بالنسبة لسكان غزة الذين يحاولون النجاة رقم 70 ألف شهيد لا يعبّر عن حجم الانهيار

صحيفة هآرتس

جاكي حوري

ترجمة حضارات 

ارتفع عدد الشهداء في قطاع غزة إلى 70 ألفاً، هذا ما أعلنه أمس وزارة الصحة في غزة، وكما حدث عند الانتقال من 50 ألفاً إلى 60 ألف شهيد، مرّ هذا الارتفاع أيضاً تقريباً بلا صدى، ليس لأن الحياة فقدت قيمتها، بل لأنّ الأرقام بالنسبة لسكان قطاع غزة تحوّلت منذ زمن إلى لغة لا تشرح الواقع، خلف كل رقم اسم، عائلة، حياة كاملة، لكن على الأرض لم يحدث أي تغيير جوهري حتى مع استمرار الأعداد في الارتفاع.

منذ وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر، قُتل أكثر من 354 شخصاً، بينهم على الأقل 67 طفلاً وصبي، حتى في أيام “التهدئة”، تستمر المآسي بوتيرة شبه تلقائية، أمس صباحاً قُتل في شرق خان يونس فادي وجمعة أبو عاصي، يبلغان من العمر 10 و12 عاماً، وفقاً لعائلتهما، خرجا لجمع الحطب للتدفئة من أجل والدهما المُقعد، فأطلقت طائرة مسيّرة إسرائيلية النار عليهما، في مستشفى ناصر لم يكن هناك ما يمكن إنقاذه، هذه قصة واحدة من بين كثير، ومشهد واحد من عشرات في مناطق الاحتكاك الجديدة في القطاع حيث شوهدت حوادث مشابهة.

ينقسم قطاع غزة اليوم إلى منطقتي سيطرة: الشرق تحت السيطرة الإسرائيلية، والغرب تحت سيطرة حماس الضعيفة والمفككة وغير القادرة فعلياً على الحكم، “الخط الأصفر” الذي يفصل بين الجانبين ليس مجرد خط على الخريطة؛ بل تحوّل إلى منطقة مهجورة يحدث فيها معظم الاحتكاك حتى بعد إعلان وقف إطلاق النار.

في ظل هذا الواقع، تستمر منظومة الصحة المنهارة أصلاً في التدهور، كما أفاد به نير حسون في “هآرتس” الأسبوع الماضي.

الأطباء يعملون بمعدات ناقصة، وأدوية منتهية الصلاحية، وحجم لا يُحتمل من مصابي الحرب والأمراض المهملة، في كثير من الأحيان لا يستطيعون فعل شيء، بحسب اليونيسف، 4,000 طفل ينتظرون إخلاءً طبياً عاجلاً إلى خارج القطاع لتلقي علاج منقذ للحياة. فعلياً، يكاد لا يغادر أحد.

حتى خلال وقف إطلاق النار يستمر النقص في المعدات الطبية، وآلاف الأطفال المرضى ينتظرون الإخلاء من القطاع.

إلى جانب ذلك، عملية إعادة الإعمار التي كان يفترض أن تبدأ لم تقترب حتى من نقطة الانطلاق، لا أحد من الأطراف الخارجية، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة، يعرف ما إذا كان سيدخل إلى القطاع قوة دولية، إن حصل ذلك أصلاً. في واشنطن لا يمارس الرئيس دونالد ترامب ضغطاً حقيقياً، وفي القاهرة لا تتقدم المحادثات حول “المرحلة الثانية”، كما أُفيد في “هآرتس”.

الأسئلة ذاتها التي تخيّم فوق غزة منذ أشهر تبقى بلا إجابة: هل تنوي إسرائيل الانسحاب، ومتى؛ هل سيُطلب من حماس تسليم سلاحها، ولمن، وبأي طريقة؛ من سيحكم القطاع فعلياً في اليوم التالي؛ ما هو تفويض القوة الدولية إن دخلت؛ وحتى ذلك الحين، من سيهتم بالخيام لعشرات آلاف العائلات، بالمباني البديلة، بتنظيم الحياة اليومية؟ من سيدخل المعدات الثقيلة لرفع الركام والعثور على آلاف الجثث تحت الأنقاض؟

تشير الأجواء على الأرض إلى أن الأرقام فقدت بالفعل كل قدرة على وصف حجم الانهيار، منذ يوم الجمعة الماضي أُضيفت 299 اسماً إلى القائمة، ليسوا ضحايا جدد، بل أشخاصاً سمحت البيروقراطية فقط الآن باستكمال بياناتهم، من المتوقع أن تُضاف أسماء كل يوم بهذه الطريقة، لكن هذا الرقم المتزايد لا يحرّك أي مسار سياسي، لا يسرّع قرارات، لا يقرّب تفاهمات، إنه يُسجَّل فقط، ومن المعروف أنه سيتحدّث من جديد، مرة بعد مرة.

يبدو أنه طالما بقي الميدان بلا سلطة مستقرة، بلا أفق لإعادة الإعمار وبلا خطة سياسية حقيقية، فلا عجب أن الموت أصبح رقماً فقط. 71 ألفاً، 72 ألفاً، وربما 80 ألفاً، طالما بقيت الأسئلة الكبرى حول مستقبل القطاع بلا إجابة، ستستمر الأرقام في الارتفاع، ولن تنجح في هزّ الواقع أو تغيير أي شيء لأولئك الذين ما زالوا يحاولون النجاة بين “الخط الأصفر” وبين ما تبقى لهم من حياة.

جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2025