يوم الاثنين بُثّ على القناة 12 مقابلة أجراها ألموغ بوكر مع الناجي من الأسر ألون أهَل، وهي جزء من فيلم يوثّق مسار علاجه منذ عودته قبل شهر ونصف، وصف أَهَل في المقابلة ظروف الأسر المروّعة التي وصفها أيضاً الأسرى المحررون السابقون، وعلى رأسهم إيلي شرعبي الذي كان بمثابة والده بالتبنّي في أنفاق حماس: ضوضاء تطغى على أي إحساس آخر، تقييد بالسلاسل، آلام، وتجريد كامل من الإنسانية. قال: "هناك أنت لست إنساناً، أنت حيوان".
روى أَهَل عن المرة الأولى التي شاهد فيها النضال من أجل إطلاق سراحه وسراح بقية الرهائن، وذكر مقدار ما ساعده ذلك على الصمود: "في إحدى المرات فتحوا اللابتوب على صورة لامرأة ومعها بيانو في الخلفية، وفجأة فهمت أن فعلاً، أشخاصاً لا أعرفهم يرفعون صوري، يناضلون من أجلي، وهذا زادني قوة، قلت لنفسي: لا يمكن أن أستسلم، إذا كان أشخاص لا أعرفهم يخرجون إلى الشوارع ويرفعون لافتات تحمل صورتي، فمن أكون؟ كيف يمكن أن أفكر بالاستسلام ولو للحظة؟ هذا غير وارد"، وردّ بوكر قائلاً: "لم نفهم كم كانت هذه الاحتجاجات مهمة لكم".
من لم يفهم؟ فمنذ اللحظة التي بدأ فيها الرهائن المحررون يعودون ويتحدثون للإعلام، أكدوا مدى أهمية معرفتهم بأن الناس لا يتخلون عنهم، وأن النضال المتواصل يبقيهم بعيدين عن اليأس والرغبة في التخلي عن الحياة، وحتى في الفترات التي لم يكن لديهم فيها اتصال بالإعلام، كانت العائلات تكرر مدى قوة الاحتجاجات بالنسبة لهم، ومدى عزائها لهم أن هناك من يقف معهم كل أسبوع، تظاهرة بعد أخرى، ويمنحهم القدرة على الاستمرار، فكيف يمكن "عدم فهم مدى أهمية ذلك"؟
يمكن ذلك، إذا لم يكن المرء يريد الفهم، لأن إدراك أهمية المظاهرات من أجل صفقة لإطلاق سراح الرهائن من شأنه أن يضر بصورة العالم القائلة إنه "لا يوجد أبرياء في غزة"، بالفعل، في المقابلة نفسها، حين عاد أَهَل إلى يوم اختطافه ووصف "جموعاً هائلة من الناس يضربونك"، أكمل بوكر كلامه قائلاً: "ما يسمى "غير متورطين"، ابتسم أَهَل ابتسامة مرتبكة وردّ: "الجميع هناك متورّط". وهذه حجة يمكن تفهّمها من شخص نجا من الأسر، تماماً كما يمكن لِناجٍ من المحرقة أن يكره كل الألمان جيلاً بعد جيل، لكن بوكر ليس في مكان كهذا.
بوكر، ككثير من الإسرائيليين، اعتنق منطقاً بسيطاً: كل سكّان غزة مخربون؛ وإذا كانوا جميعاً مخربين، فمع كل الاحترام للرهائن يجب إكمال المهمّة والقضاء عليهم جميعاً، لذلك ضخّم بوكر خطاباً عسكرياً عدوانياً، وكرّر مراراً أن استخدام القوة العسكرية القاسية هو الرد الصحيح على المجزرة والطريقة الوحيدة لإعادة الرهائن. ولهذا، في اليوم نفسه الذي عادت فيه المجندات المراقِبات ضمن صفقة يناير، سارع بوكر إلى تبريد الاحتفال بالدعوة لاستئناف القتال وإبادة حماس، رغم معرفته بأن هناك رهائن أحياء في القطاع، وأن استئناف القتال سيعرّض حياتهم للخطر.
هذه النظرة هي التي هيمنت على التيار المركزي في إسرائيل طوال الحرب، وهي إحدى الأسباب المركزية لإطالة أمد الحرب إلى هذا الحد؛ ولقتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين، وبينهم كثير من المدنيين؛ ولترك الرهائن يتعفّنون في الأنفاق أشهر طويلة. لذلك، عندما وصف أَهَل في المقابلة نفسها أصوات الصواريخ التي سقطت قرب مكان احتجازه، وقال: "أنا فعلاً خائف من جيشي، من الجيش الذي كان من المفترض أن يحميني"، لم يكن لدى بوكر ما يقوله، فهو نفسه من حرّض الجيش على تخويف أَهَل وبقية الأسرى، فهناك دائماً مزيد من "غير المتورطين" لقتلهم، بشكل شبه يومي منذ إعلان وقف إطلاق النار.