ترامب أوقف إسرائيل في لبنان وأجبرها على محاولة طريق دبلوماسي

هارتس

تسفي بَراِئيل

ترجمة حضارات

بعد التحذير اللاذع الذي وجهه دونالد ترامب لبنيامين نتنياهو رداً على العملية العسكرية التي تعقدت في بلدة بيت جِين على هضبة الجولان السورية، وأمره بأن "من المهم أن تقيم إسرائيل حوارًا حقيقيًا وثابتًا مع سوريا وأن لا يحدث شيء قد يعيق تطورها إلى دولة مزدهرة"، جاءت أمس (רביעי) أيضًا استعراض قوة من الولايات المتحدة على الجبهة اللبنانية، تعيين ممثل مجلس الأمن القومي أوري رزنِيك لرئاسة الوفد الإسرائيلي في لجنة الرقابة على تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، بالتوازي مع تعيين الديبلوماسي اللبناني المخضرم سيمون كَرِم لقيادة وفد لبنان، يشيران إلى اختراق دبلوماسي قد يبطئ وربما يجمّد السباق نحو تصعيد عسكري بين البلدين.

من منظور لبنان، هذا إجراء دبلوماسي مهم، إذ حتى الآن كانت قيادة الدولة وبزعامة الرئيس جوزيف عون، ترفض حتى إظهار مظهر ضئيل لإطار لإدارة مفاوضات سياسية يمكن أن تفسر كبداية مسار نحو تطبيع مع إسرائيل، مع أن عون تحدث في الأسابيع الأخيرة في كثير من الأحيان عن الحاجة إلى مفاوضات مع إسرائيل باعتبارها طريقًا لتسويات أمنية، إلا أنه تجنّب حتى لفظ مصطلح "مفاوضات مباشرة"، وحتى الآن، بعد تعيين كرم، حرص رئيس الحكومة نواف سلام على التأكيد أن "هذه ليست محادثات سلام، أي تطبيع سيكون مرتبطًا بعملية سلام شاملة، وما زال ذلك بعيد التحقيق". ومع ذلك أضاف أنه "هناك استعداد لمفاوضات ذات طابع فوق-عسكري".

سلام لم يفصل إن كانت لبنان ستكون مستعدة لمفاوضات محدودة سياسية أو لاتفاقيات اقتصادية كما ألمح نتنياهو، لكن من المهم النظر في سياق ذلك إلى ما قاله سيمون كرم في يوليو، في تجمع بجامعة القدّيس، اتهم الديبلوماسي البالغ 75 عامًا، وهو من أشد المعارضين لحزب الله، بأن "من قبلوا وقف إطلاق النار مع إسرائيل (في إشارة إلى حزب الله، ت. ب.) يطلقون الآن نارًا سياسية وأمنية كثيفة على الساحة الداخلية في لبنان، إنهم يهاجمون الدولة لأنها اعتمدت الخيار الدبلوماسي، وهو الخيار الوحيد الممكن بعد الكارثة (النكبة كما يسميها)، هاجموا الجيش لأنه غير قادر على حماية الدولة ومواطنيها، وهجموا على القوات الدولية لأنها تجتهد في تنفيذ قرارات الأمم المتحدة، كل هؤلاء خونة ومتآمرون... الاختيار الدبلوماسي يعني قبول التفاوض في ظل ميزان القوة الحالي، وهو السبيل الممكن الوحيد المتاح للبلاد".

موافقة لبنان على الدخول في مفاوضات ذات أبعاد سياسية وليست عسكرية فقط قُبلت بعد أن صار الخطر بتوسيع الحرب ملموسًا وفوريًا، وانضم إليه ضغط دبلوماسي كبير من الولايات المتحدة على لبنان، وضده مارست دول عربية، وخصوصًا السعودية ومصر وقطر، ضغطًا على واشنطن لتهدئة إسرائيل، ضغوط واشنطن بدأت قبل عدة أسابيع عندما أوضح المبعوث السابق توم باراك لقيادة لبنان أن "الولايات المتحدة لن تتدخل بعد الآن في حالة يسيطر فيها تنظيم "إرهابي" أجنبي (حزب الله) وتفشل الدولة (لبنان) وتفرض وتطلب مزيدًا من الموارد والمال والمساعدات".

تصريحاتُه فُسّرت على أنها منحت إسرائيل حرية عمل عسكرية بحسب رؤيتها، وانضم إلى ذلك قول سفير الولايات المتحدة لدى لبنان، ميشيل عيسى، في مقابلة مع ليزا روزوفسكي ("هارتس"، 29.11) إن "إسرائيل ليست بحاجة إلى موافقة الولايات المتحدة للدفاع عن نفسها".

ومع ذلك لباراك، الذي يصعب اتهامه بالمبالغة في الالتزام، ملاحظة واحدة إضافية: "إذا أراد اللبنانيون إجراء مفاوضات (مباشرة) مع إسرائيل، سنساعدكم. سنضغط على إسرائيل لتكون معقولة"، ربما الآن تأتي تفسيرات الولايات المتحدة لمفهوم "المعقول"، والتي بموجبها قد يُطلب من إسرائيل إيقاف النار طالما تستمر المفاوضات، وكذلك مناقشة الأمر بجدية حول مراحل الانسحاب من خمس نقاط سيطرت عليها في لبنان وعن ترسيم الحدود البرية.

هذا المسار سيتطلب مفاوضات موازية مع سوريا، التي تطالب بسيادة على مزرعة شبعا، الصخرة الأشد قابلية للاشتعال في ملف ترسيم الحدود. سلوك إسرائيل في الأيام المقبلة سيُظهر ما إذا كانت وافقت على التراجع عن مبدأ أن تكون المفاوضات تحت النار، وسيتعين على لبنان إظهار إصراره وقدرته على تطهير الجنوب من سلاح ومرافق حزب الله، أما بشأن نزع السلاح في شمال البلاد، فمن المرجح أن يمنح هذا الأمر فترة إضافية يحاول فيها الرئيس عون ورئيس الحكومة سلام الوصول إلى تفاهمات مع حزب الله.

في هذا السياق، كان من المهم تصريح سلام أن "المفاوضات غير المباشرة (مع إسرائيل) تجري تحت مظلة وطنية واضحة، هذا التحرك مُحصّن سياسيًا ويحظى بتوافق داخلي"، الخطاب العام والسياسي والإعلامي في لبنان فعلاً يدعم في معظمه الخطوة التي قررتها الحكومة، لكن لسلام كان من المهم قول ذلك بصوتٍ عالٍ يسمعه ليس فقط في الضاحية بل أيضًا في طهران، حزب الله، الذي تمسك بموقفه بعدم نزع سلاحه، أبقى مسألة المفاوضات غامضة.

أمينه العام نعيم قاسم لم يشر إليها مطلقًا في الرسالة العلنية التي أرسلها الشهر الماضي إلى الثلاثة القادة، عون وسلام ورئيس البرلمان وقائد حركة "أمل" نبيه بري، والتي فصّل فيها سياسة التنظيم.

اختبار تصرف حزب الله، الذي سبق وأقر اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل، لن يكون حول موافقته أو معارضته لإجراء المفاوضات؛ بل سيأتي عندما يبدأ الجيش اللبناني نشاطًا منهجيًا لجمع سلاحه في شمال لبنان وسهل البقاع، قبل هذه المرحلة، من المتوقع أن ترغب الولايات المتحدة في تزويد حكومة لبنان بذخيرة سياسية وسيادية، تسهّل عليها التوصل إلى تسويات مع حزب الله أو كسب الشرعية العامة في حال اضطرت لمواجهته.

هنا أيضًا ستُطلب من إسرائيل أن تمنح لبنان مكاسب سياسية، مثل الانسحاب من النقاط الخمس، وإعادة المحتجزين اللبنانيين لديها، والسماح بعودة آلاف المدنيين اللبنانيين، ومعظمهم من الشيعة، الذين فرّوا من قراهم جنوب لبنان ولم يعودوا بعد إلى بيوتهم، هذه الخطوة ضرورية أيضًا لتمكين الجيش اللبناني من الانتشار على طول الحدود، كما هو مطلوب بموجب اتفاق وقف إطلاق النار، ومن ثم إكمال استعادة سيادة الحكومة في المنطقة التي كانت لعقود خارج نطاق سيطرتها، لذلك لها أهمية إضافية تتعلق بالصراع السياسي والاقتصادي على إعادة إعمار لبنان.

جندي لبناني في جنوب البلاد ،الأسبوع الماضي، معركة إعادة إعمار لبنان قد تتطور لتكون الصراع السياسي التالي بين حزب الله والحكومة.

التزم حزب الله بتعويض سكان جنوب لبنان والضاحية عن الأضرار التي لحقت بهم، وخلال أيام الحرب سلم أيضًا لبعض النازحين مبالغ مالية مخصصة لدفع إيجار وشراء أثاث واحتياجات أساسية، وجزء من هذه الأموال وصل عن طريق إيران، مع تقدم المفاوضات بين إسرائيل ولبنان واستقرار وقف إطلاق النار، من المتوقع أن تتطور معركة إعادة إعمار لبنان لتصبح الصراع السياسي التالي بين حزب الله والحكومة اللبنانية، خاصة إذا أخذنا في الحسبان أن الانتخابات البرلمانية المقررة بعد نحو نصف عام، ستكون حاسمة لمكانة حزب الله العامة والسياسية أمام خصومه السياسيين وكذلك أمام شريكه نبيه بري، الذي ينافس على تمثيل الطائفة الشيعية، من هنا تكمن الأهمية الكبيرة لسيطرة الحكومة على مشروع الإعمار بحيث تحرم حزب الله من أدوات النفوذ على سكان الجنوب، ومن ثم على المسرح السياسي اللبناني ككل.

ولأن إسرائيل قلقة من نشاط حزب الله وتتذمر بحق من تقاعس حكومة لبنان، عليها أن تفحص الصراعات السياسية في لبنان ضمن تصورها الأمني تجاهه، عليها أن تقيّم كمية الفائدة التي تجنيها من استمرار سيطرتها على المواقع الخمسة في لبنان، مقابل الضرر الذي تُحدثه هذه السيطرة على قدرة حكومة لبنان، على استثمار إعادة إعمار الجنوب كوسيلة للتقليل من نفوذ حزب الله.

جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2025