احتمالات حرب إسرائيلية على لبنان في سياق نزع سلاح حزب الله

حضارات

مؤسسة حضارات

د.سليم سليمان و أ. عمار الزبن


احتمالات حرب إسرائيلية على لبنان في سياق نزع سلاح حزب الله

تقدير موقف تحليلي (موسّع) وتداعياتها على غزة وساحات الإقليم

إعداد مركز حضارات: د.سليم سليمان ، أ.عمار الزبن

أولاً: صورة المشهد العام

1. تصعيد متدرّج نحو معركة "نزع السلاح"

يؤكد مسؤول عسكري إسرائيلي لصحيفة "إسرائيل هيوم" أن إسرائيل وحدها قادرة على نزع سلاح حماس في غزة وحزب الله في لبنان، في إشارة واضحة لرفض تدويل هذا الملف، وتفضيل الحسم العسكري المباشر.

قناة "كان" تتحدث عن بدء الجيش التحضير لـ"هجمات واسعة النطاق" على لبنان في المستقبل القريب، ما يعني أن العمل لا يزال في مرحلة الإعداد العملياتي، لكنه بات خياراً مطروحاً عملياً.

2. تحوّل غزة ولبنان إلى ملف واحد في العقل الأمني الإسرائيلي،

تنقل هيئة البث عن مسؤولين أمنيين أن إسرائيل تفكر بالفعل في استئناف القتال واحتلال غزة بالكامل، وأن النقاش يدور بين استمرار الخطة الأميركية (قوة دولية/ترتيبات ما بعد الحرب) وبين العودة لحرب شاملة.

هذا الربط بين غزة ولبنان في الخطاب العسكري الإسرائيلي، يعكس رؤية تعتبر المعركتين جزءاً من جبهة واحدة ضد إيران ومحور المقاومة، تحت عنوان: "نزع سلاح حماس وحزب الله".

3. اغتيال الطباطبائي كعامل مغير لقواعد اللعبة

اغتيال هيثم علي الطباطبائي، قائد الجناح العسكري ورئيس أركان حزب الله، في غارة إسرائيلية على بيروت، مثّل ضربة نوعية للتنظيم، إذ كان مسؤولاً عن إعادة بناء قوة الحزب بعد حرب 2023–2024، وقائداً سابقاً لـ"قوة الرضوان" ووحدة 3800 العابرة للساحات.

هذا الاغتيال بعد وقف إطلاق النار يمهّد لمرحلة "ما بعد التهدئة"، حيث تستخدم إسرائيل الهدوء النسبي للتحضير لجولة جديدة بشروطها.

ثانياً: المؤشرات الميدانية على نية توسيع الحرب

4. التحضير لهجوم واسع على لبنان

تقارير صحفية عربية وأجنبية تتحدث عن جاهزية عالية جداً للجيش الإسرائيلي على الجبهة الشمالية، ومناورات متعددة الفرق في الشمال والضفة، مع توصيف داخل الأركان بأن الجيش في حالة استعداد "وكأن الحرب قد تندلع غداً".

إسرائيل تواصل الغارات شبه اليومية على أهداف في لبنان رغم اتفاق وقف إطلاق النار، بذريعة منع إعادة تأهيل قدرات حزب الله و"تهيئة ساحة المعركة المستقبلية".

5. الضغط على الجيش اللبناني بمهلة زمنية

2 / 6

تشير تقارير لمراكز أبحاث غربية وإسرائيلية إلى أن إسرائيل أوصلت عبر الولايات المتحدة رسالة للبنان مفادها: إذا لم يتخذ الجيش اللبناني خطوات ملموسة لنزع سلاح حزب الله أو تقليصه جنوباً قبل نهاية 31/12/2025، فستوسع إسرائيل عملياتها العسكرية.

6. الحديث عن احتلال كامل لغزة

تسريبات هيئة البث تتحدث عن نقاش إسرائيلي جدي حول احتلال غزة بالكامل، خصوصاً بعد نزع ورقة الأسرى من يد المقاومة. هذا النقاش يعني أن خيار "إعادة الاحتلال" لم يعد محرّماً في التفكير الاستراتيجي، بل يُطرح كحل جذري إذا فشل مسار القوة الدولية والخطة الأميركية لما بعد الحرب.




ثالثاً: الدور الأميركي – ضبط المحور دون كسر إسرائيل

7. زيارة توم براك لبغداد: رسالة ردع متعددة الاتجاهات

بحسب "العربي الجديد" و"الحدث"، حمل المبعوث الأميركي إلى سوريا، توم براك، إلى بغداد عدة رسائل:

أ. كبح فصائل المقاومة العراقية، ووقف الدعم المالي والعسكري لحزب الله.

ب. الإصرار على أن يبقى العراق خارج أي تصعيد مقبل في لبنان.

ج. مطالبة بغداد بلعب "دور إيجابي" في الحفاظ على استقرار سوريا، أي منع تحويلها إلى منصة إضافية للرد الإيراني أو رد حزب الله على ضربة واجبة ضدّه.

د. تحذير واضح من عملية إسرائيلية قريبة ضد حزب الله، وأن أي تدخل عراقي سيُواجَه بردود إسرائيلية قاسية على الأراضي العراقية.

8. استراتيجية واشنطن: تفكيك الجبهات لا تفجيرها

تسعى واشنطن إلى تحقيق معادلة دقيقة:

السماح لإسرائيل بهامش واسع من العمل ضد حزب الله، تحت سقف الحرب المحدودة.

منع تحوّل المعركة إلى حرب إقليمية تشمل العراق وسوريا واليمن والخليج.

زيارة أور تاغوس، ووفد مجلس الأمن، وتحرك الفاتيكان، وزيارة وزير الخارجية القطري، كلها إشارات إلى أن واشنطن تدير حالياً "غرفة عمليات دبلوماسية" لتطويق التصعيد إن وقع، أو لتقنينه سياسياً منذ لحظته الأولى.

رابعاً: إيران، حزب الله، والجبهات المتصلة (سوريا – اليمن – الخارج)

9. إيران في سباق تسلّح استباقاً لهجوم محتمل

يحذّر مصدر أمني إسرائيلي لهيئة البث من أن إيران تسرّع وتيرة التسليح استعداداً لهجوم إسرائيلي محتمل، من خلال:

إعادة تسليح الحوثيين في اليمن.

تهريب أسلحة للضفة الغربية.

تعزيز تسليح حزب الله والتنظيمات في سوريا.

3 / 6

تقارير من اليمن عن إعادة تموضع قائد فيلق القدس عبد الرضا شهلايي في صنعاء، وعودة مستشارين من الحرس الثوري وحزب الله، تؤشر إلى رغبة إيرانية في استعادة نفوذها هناك كورقة رد إضافية.

10. خيارات رد حزب الله بعد اغتيال الطباطبائي

نعيم قاسم أكد "حق الرد" وترك الغموض في توقيته وطبيعته، ما يفتح ثلاث دوائر محتملة:

أ. رد مباشر من لبنان:

ضرب محدود لكن محسوب، مع إدراك الحزب أن ضرب الشمال الإسرائيلي بقوة سيمنح تل أبيب ذريعة لحرب واسعة قد تُضعف الحزب ولبنان معاً.

ب. رد عبر ساحات وسيطة:

· عمليات أو تسخين في سوريا (كما في حادثة بيت جن)،

· استخدام الحوثيين لتنفيذ ضربات استعراضية ضد مصالح إسرائيل أو حلفائها في البحر الأحمر أو مناطق أخرى.

ج. رد خارجي:

عمليات ضد أهداف إسرائيلية أو يهودية حول العالم، مع الحرص على نفي مباشر أو ترك بصمات ضبابية، ما يصعّب على إسرائيل تبرير حرب شاملة على لبنان.

11. البنية القيادية للحزب بعد الاغتيال

كان الطباطبائي من أهم العقول العملانية في الحزب، ومسؤولاً عن إعادة بناء القوة في جنوب لبنان بعد حرب 2023–2024، وتنسيق نشاطات في سوريا واليمن والعراق. اغتياله يربك منظومة القيادة لكنه لا يشلّها، إذ يمتلك الحزب طبقة قيادية ثانية مؤهلة، لكنه سيحتاج وقتاً لإعادة ترتيب ملفات العمليات الخاصة ووحدات النخبة.

خامساً: المزاج الداخلي الإسرائيلي – قابلية المجتمع للحرب

12. خريطة المخاوف الأمنية في الوعي اليهودي الإسرائيلي

أرقام الاستطلاع الذي نقله معهد أبحاث الأمن القومي توضح أن:

77% يعتبرون الضفة الغربية مصدر القلق الأمني الأبرز.

74% يقولون إن إيران تهديد مركزي.

65% يضعون غزة ضمن مصادر القلق.

64% يرون لبنان تهديداً.

37% يذكرون اليمن، و28% سوريا.

هذه الأرقام تكشف تصوراً إسرائيلياً لـ"طوق تهديد" متعدد الطبقات حول الكيان، وتبرّر في العقل الأمني والسياسي فكرة "حرب استباقية" لإزالة أو خفض أحد هذه التهديدات (حزب الله مثلاً) في توقيت مختار.

13. تأييد ملحوظ لحرب جديدة على لبنان

حوالي 12% يؤيدون حرباً محدودة على لبنان بسبب الوضع الأمني في الشمال، و46.5% يؤيدون حرباً شديدة تشمل اجتياحاً برياً. هذا يعني أن حوالي ثلثي الجمهور اليهودي مستعدون لدعم نوع من الحرب على لبنان (محدودة أو شديدة)، بينما يرى 13% أن الوضع الحالي يوفر الأمن، و28.5% لا رأي لهم.

4 / 6

في ظل هذا المزاج، لا تواجه القيادة الإسرائيلية حائط رفض شعبي إذا قررت شن عملية واسعة على لبنان، خاصة إذا رُوِّج لها كحرب لـ"إزالة التهديد من الشمال" واستعادة الاستقرار لمستوطنات الجليل وكريات شمونة والمطلة وغيرها.

14. تعب من حرب غزة ورغبة في حسم الملفات

أظهرت استطلاعات INSS خلال 2025:

رغبة أغلبية في إنهاء الحرب في غزة.

تآكل الثقة بتحقيق أهدافها بالكامل.

انقساماً حول احتلال غزة أو إدارتها عسكرياً.

هذا يدفع بعض دوائر صنع القرار للتفكير في "نقل مركز الحسم" إلى الجبهة الشمالية؛ أي حسم التهديد الأشد (حزب الله) تحت غطاء الاغتيال الأخير، مع البحث عن صيغة أقل كلفة لإغلاق ملف غزة (قوة دولية، نزع سلاح مشروط، أو إعادة هندسة الوضع السياسي فيها).

سادساً: أهداف إسرائيل الاستراتيجية في هذه المرحلة

15. نزع السلاح كعنوان، وإعادة تشكيل الإقليم كجوهر

من خلال الحديث عن نزع سلاح حماس وحزب الله، تسعى إسرائيل إلى:

ترميم الردع بعد ضربات 7 أكتوبر وحروب غزة ولبنان 2023–2024،

إضعاف اليد العسكرية لإيران في الإقليم (حزب الله + الحوثيين + الفصائل العراقية والسورية)، بحيث تصبح أي مواجهة مباشرة مع إيران أقل كلفة لإسرائيل مستقبلاً.

فرض نموذج مفاده: "نزع السلاح مقابل إعادة الإعمار والشرعية الدولية" في غزة أولاً، ثم محاولة إسقاطه على لبنان.

16. "هروب نتنياهو إلى الأمام" عبر "حرب الحسم"

إقرار قانون إعفاء الحريديم من التجنيد، وتسريع العمل على تعديل قوانين تأجيل محاكمته، واتصاله بترامب، وطلبه العفو من هرتسوغ، وتكثيف الحراك الأمني–السياسي، والتحضير لميزانية 2026، توحي بأن نتنياهو يرى في هذه المرحلة فرصة لإعادة صياغة إرثه: من زعيم متهم بالفساد إلى زعيم "خاض حرباً كبرى ضد حزب الله وحماس وإيران"، مع الأمل في أن يؤدي ذلك إلى تحسين موقعه السياسي قبل أي انتخابات أو انهيار ائتلافه.

لكن هذا الرهان محفوف بالمخاطر؛ فأي فشل أو تعثّر في حرب لبنان سيعجّل بتفكك مستقبله السياسي كلياً، ويقوّي جبهة المطالبة بلجان تحقيق شاملة في 7 أكتوبر وكل ما تلاه.

سابعاً: القيود والمخاطر على قرار الحرب

17. القدرة العسكرية مقابل الاستنزاف

الجيش الإسرائيلي في جاهزية عالية، لكنه منهك من:

حرب طويلة ومكلفة في غزة.

5 / 6

عمليات مستمرة في لبنان.

تصاعد عمليات في الضفة (مثل عملية طوباس الأخيرة واسعة النطاق).

في المقابل، خسر حزب الله قادة كباراً وصواريخ وبنية تحتية، لكنه ما زال يمتلك مخزوناً صاروخياً كبيراً وقدرات قتالية متمركزة خارج الجنوب التقليدي، ما يجعل أي حرب جديدة مكلفة لإسرائيل داخلياً.

18. هشاشة الجبهة الداخلية في الشمال

استمرار نزوح السكان من الشمال، وتضرر البنية الاقتصادية والزراعية، يعني أن الحرب قد تُستقبل بداية كفرصة "لإنهاء المعاناة"، لكن طول أمدها واتساع رقعة الاستهداف سيحوّلان التأييد إلى غضب وضغط على الحكومة.

19. الضغط الدولي ومعضلة الشرعية

تقارير أممية عن استمرار مقتل المدنيين في لبنان منذ وقف إطلاق النار في 2024، واتهامات بانتهاك القانون الدولي، تجعل أي حرب جديدة تُفتتح من موقع اتهام مسبق لإسرائيل.

وجود وفد من مجلس الأمن، وحراك أوروبي وفاتيكاني وقطري، يعني أن "نافذة الشرعية الدولية" أمام إسرائيل ستكون ضيقة زمنياً، ما يقيد مدى وعمق العملية قبل أن تتحول إلى عبء سياسي على حلفائها.

ثامناً: السيناريوهات المتوقعة (قصير – متوسط الأمد)

السيناريو الأول: تصعيد محسوب تحت سقف عدم الحرب الشاملة (مرجَّح جزئياً)

استمرار سياسة الاغتيالات والغارات المحدودة ضد كوادر حزب الله ومستودعات السلاح في لبنان وسوريا.

إبقاء حزب الله في هامش "الصبر الاستراتيجي" دون رد كبير. تكثيف الضغط الأميركي على لبنان والعراق وسوريا واليمن لفصل هذه الجبهات عن بعضها ومنع "تأثير الدومينو".

السيناريو الثاني: حملة جوية واسعة على لبنان دون اجتياح بري كبير (خطر واقعي)

استثمار اغتيال الطباطبائي وتوتر الشمال واستطلاعات الرأي لتبرير عملية واسعة تهدف إلى:

ضرب بنية الصواريخ متوسطة وبعيدة المدى.

تدمير مخازن ومراكز قيادة.

توجيه رسائل ردع لإيران وحلفائها.

يرد حزب الله بصواريخ كثيفة تصل إلى الوسط وربما أبعد، مع احتمال دخول الحوثيين على خط المواجهة عبر البحر الأحمر. وتتدخل واشنطن منذ البداية لضبط المدى الزمني والعمق الناري للعملية.

السيناريو الثالث: حرب متعددة الجبهات (أقل احتمالاً لكن الأكثر كلفة)

عملية إسرائيلية واسعة في لبنان، متزامنة مع استئناف حرب كبيرة في غزة، وتوسّع عمليات في الضفة، وربما هجوم على إيران أو أهداف إيرانية.

في المقابل، دخول الفصائل العراقية والحوثيين بشكل أكثر علنية، وتصاعد عمليات في سوريا، وهجمات ضد أهداف إسرائيلية في الخارج، يعني انتقال الصراع من مرحلة "إدارة التوتر" إلى "صراع إقليمي مفتوح"، وهو ما تحاول واشنطن تجنّبه، لكن سلسلة حسابات خاطئة من أي طرف قد تدفع نحو هذا المنحدر.

6 / 6

تاسعاً: تقدير مرجَّح وخلاصات عملية (الأسابيع – الأشهر القليلة المقبلة)

التقدير المرجّح الآن هو استمرار سياسة "حافة الهاوية":

تصعيد محسوب في لبنان وسوريا.

تهديدات جدية بحرب واسعة.

ضغوط أميركية مكثفة لعزل العراق واليمن وسوريا عن أي مواجهة شاملة.

قرار الحرب الكبرى على لبنان سيتوقف على ثلاثة عوامل حاسمة:

1. شكل رد حزب الله على اغتيال الطباطبائي: هل يكون محدوداً ورمزياً، أم نوعياً وواسعاً؟

2. مدى تجاوب الجيش اللبناني – مع المطالب الأميركية – بشأن تقليص حضور حزب الله جنوباً.

3. حسابات نتنياهو الداخلية: موقعه القضائي، تماسك ائتلافه، وموازنة الكلفة/الفائدة من حرب قد تغيّر مستقبله السياسي كلياً.

في المحصلة، تتجه المنطقة نحو لحظة مفصلية: إسرائيل تسعى لاستثمار تفوقها العسكري وغطائها الأميركي لحسم ملفات غزة ولبنان، فيما يحاول محور المقاومة وإيران تثبيت قواعد ردع جديدة بعد الاغتيالات، المسافة بين الحرب الشاملة والردع المتبادل ستُحسم بتفاصيل الرد المقبل لحزب الله، وبقدرة واشنطن على كبح اندفاعة تل أبيب نحو مواجهة قد لا يمكن السيطرة على مآلاتها.

جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2025