سياسة الجثامين كأداة هيمنة استعمارية

عمار الزبن

باحث في مركز حضارات

‏على خلفية تعامل الاحتلال مع قضية  الجثامين ، ورؤية الفارق الكبير بين تعامله مع جثامين الأسرى الإسرائيليين ‏في قطاع غزة وبين جثامين الشهداء الفلسطينيين يظهر بوضوح الاستنتاج التالي:


تعامُل الاحتلال الإسرائيلي مع ملف الجثامين – سواء جثامين الشهداء الفلسطينيين أو حتى جثامين المخطوفين الإسرائيليين – يكشف عن بنية استعمارية عميقة تتجاوز منطق "الأمن" إلى منطق الهيمنة والسيطرة.


فالمشهد الذي يعرضه الخبر حول استعداد إسرائيل لاستلام "معلومات" أو "عينات" من غزة، ومحاولاتها استرداد جثث قتلاها، يذكّرنا مباشرة بالسلوك الإسرائيلي الذي طالما استخدم حجز جثامين الشهداء الفلسطينيين كورقة تفاوضية، أو عقابية، أو حتى انتقامية.


لا يمكن فصل هذا السلوك عن قاعدة راسخة في أداء الاحتلال:

تحويل الجسد الفلسطيني إلى موضوع سيطرة.

الجسد هنا – سواء حيًّا أو ميتًا – يصبح مادة للابتزاز، للعقاب الجماعي، ولخلق شعور دائم بانعدام السيادة لدى الفلسطيني.


ومقابل هذا، يظهر مشهد آخر:

المقاومة تنجح في كسر احتكار إسرائيل للجسد، وتحوّل الجثمان ذاته إلى ورقة سياسية قادرة على الضغط، وهو ما أثبتته تجارب تبادل الأسرى منذ انتفاضة الأقصى وصولًا إلى ما بعد 7 أكتوبر.


في المقابل، تعامل إسرائيل مع جثامين قتلاها داخل غزة يُظهر مفارقة صارخة:

ما تعتبره إسرائيل "حقًا مقدسًا" لجنودها، ترفضه تمامًا عندما يتعلق الأمر بالفلسطينيين.

هي تُطالب بإعادة جثث رن غويلي وثوثيتساك رينتلاك، لكنها تحتجز منذ سنوات طويلة جثامين مئات الشهداء في "مقابر الأرقام"، وتمنع من دفنهم أو معرفة أماكنهم.


هذه الازدواجية ليست هامشية، بل هي جوهر المشروع الاستعماري:

الاحتلال يمنح نفسه ما ينكره على الآخر، ويحوّل الجثمان الفلسطيني إلى وسيلة لإدامة الإخضاع والاستعمار

جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2025