هآرتس
كسينيا سفتلوفا
ترجمة حضارات
أثناء انتظار ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، مبعوثَي رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب، للقاء مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو، حرص المضيفون على استغلال وقتهم، تأخر الاجتماع لعدة ساعات، فحصل الضيفان الأميركيان على جولة خاصة في أنحاء العاصمة الروسية، ثم زارا وسط المدينة واستمتعا بأطباق من المطبخ الروسي في مطعم فاخر.
في الوقت نفسه، أعلن بوتين، الذي ألقى خطاباً في منتدى "روسيا تنادي" المالي، أن بلاده مستعدة لمواجهة مسلحة مع أوروبا، وتعهّد بالانتقام من أوكرانيا بعد هجومها على ناقلات نفط روسية، قال: "نحن لا ننوي القتال ضد أوروبا، وقد قلت ذلك مئة مرة، لكن إذا رغبت أوروبا فجأة في القتال فنحن مستعدون".
في خطابه المتشدد، لمح بوتين إلى إمكانية استخدام أسلحة أخطر بكثير مما يستخدمه الجيش الروسي حالياً في أوكرانيا، وبأسلوبه الساخر المعتاد، قال إن روسيا "تعمل في أوكرانيا بشكل جراحي وحذر، لكن إذا رغبت أوروبا في حرب حقيقية، فهذا ما ستحصل عليه"، وجدير بالذكر أن عشرات المدنيين الأبرياء يُقتلون أسبوعياً في أوكرانيا نتيجة القصف الروسي العشوائي، بما في ذلك على تجمعات سكانية بعيدة مئات الكيلومترات عن الجبهة، وعن الهجوم الأوكراني على ناقلات النفط الروسية، تعهّد بوتين "بقطع أوكرانيا عن البحر"، لكنه لم يوضح كيف سينفذ ذلك، خاصة أن الأسطول الروسي في البحر الأسود تعرّض لضربات قاسية منذ بداية الغزو الواسع في فبراير 2022.
في موازاة ذلك، يبرز السؤال المهم: أي خطة عرضاها ويتكوف وكوشنر على بوتين في موسكو؟
التقى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في بداية الأسبوع بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي وعد بمواصلة الدعم العسكري الأوروبي، وفي عواصم أوروبية أخرى، لم يرتدع القادة لا من التهديد الروسي ولا من الضغط الأميركي، ويواصل هؤلاء العمل الدبلوماسي المكثف على خطة سلام من 19 نقطة وهي عملياً إعادة صياغة منقحة للخطة الروسية ذات الـ28 نقطة المنشورة قبل أسبوعين، مع تأكيد استمرار الدعم العسكري لكييف، ولا يزال من غير الواضح كيف ستعالج هذه الخطة مسألة الضمانات الأمنية لأوكرانيا، وهي قضية أساسية بالنسبة لقيادة كييف.
ومع ذلك، هناك فجوات شاسعة بين الخطتين: فالخطة الروسية تطالب كييف بتنازلات إقليمية واسعة وتفرض قيوداً على الدول الأوروبية بشأن نشر قوات أميركية على أراضيها، بينما الصيغة الأوروبيةةالأوكرانية أكثر اعتدالاً ولا تتضمن مطلب "نزع النازية" أو التنازل عن أراضٍ لم تحتلها روسيا، لكنها ضمّتها بشكل غير قانوني.
بحسب تسجيل نُشر في وكالة بلومبرغ، يظهر فيه ويتكوف وهو يقدّم لمساعدي بوتين نصائح حول كيفية "مناورة" ترامب ليقبل المقترحات الروسية، يمكن الاستنتاج بأنه لا يسعى فعلياً لترويج المقترحات الأميركية أو الأوروبية أو الأوكرانية، يبدو أنه يعمل على تليين المواقف بحيث تُقبل المطالب الروسية في واشنطن.
أوروبا قد تواجه خياراً صعباً: الاستمرار في دعم أوكرانيا من دون الغطاء الأميركي أو إجبار زيلينسكي، على قبول اتفاق ستكون له عواقب مدمرة
ترامب يتحرك على مسارين لدفع رؤيته للسلام. أحد المسارات في موسكو، يهدف لإنهاء الحرب بطريقة ملائمة لروسيا، وحتى الآن، ترفض موسكو التنازل عن مطالبها الأساسية: السيطرة الكاملة على أراضي دونباس شرق أوكرانيا، فرض "نزع النازية"، وفرض قيود على القوات المسلحة الأوكرانية، المسار الثاني يشمل وزير الخارجية ماركو روبيو ومجموعة من كبار أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين، الذين ينسقون باستمرار مع زيلينسكي، ويتولى الرئيس الأوكراني إطلاع القادة الأوروبيين، ماكرون، المستشار الألماني ميرتس، ورئيس الوزراء البريطاني ستارمر، على المستجدات.
يدعم هؤلاء القادة زيلينسكي دعماً كاملاً، لكنهم يدركون أن ترامب قد يصل إلى نقطة ضغط قصوى، يدفع فيها باتجاه اتفاق يفرض على أوكرانيا عملياً التخلي عن سيادتها، في هذه الحالة، ستكون أوروبا أمام خيارين: إما الاستمرار في دعم أوكرانيا دون الولايات المتحدة، أو الضغط على زيلينسكي لقبول الاتفاق وتحمل نتائجه الخطيرة.
أوكرانيا منهكة لكن روسيا أيضاً في وضع صعب
حاولت الدعاية الروسية في الأيام الأخيرة إقناع العالم بأن أوكرانيا خسرت فعلياً الحرب، وأن الإنجازات الكبيرة التي يزعمون تحقيقها قرب مدينة بوكروفسك تعني أن على زيلينسكي قبول الاتفاق المطروح، وإلا فسيخسر السيطرة على تلك المناطق قريباً، لكن التدقيق في وضع الجبهات يظهر أن "الإنجازات الروسية" متواضعة جداً، وأن وتيرة التقدم الروسي في المنطقة أبطأ بكثير مما كانت عليه في مثل هذا الوقت من العام الماضي.
أبلغ قادة الجيش الروسي بوتين هذا الأسبوع بأنهم سيطروا على بوكروفسك وكوبيناسك في منطقة خاركيف شمال شرقي أوكرانيا، لكن المعارك ما زالت دائرة بقوة في محيط البلدتين، وحتى إذا سيطرت روسيا عليهما، فسيكون من الصعب اعتبار ذلك نجاحاً بعد نحو أربع سنوات من الحرب، ومئات الآلاف من القتلى والجرحى الروس.
تعاني أوكرانيا اليوم من مشاكل كبيرة، خصوصاً في مجال التجنيد، كما تهزها فضيحة فساد ضخمة أطاحت بمدير مكتب زيلينسكي أندريه يرماك، لكن الوضع في روسيا ليس أفضل: فالعقوبات الأميركية الجديدة أضرت بعائدات النفط الروسية بشكل كبير، والعقوبات الثانوية تجعل من الصعب على الدول التي كانت تستورد النفط والغاز الروسي مواصلة ذلك، ولا يملك بوتين جيشاً إضافياً أو أسلحة متطورة أو موارد مالية غير محدودة لتمويل الحرب، وربما يكون الضغط الشديد عليه سبب توتره ومحاولات مساعديه لكسب الوقت، وتمرير اتفاق بمطالب قصوى يستحيل أن يقبله الأوكرانيون أو الأوروبيون.
تواصل روسيا توسيع دائرة التهديدات لإرسال رسالة واضحة لترامب: إذا لم تقبل مطالبنا فقد تندلع حرب جديدة في أوروبا، والهدف أيضاً ردع الأوروبيين الذين، بحسب بوتين، يقفون في طريق "السلام" الذي يسعى ترامب إلى تحقيقه، الأوروبيون على الأرجح لن يرتدعوا، لكن ترامب قد يتفاعل بطريقة مختلفة تماماً، والتجربة تشير إلى أنه قد يمارس ضغطاً إضافياً على أوكرانيا، ويبقى أن نرى الطريقة التي سيصوغ بها المبعوثان الأميركيان هذه الرسالة عند عودتهما من موسكو.