أي ابتزاز يمارسه الاحتلال ليجمع لجرائمه الداعمين والمناصرين؟

د. ياسين أقطاي

كاتب وأكاديمي وسياسي تركي

​​​​​​​

يمثلُ قطاعُ غزة مساحة صغيرة من الأرض. وشعبها يبلغ 2.3 مليون نسمة يعيشون تحت الحصار وجميع أنواع الاضطهاد والحرمان منذ 17 عامًا. وزاد الأمر سوءًا ما قامت به إسرائيل من هجوم على مدار أكثر من أسبوعين دون التزام بأي قواعد أخلاقية، وما ترتكبه من أنواع الجرائم ضد الإنسانية، وبكل قوتها ووحشيتها. 



والحقيقة أن الغضب قد أعمى عيون إسرائيل وجعلها غير قادرة على رؤية ما كانت تفعله، رغم أن الجميع في الداخل والخارج يعي تمامًا ما وراء هذه الأحداث. ومع ذلك فإن مَن لم يتحسَّب للعواقب لم يكن له الدهر بصاحب، ألا يجب أن يحاول أصحابها وداعموها تهدئتها والضغط عليها قليلًا في مثل هذه المواقف؟ ورغم ضرورة ذلك يتسابقون لاسترضائها، علاوة على ذلك يشجعونها على كل ما تفعله بتهور، ويدعمونها في الجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبتها وما زالت ترتكبها. في البداية، تسابق الرئيس الأمريكي جو بايدن، ثم بريطانيا، ثم فرنسا وألمانيا وإيطاليا ورؤساء دول أوروبية أخرى لزيارة إسرائيل المتهورة؛ للتعبير عن دعمهم.



إن هذا المشهد ليس علامة على قوة إسرائيل أو هيمنتها على الوضع، بل إنه دليل واضح على غرقها وتخبُّطها. إنه غرق لدرجة أنها تجذب كل من يدعمها إليها. وفي غضون الأسبوعين الماضيين في غزة التي تتكون من مساحة صغيرة من الأرض، قد دفنت أوروبا كل ادعاءات القانون الأوروبي ومطالباته حول حقوق الإنسان على مدى القرنين الماضيين. 



ويتكشَّف ذلك حقيقةً في ميزان القوى غير المتكافئ هناك، والتساؤل عن نوع المساعدة التي تحتاجها إسرائيل لمساعدتها! كما أن إمطار المدنيين العُزَّل بالقنابل في مدينة غزة التي لا حول لها ولا قوة لا يشكل أي صعوبة على إسرائيل، ويكفي أنه أمر غير إنساني على الإطلاق؛ حيث يموت عشرات الأطفال والنساء والمدنيين في كل قصف. وكل مكان يتعرض للقصف بما في ذلك المستشفيات والمدارس والأسواق. ويتم ارتكاب أبشع الجرائم وأكثرها وحشيةً وفقدانًا للإنسانية في التاريخ. وأمريكا وأوروبا اللتان تملكان مفاتيح حل هذا الأمر ووضع حد لكل ذلك، لا تقفان مكتوفتي الأيدي وتشاهدان ما يحدث فقط، بل تساعدان المجرمين وتدعمانهم.



ولا يمكن لأي دولة أن توافق على مثل هذا التواطؤ إلا تحت الإكراه وربما الابتزاز. فالجميع يعلمون أن ألمانيا قد ظلت رهينة لهذا الابتزاز منذ الحرب العالمية الثانية. واليوم، ليست ألمانيا في وضع يسمح لها بالتحدث علنًا ضد أكثر الجرائم شراسةً ضد الإنسانية. إذن ماذا يحدث للدول الأخرى؟! ما نوع الابتزاز الذي يتعرضون له حتى يوافقوا على التواطؤ والمشاركة في مثل هذه الجريمة الكبرى؟



ونحن نعلم أن بريطانيا باعتبارها الدولة التي تسببت في ابتلاء العالم بالصهيونية، لا يزال لديها حساب طويل مع إسرائيل. وماذا عن فرنسا؟ وإيطاليا؟ وكندا؟ إن حقيقة تحالُف أكبر وأقوى دول العالم بهذه الطريقة الغادرة في عدوان غاشم يدوس على قيم الإنسانية من أجل تدمير شعب صغير، لهو أمر كافٍ لجلب العار والخزي لسبعة أجيال قادمة. وهذه هي الحضارة الغربية وإلى جانبها هؤلاء الحداثيون المسلمون الذين يُعجَبون بهذا المنظر المشين ويسطِّرون هذا الإعجاب في كتاباتهم.



لكن هذا المشهد الذي يحوي كل ظلم واضطراب للموازين، وهذا التحالف سيئ السمعة على الجرائم ضد الإنسانية، هو أيضًا جرس الإنذار لصحوة مُقدَّر لها أن تبدأ في العالم من الآن فصاعدًا لمواجهته. فمثلما هزم داود جالوت، قام رجال غزة الشجعان بالرد على إسرائيل وأصدقائها. وهي بذلك تُغضبهم وتكشف نقاط ضعفهم جميعًا وتخلع عنهم أقنعتهم لتكشف عن وجههم الحقيقي المُتخفي خلف قوانين لا تُطبَّق إلا على الضعفاء. ولذلك يعد السابع من أكتوبر 2023 نقطة تحوّل مصيرية في إنشاء عالم جديد. وربما ستكون هناك معاناة، والحضارة الغربية التي جُنَّ جنونها غضبًا وصارت غير قادرة على الاعتراف بأي قواعد، استخدمت كل ما لديها من تقنيات الأسلحة والذخيرة حتى تفرغ غضبها على الأبرياء وتنتقم منهم. لكنها على كل حال لن تستطيع أن تتجنب رؤية مقاومة هؤلاء، أطفال غزة البواسل الذين لا يستسلمون أمام كل أسلحة الغدر والعدوان، وفي كل موقف يذكرونهم بذلك قائلين: سنموت وسنُستشهَد ولا نخاف من هذا، فسيأتي من بعدنا على الدرب، وهم أيضًا سيُستشهَدون، فوجهتنا هي الجنة. ولن نستسلم ولن نتخلى عن هذا الوطن أبدًا.



وفي مواجهة روح المقاومة هذه، ماذا يمكن لإسرائيل وحلفائها في الغرب أن يفعلوا سِوى مجرد الكشف عن عارهم وفضح سوءاتهم.



إن روح المقاومة التي تحلى بها عمر المختار تتجلى الآن في غزة. وكما تعلمون، كانت إجابته الرائعة للضابط الإيطالي الذي كان يحقق معه وسأله: «لقد قاوَمْتَنا مدة 20 عامًا في هذه المنطقة، هل فكرت في الفوز؟» فقال عمر المختار: «كنت أقاتل مِن أجل إيماني وكان ذلك كافيًا لي، وكل شيء في يد الله … نحن لا نستسلم أبدًا، إما أن ننتصر أو نموت. وسوف تقاتلكم الأجيال أيضًا من بعدنا. أما أنا فسوف أعيش أكثر بعد جلادي» .



ووفقًا لاستطلاع للرأي أجرته مؤسسة «غالوب» في مارس الماضي في أمريكا، فإن تعاطف الديمقراطيين مع الفلسطينيين آخِذٌ في الزيادة، وأصبحت نسبة تعاطف هذا الحزب الآن مع الفلسطينيين أكثر من نسبة التعاطف مع الإسرائيليين. وبالأرقام وصل التعاطف مع الفلسطينيين 49%، ولكنه مع إسرائيل بلغ 38%. وقد تم إجراء هذا البحث أيضًا نسبيًّا بين عدة أجيال X وY وZ، ويُلاحَظ أن هناك اتجاهًا مماثلًا في جميع الأجيال، ولكن بشكل خاص بين ما يُسمى بالجيل Z، فإن نسبة الكراهية تجاه إسرائيل أعلى. ومع العدوان الإسرائيلي الأخير مِن المتوقَّع أن يتعمق هذا الاتجاه في نفس الاتجاه. وفي الواقع يعد هذا تعبيرًا عن مدى الاستياء المتزايد من السياسة الخارجية لأمريكا التي ظلت لفترة طويلة رهينة لإسرائيل.



كما أن الدعم الذي تقدمه الدول لعدوان الإبادة الجماعية الإسرائيلي، والذي لا يليق بالإنسانية والشجاعة والقانون وطابع الدولة على أرض الواقع، أمرٌ ليس من السهل قبوله لدى الشعوب. فإسرائيل ليست ضحية، وليست مُضطهَدة، وليست ضعيفة في هذا الحادث، ولكن الدعم غير المشروط من القادة الأوروبيين لعدوانها، والذي وصل بشكل متسارع إلى مستوى الإبادة الجماعية، يخلق وضعًا بعيدًا تمامًا عن العقلانية.



والحقيقة أن الاضطراب والانشقاق الناجم عن هذا الموقف غير العقلاني في أمريكا واضح للعيان. وسنرى في أوروبا أيضًا ما سيؤدي إليه ذلك. وإننا في الوقت الحالي، ليس لدينا أي بيانات أو معلومات سوى المشاركات الكبيرة في المظاهرات المؤيدة لفلسطين في بعض دول العالم.



ولكن من الواضح الآن أن هذا الدعم الذي لا يحمل أي مستوى من العقلانية، له دلالته الحقيقية على مستوى الدين والعقيدة.



وإننا نواجه صعوبة حقيقية في فهم الوضع الحالي؛ لأننا كنا ننتظر من الغرب الذي يسوِّق للعلمانية في العالم ويبيعها للشعوب منذ سنوات، أن يلتزم بالقواعد التي وضعها في كتبه ومحاضر اجتماعاته. ولكن الحقيقة التي يجب رؤيتها بوضوح هي أن أوروبا وأمريكا وإسرائيل من أكثر المتشددين المتعصبين للشريعة الأكثر تعصبًا على وجه الأرض. ولذلك فهذه الأيام المقبلة حبلى بالكثير والكثير… حفظ الله الشعبَ الفلسطيني والمقدسات الإسلامية وأمدَّهم بمَدَدٍ من عِنده.



د. ياسين أقطاي

أكاديمي وسياسي وكاتب تركي



جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2023