طوفان الأقصى: أن تقاتل في اليوم المئة لتحقيق أهداف اليوم الأول !!

عبدالله أمين

خبير عسكري وأمني


استهلال : 

لابد بعد دخول الحرب في شهرها الرابع ، وطيها ما يزيد عن المئة وخمسة عشرة يوماً ، من العودة لقراءة المشهد من جديد ، ليس من أجل تحديد المنتصر من المهزوم ؛ فهذا أمرٌ حسم من اليوم الأول ، عندما ضُبط حارس هذا الكيان المؤقت نائماً ، وهو الذي كان يُظنُ أنه ينام نوم الذئاب؛ مغمضاً عيناً، وفاتحاً الأخرى، ضبط غافلاً في نوبة حراسته؛ فاعتلى المجاهدون دباباته، ودمروا تحصيناته، وجاسوا خلال مستوطناته، وعادوا غانمين فوق ما كانوا يتصورون، وأكثر مما كانوا يتوقعون، فجن (رب) المنزل، ثم أرغى وأزبد، وقذف حمم ناره على أهلنا وشعبنا في غزة هاشم، فقتل ودمر، ثم عاد وقتل ودمر، وهو الآن يمارس" مزيداً من الشيء نفسه "؛ يراوح مراوحة الغريق في رمال متحركة؛ فلا هو ناج بجلده، ولا هو متوقف عن غرقه.

إنه يقاتل في الأيام ما بعد المئة ، لتحقيق أهداف ( صدّع ) الناطقون باسمه وباسم جيشه رؤوسنا وهم يقولون أنهم حققوها، وأنجزوا معظمها.

فإن كان كذلك؟ فعلام هذا القتال؟ ولم كل هذه الخسائر؟ 

تأتي هذه الورقة لمناقشة هذه المسألة، علّنا نفك (طلسم) هذا الموقف المتأزم ، والمشهد المتكرر . 


أهداف العدو  : 

قبل البدء (بالقراءة) في الموقف لفك ( طلاسمه ) ؛ لابد من تحديد نقاط المثابة ـ الموقف ـ والارتكاز التي ارتكز عليها ، فبدون ذكرها وإعادة التذكير بها ؛ يقول من شاء ما شاء ، وحيث أن موقفنا هو حرب ؛ فإن معايير تقييمها ، وموازين وزنها هي أهدافها ، فهي ـ الأهداف ـ من تحدد أين نحن الآن ؟ وأين يجب أن نكون غداً ؟ ومتى وكيف سنصل ؟ لذلك كان لابد من ذكر الأهداف التي قال العدو أنه ما شن حربه المجنونة على بشرنا وحجرنا إلّا لتحقيقها ، والتي كانت على النحو الآتي : 

  1. تفكيك بنية حماس العسكرية  والسلطوية . 
  2. تأمين مغتصبات غلاف غزة وإبعاد مصادر التهديد عنها . 
  3. تدمير مصادر التهديد على العمق الفلسطيني المحتل . 
  4. استرجاع الأسرى .

هذه كانت أهداف العدو، وهذا ما سعى لتحقيقه منذ اليوم الأول الذي بدأ فيه حربه، وهي نفسها التي ما زال يتحدث عنها ناطقوه العسكريون والمدنيون، في كل إطلالة لهم عبر وسائل الإعلام التقليدية وغير التقليدية، ولتحقيق هذه الأهداف، يرى الكاتب أن الحرب هذه مرت بمفصلين رئيسيين، يمكن أن يشكلا نقاط البحث والتقصي، وصولاً لفك هذا ( الطلسم المغربي )، هذه المفاصل هي ما قبل الهدنة في 24 تشرين الثاني 2023، وما بعدها ،وصولاً إلى اليوم الحالي. 

ما قبل الهدنة :

لقد قام العدو الصهيوني ، ومن أجل تحقيق أهدافه السابقة ، بتنفيذ مجموعة من الإجراءات التعبوية والإدارية ، يمكن ذكر أهمها على النحو الآتي : 

  1. تعبئة قواته وحشد قدراته . 
  2. قصف ناري بمختلف وسائط القتال الجوية والبرية والبحرية .
  3. تحقيق تماس مع الجهاز الدفاعي للمقاومة على كافة محاورالقتال . 
  4. المناورة في عمق مناطق العمليات في كامل مسرح الحرب . 
  5. تدمير وتحييد أصول بشرية ومادية للمقاومة . 
  6. تدمير أصول مادية وخدمية للحاضنة الشعبية . 

         هذه هي أهم الإجراءات التعبوية والإدارية التي قام العدو بها قبل هدنة تشرين الثاني ، والتي أفضت إلى دمار واسع في مدن قطاع غزة ومخيماته ، وحصدت أرواحاً طاهرة ، فاقت عشرات الآلاف ، ولكنها ـ الإجراءات ـ لم تحقق أياً من أهداف العدو ، بل رضخ هو لشروط المقاومة فيما يخص الإفراج عن بعض أسراه ومعتقليه لديها ـ المقاومة ـ ، وبقيت مختلف فصائل العمل الفدائي وعلى رأسها كتائب الشهيد عز الدين القسام ، تصب نارها على عدونا المنتشر في غزة وعلى غلافها ، وفي عمق أرضنا المحتلة ، فانطبق على عدونا المثل القائل : " كأنك يا أبو زيد ما غزيت " . ثم تذرع بذرائع ، وتحجج بحجج من أجل استئناف القتال ، وفتح النار ، علّه يحقق ما فاته تحقيقه ما قبل الهدنة ، ففتح النار ، ومارس القتل والدمار ، ثم كان مفصل ما بعد الهدنة . 

ما بعد الهدنة :

بعد الهدنة التي انتهت في الأول من كانون الأول 2023 ، قام العدو بسلسلة من الإجراءات القتالية ، تشبه في معظمها من حيث المناورة ، ما قام به قبل الهدنة ، حيث شملت عناوين عمله الآتي من الإجراءات : 

  1. سحب بعض تشكيلاته القتالية من الشمال إلى الجنوب . 
  2. نقل الجهد الرئيسي للقتال إلى وسط وجنوب قطاع غزة . 
  3. مارس مزيداً من الشيء نفسه ، فأعمل القتل والتدمير في مدن ومخيمات قطاع غزة الجنوبية ، خاصة خان يونس ومحيطها ، في معركة ظن العدو أنها ستحسم في أسابيع ؛ فإذا بها تمتد لتصل قرابة الشهرين ، دون أي حسم أو إنهاء . 
  4. تسريح بعض فرقه وتشكيلاته القتالية ، فقد بدأ التعب والارهاق يأكل من قادته ومقاتليه ، وهم يمارسون الشيء نفسه ، لتحقيق الهدف نفسه ، منذ أكثر من المئة يوم ، ولكن لا ضوء في نفقهم الذي ولجوه ، ولا قعر للبئر الذي نزلوه . 

هذه هي أهم إجراءات العدو ما بعد الهدنة ، وحتى الآن ؛ نار ودمار ، ومناورات وتوغلات ، وقصف من طائرات وبارجات ، ومدافع ودبابات ، ولكن لا علامة على تعب المقاومين ، أو انفضاض الحاضنين ، فما زالت المقاومة تُذكّر هذا المحتل انها عصية على الكسر ، وأنها قادرة على النيل منه ـ انظروا خان يونس بالأمس ماذا فعلت بهذا العدو ـ ، وأن مغتصبيه في الغلاف لن ينعموا براحة ، ولن يهنأ لهم عيش ، ما لم ينل ناسنا وأهلنا الراحة والأمان ، وأن نارها ـ المقاومة ـ قادرة على الوصول إلى عمق أرضنا المحتلة ، ومن مختلف الجبهات؛ من غزة جنوب فلسطين ، والناقورة والعرقوب في لبنان ، فضلاً عن باقي الجبهات المشتبكة مع هذا العدو وراعيه ، وهنا أيضاً ، يصدق في عدونا المثل القائل : " تيتي تيتي ، مثل ما رحتي جيتي " . 

إن قراءة موقف المقاومة والعدو ، ما قبل الهدنة وما بعدها ، وما يقوم به ـ العدو ـ وما تقوم به المقاومة من إجراءات ، وينفذانه من مناورات ؛ يُمكنا من الخلوص إلى بعض الخلاصات ، والتي من أهمها ما يأتي : 

  1. لم يتم القضاء على التهديد .
  2. لم يتم استرجاع الأسرى . 
  3. كشفت ( عورة ) جيش العدو وهزالة أدائه القتالي . 
  4. استعار الخلافات الداخلية ، والتجاذبات البينية في الكيان المؤقت . 

الدلالات : 

وحتى لا نُفهم خطأ ، ولا تحمل الأمور على غير محملها ؛ فإن ما جيء على ذكره سالفاً ، لم يكن نتائج هشاشة العدو ــ وهو هش ـ ولا كمحصلة لخلافات داخلية بين مكوناته الهجينة ، وهي كثيرة ، لم يكن ما كان نتيجة عوامل ومؤثرات داخل العدو فقط ؛ وإنما جاءت كمخرجات لمدخلات عدة ، من أهمها ، مدخلات المقاومة وحاضنتها الشعبية ، فقد دلت تلك المخرجات على كثير من المدخلات والتي من أهمها : 

  1. أولاً وأخيراً معية ربانية ، ومن ثم حاضنة شعبية . 
  2. استعداد وجاهزية ، وروح تعرضية . 
  3. قدرات قيادة وسيطرة يرفع لها الـ ( عقال ) وتضرب بها الأمثال . 
  4. قراءة وفهم وتواؤم مع المواقف المستجدة لمختلف صفحات القتال . 

المآلات : 

وبعد هذه المقدمات ، والاستهلالات ، وذكر الأهداف والدلالات ، فإننا وبكل ثقة ، نستطيع أن نصل إلى أهم المآلات ؛ والتي كلنا ثقة أن المواقف ستفضي لها ، ولو طالت الأوقات ، ومن أهمها : 

  1. فشل أكيد للعدو في تحقيق أهدافه المعلنة ، مما يعني فشل حربه ، وانتكاس رايته . 
  2. نصر للمقاومة ، يظهر على صور صمود أمام أعتى جيوش المنطقة ، وتهشيم صورته وكشف عورته . 
  3. تغير في البيئة الداخلية والإقليمية والدولية ، فيما يعني القضية الفلسطينية ، لذلك لا يجب أن يكون ما بعد طوفان الأقصى كما قبله ؛ لا على مستوى المفاهيم ، ولا التحالفات ، ولا العلاقات ، ولا مسار البناء والتحضيرات ، للقادم من المعارك والجولات . 

نختم بالقول : أن تقاتل عدوك ، أو يقاتلك عدوك باذلاً أقصى طاقته ، صاباً جام حممه وغضبه ، طوال مئة يوم ويزيد ، ثم يعاود ـ عدوك ـكرته ، ويكرر مناورته لتحقيق ما قال أنه حققه ، أن تجبره المقاومة على فعل هذا ؛ فهذا لا يعني إلا أن معية الله تحفك ، وملائكته تقاتل معك ، وأن لا سبيل لعدوك عليك . والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون . 


عبد الله أمين 

23/ 01/ 2024

جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2023