقت ـ س : 10:45 ـ النار على نقاط الجمع الحربي للعدو في " مسكاف عام " وقذائف الهاون على مقار العدو في " شبعا " ، وفتحت النار على موقعه في " المالكية " و " راميا " ، كما أطلقت كتائب عز الدين القسام في لبنان 16 صاروخاً باتجاه مغتصبة " نهاريا " ، هذا وقد ارتقى لحركة الجهاد الإسلامي مساء أمس الشهيدين " إبراهيم محمد عثمان خليل " و " مصطفى عز الدين حسين " أثناء تنفيذهما عملية عسكرية ضد موقع للعدو في " حانيتا " المواجه لـ " علما الشعب " اللبنانية . وفي مساء الأمس 29/ 10/ 2023 سُجل قصفٌ ـ الساعة: 21:20 ـ لقاعدة العدو الأمريكي في حقل العمر النفطي في سوريا . 



هذا وقد بقيت مدن وقرى الضفة الغربية تحت قبضة العدو الأمنية الشديدة ، إلّا أن ذلك لم يمنع المقاومون فيها من التصدي لقوات العدو التي داهمت مدن : جنين ونابلس وسلود وسلوان وطوباس ، وغيرها من المدن والقرى التي ما زالت تشهد عمليات دهم واعتقالات يومية . كما وزع المستوطنون منشورات تهدد أبناء قرية " دير استا " شمال غرب سلفيت تتوعدهم فيها بنكبة جديدة على غرار نكبة الـ 48 . أما في مناطق الثمانية والأربعين فقد بقي الحال على سابقه ، خاصة وأن العدو الإسرائيلي قد أنهى إلى الآن تشكيل ما يقارب من 600 فرقة أمن نتشر في قرانا ومدننا المحتلة هناك ، واعداً ـ العدو ـ بزيادة عددها في الأيام القادمة لتصل إلى 1200 فرقة . هذا وقد بلغ عدد شهدائنا في الضفة الغربية منذ بدء معركة " طوفان الأقصى " 118 شهيداً.



 أما فيما يخص حركات الدعم والتأييد الشعبي للمقاومة في فلسطين ، ودفعاً عن أهلنا في غزة ؛ فقد بقيت هذه المظاهرات والحركات الشعبية تجوب معظم عواصم العالم العربي والإسلامي ، وبعض المدن الغربية . إلا أن اللافت ما قامت به جموع المتظاهرين المؤيدين لفلسطين في " داغستان " من مهاجمة مطار مدينة " محج قلعة " حال سماعهم بهبوط طائرة قادمة من ( إسرائيل ) وعلى متنها مسافرين يهود من أصول داغستانية . 



أما عن الجهود السياسية ، وبحكم عطلة نهاية الأسبوع  في عواصم القرار خاصة في عاصمة قائد هذه المعركة عنينا به العدو الأمريكي ؛ فجعجعة بلا طحين ، وحركة بلا بركة ، واتصالات لا تفضي إلى انفراجات ، فمعبر رفح ما زال شبه مغلق ، ويُدخل المساعدات بالقطارة ، بعد أن يتم نقلها أولاً إلى معبر " كرم أبو سالم " ، ثم منه إلى معبر رفح لتدخل بعد ذلك إلى قطاع غزة . 



ثانيا : التحليل والتقدير

لا يزال العدو مُصر على تحقيق إنجاز أرضي حقيقي عبر مناورته البرية التي بدأها ، الأمر الذي يفسر كثافة النار المستخدمة في عمليات القصف والتدمير ، خاصة في مناطق شمال وشرق قطاع غزة . حيث يمزج العدو بين هدفين يرمي إلى تحقيقهما ؛ الأول القضاء على العدو ( المقاومة ) ، أما الثاني فـ (قضم) الأرض ؛ فحيثما تسنى له ضرب وتحييد أهداف بشرية للمقاومة ، فأنه يقدم على ذلك ، وحيثما سمح الموقف الميداني بقضم قطع من الأرض ؛ فإنه لا يفوت الفرصة ، حيث يرى العدو أن في تحقيق كلا الهدفين ، أو أين منهما ، تحقيق لمصلحة عملياته تخدم موقفه القتالي ؛ ففي تحقيق هذه المكتسبات الجزيئة فإنه يحقق الأهداف الكلية التالية : 

  1. (قضم) أرض يستطيع من خلالها تطوير موقفه القتالي وتحسين وضعه الميداني .
  2. تقديم ( صورة ) نصر وما يمكن أن يستثمر في المفاوضات السياسية القادمة .
  3. ضرب سلسلة القيادة والسيطرة للمقاومة ، مما ينعكس سلباً على أدائها الميداني .
  4. الضغط النفسي والمعنوي على قيادة المقاومة وحاضنتها ، علّه ـ العدو ـ يخرجها عن حالة الاتزان والسيطرة على الموقف .



أما فيما يخص المقاومة ؛ فإن إدارتها لصفحات المعارك اليومية ، بمختلف أنواعها ؛ النارية عبر الاشتباك مع العدو بوسائط النار المختلفة ، أو البشرية عبر التعرض له والاحتكاك به ؛ تشي بأن المقاومة ما زالت تتحكم في الموقف ، وتديره وفقاً لأوليات عمل وأهداف محددة ، يمكن أن تختصر ـ الأهداف ـ بالآتي : 

  1. تحقيق خسائر بشرية ومادية في العدو على جبهات القتال ومحاوره المختلفة .
  2. منع العدو من الاستقرار في مناطق الخرق ورؤوس الجسور التي حققها عبر التعرض عليها والاشتباك معها بمختلف تكتيكات العمل ووسائط النار ، أو ضرب مناطق الحشد التي خرجت منها ، وتشكل نقاط ارتكاز لها .
  3. الضغط على جبهة العدو الداخلية لما يتركه هذا الأمر من أثر على نمط عمل العدو في منطقة عمليات قطاع غزة .



وعليه وبناء على هذه المعطيات، فإننا نعتقد أن الموقف في الـ 24 ساعة القادمة سيكون على النحو الآتي

  1. إدامة العدو قصفه على مناطق الجهد الرئيسي في الشمال الغربي للقطاع وشماله ، وعلى طول الحد الشرقي ، وكذلك ضرب عمق منطقة العمليات في مدن ومخيمات القطاع ، خاصة مناطق وسط مدنية غزة ، حيث الثقل السكاني والقيادي للمقاومة .
  2. بقاء المقاومة في غزة مشتبكة مع العدو بالنار القريبة أو البعدية، ومحتكة به حيث يتطلب الموقف ويساعد الميدان ، تحقيقاً للأهداف السابقة التي تم ذكرها .
  3. سوف يحاول العدو توسيع وضعيته في مناطق الخرق ورؤوس الجسور التي حققها في الشمال الغربي والشمال الشرقي ، وفي شرق القطاع ، محاولاً ( قضم ) مناطق ونقاط جغرافية ذات قيمة استراتيجية تؤثر على الموقف القتالي ، خاصة مناطق " تل الزعتر " و " الكاشف " و " الريس " ، الأمر الذي يجب التنبه له ، ومنع العدو من تحقيقه .
  4. نعتقد أن العدو سيحاول تطوير موقفه القتالي في مناطق وسط غزة وجنوبها ، من أجل تحقيق الأهداف التالية :
  5. كسب جغرافيات جديدة تساعد في تحسين موقفه القتالي .
  6. منع المقاومة في هذه المناطق من الوصول إلى منطقة عمليات الجهد الرئيسي في الشمال والشمال الغربي ، لتعزيز موقف المقاتلين هناك .
  7. إيجاد ضغط نفسي على قيادة المقاومة وحاضنتها الشعبية والمجتمعية .
  8. ستبقى فصائل المقاومة في الضفة الغربية ، تحاول الاشتباك مع العدو في عمليات يومية ، نعتقد أنها إلى الآن لا تؤثر بالشكل المطلوب على جبهة غزة ، الأمر الذي يتطلب مقاربة أخرى تفضي إلى القيام بأعمال مقاومة تشكل تهديداً ذا مصداقية على العدو ، ينعكس إيجابا ًعلى جبهة المقاومة في غزة .
  9. ستبقى المقاومة في شمال فلسطين  ، وفي الساحات الخارجية ـ العراق وسوريا واليمن ـ وبمختلف انتماءاتها في حالة اشتباك مع العدو مسقوفة بمعادلة الفعل ورد الفعل ؛ الأمر الذي نعتقد أن بقاءه على هذا المستوى من الأعمال والإجراءات ، وإن كان مؤثراً إيجاباً على منطقة العمليات في غزة ؛ إلّا أنه سيبقى مُتحمّل ، ويمكن التعامل معه من قبل العدو وحلفائه ، ولن يترك آثاراً جذرية ومصيرة على أهلنا ومقاومتنا في غزة ، الأمر ـ مشاركة الجبهات الخارجية ـ الذي يتطلب إعادة النظر فيه ؛ شكلاً ومضموناً وأهدافاً .



والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون 

عبد الله أمين 

30/ 10/ 2023

جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2023