هآرتس
جاكي خوري
ترجمة حضارات
إن الإعلان أمس (الخميس) عن وفاة ياسر أبو شباب ليس مجرد حدث أمني محلي في قطاع غزة، إنه يعيد مرة أخرى كشف الفجوة الهائلة بين الرواية التي تحاول إسرائيل أن ترويها لنفسها وبين الواقع المعقد في غزة، من قُدّمَ في المنظومة الأمنية وفي الإعلام كأنه "بديل لحماس" أو "شخصية حكم ممكنة في اليوم التالي"، تبيّن أنه شخصية مثيرة للجدل حتى في نطاقه الضيق، محاط بخصوم في ظل كثرة القوى والقبائل والحسابات والتحالفات في المنطقة.
وفاة أبو شباب لم تفاجئ تقريبًا أحدًا في غزة، كثيرون أرادوا رؤيته يختفي من الساحة، بدءًا بمن تبقى من قيادة حماس، الذين رأوا فيه خطرًا على حكمهم أو على الأقل مصدر إزعاج، مرورًا بخصوم مسلحين شاركهم الأرض والنفوذ، وأبناء حمائل تضرروا منه ومن عائلته، وانتهاءً بشخصيات داخل قبيلته حملت لسنوات شعورًا بالعار من أفعاله، الرسائل التي تدفقت إلى الشبكات فور انتشار خبر وفاته أثبتت مدى كونه هدفًا مطلوبًا، كل طرف سارع لتبني رواية ما، أو نسب المسؤولية إليه، أو تبرئة نفسه. والخلاصة واضحة، لا توجد قوة قوية بما يكفي لحماية المتعاونين مع إسرائيل.
حتى قبيلته، الترابين، سارعت إلى التنصل منه بعد وفاته، في بيان نُسب إلى القبيلة جاء أنه مثّل "حقبة مظلمة"، وأن دمه "أغلق فصل العار"، كما التزموا في البيان بعدم السماح لأي فرد من القبيلة بالمشاركة في ميليشيات "تخدم الاحتلال"، لم يكن ذلك مجرد محاولة للانفصال عنه، بل إعلان نوايا اجتماعي – سياسي هدفه إيصال رسالة لكل غزة: هذا الرجل لم يكن منا، فلا تُحاسبونا على أفعاله.
في الميدان، وبحسب التقارير، فإن السبب المباشر لوفاته كان مواجهة بينه وبين عائلة أبو سنيمة، المعروفة بنشاطها الإجرامي.، اندلع إطلاق نار بعد أن رفض أبو شباب بغطرسة الإفراج عن أحد أبناء العائلة كان قد اعتقله، فتحوّل المكان كله إلى ساحة لتصفية الحسابات، الصورة التي تتضح هي أنه حول أبو شباب لم تتشكل قيادة، بل صراعات سيطرة.
وهنا تدخل إسرائيل في الصورة، على مدى سنوات، حاولت المؤسسة الإسرائيلية في الإعلام، وفي الجهاز الأمني، وفي الخطاب السياسي مرة بعد مرة "صناعة شركاء": شخصيات محلية تبدو قوية بما يكفي، ومهيمنة بما يكفي، والأهم مستعدة للحديث باللغة التي تحب الأذن الإسرائيلية سماعها، هكذا صُنعت "نجوم" للحظة، وهكذا كان ياسر أبو شباب في جنوب القطاع؛ تمامًا الشخصية التي يحبون في إسرائيل رسمها كشريك: مسلح لكنه متعاون، معارض لحماس وغير تابع للسلطة الفلسطينية، ويبدو كمن يستطيع "ترتيب الشارع"، لكن عمليًا كان مجرمًا اعتمد نفوذه فقط على الأماكن التي كانت إسرائيل تسيطر عليها ميدانيًا، خارج مناطق النفوذ الإسرائيلي لم يكن له قوة ولا شرعية ولا جمهور.
هذا النمط ليس جديدا، يكفي أن نسأل عناصر جيش لبنان الجنوبي الذين اعتمدوا على إسرائيل طوال عقدين، حتى انهارت الأرض تحت أقدامهم في ليلة واحدة، من يحصل على قوته من الخارج دون دعم داخلي زمنه محدود، إسرائيل مرة أخرى بنت وهمًا حول شخص مثّل حاجتها للعثور على "من يدير"، بدل أن تحترم الحاجة الفلسطينية الحقيقية لإيجاد قيادة.
وفاة أبو شباب درس مهم: القيادة لا تُولّد من إملاء إسرائيلي، ظاهريًا كان أبو شباب رجلًا قويًا، لكنه عمليًا كان حلقة ضعيفة اعتمدت على السلاح، وعلى الفوضى، وعلى اللعب المزدوج بين القوى المحلية وإسرائيل، أما غزة فليست مكانًا يمكن فرض قائد عليه من فوق وانتظار أن يقبله الناس، تاريخها أقوى من أي هندسة سياسية.