رونن برغمان
ينيت
ترجمة حضارات
خط واضح جداً يربط بين التعيينين المهمين الذين أُعلن عنهما أمس، من جهة لجنة التحقيق التي عيّنها رئيس الأركان لفحص قضية "حائط أريحا" بصورة كاملة، ومن الجهة الأخرى، قرار رئيس الحكومة بتعيين سكرتيره العسكري لتولي منصب رئيس جهاز الاستخبارات الخارجي، وهي المرة الأولى التي يُعيّن فيها شخص من خارج الجهاز لهذا المنصب منذ سنوات، قرار يُنظر إليه بأثر رجعي على أنه جريء ومؤثر.
هل ستعرف لجنة التحقيق كيف تستخلص الاستنتاجات اللازمة؟ هل رئيس جهاز الاستخبارات الجديد، عندما يتولّى المنصب في نهاية ولاية سلفه بعد بضعة أشهر، سيعرف أن يتعلم ويعتمد ويطبق تلك الاستنتاجات؟ هو وزملاؤه في قمة مجتمع الاستخبارات والجيش وجهاز الأمن والقيادة السياسية جميعهم مرتبطون ومتشابكون، كل شيء مرتبط بكل شيء، كل شيء يؤثر في كل شيء؛ لذا من الصعب التحقيق في جهة واحدة دون التحقيق في الأخرى، ومن الصعب تحسين جانب واحد دون أن يتحسن الجانب الموازي أيضاً.
المسافة بين مقري وحدات الاستخبارات المعنية قصيرة نسبياً؛ وعلى طول الحقول التي امتلأت خلال الحرب بمنصّات دفاع صاروخي لحماية طرفي المنطقة، من جهة هناك وحدة الاستخبارات التقنية التي زُعم أنها حصلت على خطة "حائط أريحا" مراراً، ومن الجهة الأخرى هناك مقر جهاز الاستخبارات ومهماته الخاصة، هل قامت الوحدة بما يكفي لإثارة الانتباه للخطة خلال السنوات الخمس التي سبقت الحرب؟ هل استخبارات فرقة غزة فعلت ما يلزم؟ هل قيادة الجنوب؟ هل دوائر الأبحاث أو العمليات أو هيئة الأركان العامة؟ هل قوات الميدان كانت مستعدة ولماذا لم تكن كذلك؟ وكيف يعقل أنه منذ نحو عام 2016 تحول تركيز الخصم إلى عمليات سريعة على السطح، بينما استثمرت الدولة مليارات في بناء جدار ذكي تحت الأرض، اتضح أنه محدود الفاعلية في يوم المواجهة؟
كيف تحول إنجاز استخباراتي ضخم، الحصول على خطة هجوم العدو، إنجاز تكرر التذكير به خلال السنوات التي سبقت الهجوم، إلى فشل شكل مجرى التاريخ؟ هذا جوهر التحدي المركزي الذي تواجهه لجنة التحقيق.
الفجوة بين النجاح الأولي وبين إدارة عواقب ذلك النجاح كارثية وتغضب كثيرين ممن يعرفون نهاية القصة، والأهم أن العبء يقع على عاتق جهات عديدة، في وزارة الجيش، وفي مؤسسات ووكالات أخرى، وفي الجيش، وفي دوائر الاستخبارات كلها، تُثار أسئلة عن أخطاء وإغفالات مرتبطة بنُسخ ومداولات الخطة طوال سنوات، القائمة طويلة من الأسئلة عما حدث، ولماذا لم تؤدِّ هذه المعرفة إلى منع الكارثة.
لجنة التحقيق ستؤدي مهمتها فقط إذا بحثت ليس فقط ما حدث منذ اللحظة التي توقفت فيها الوثيقة الأولى لدى جهة ما في 2018، مروراً بمستندات التحليل والتقارير المختلفة التي نُشرت أو توزعت، إلى أن عادت نسخة أخرى منها في 2022، وأثارت نقاشات ثم تلاشت، يجب على التحقيق أن يسعى لأكثر من تحديد مسؤولين، من المهم استخدام النتائج لتصميم عمليات وإصلاحات تمنع تكرار الأخطاء.
التحقيقات السابقة لم تُستكمل، وبغض النظر عن جودة لجنة التحقيق الجديدة فإنها ستسد فراغاً صغيراً فقط ما لم تُجرَ مراجعة شاملة وحيادية. الحكومة، وسلطات اتخاذ القرار العليا، عطّلت بطرق متعددة أي محاولة لإجراء تحقيق شامل ومحايد، جرت محاولات لفحص خارجي لم تأتِ إلى نهايتها بسبب اعتراضات وحسابات سياسية حول من يُسمح له بالتحقيق ومن لا يُسمح، من هنا وُلدت تحقيقات داخلية متعددة صعوبة جمع نتائجها في صورة موحّدة.
عند تولي رئيس الأركان منصبه قرر إنشاء لجنة برئاسة مسؤول مخضرم، لأن هناك شعوراً عاماً بأن التحقيقات غير مكتملة وتفتقد محاور أساسية، هذه اللجنة كشفت عن وجود ثغرات وتقصير في تحقيقات أساسية لم تُجرَ أصلاً، وكان من بينها عدم إجراء تحقيق شامل حول خطة القتال التي سميت "حائط أريحا"، تحقيق شامل وصارم، دون محاباة ودون حسابات سياسية، قد يُنتج قائمة أطول بكثير من المسؤولين عن الإخفاقات، وقد يمتدّ تأثيره إلى ما وراء دوائر الأمن وحدها.
يجب فهم أن تحقيقاً مستقلاً ونزيهاً في قضية "حائط أريحا" قد يتفرع إلى مسارات عديدة وغير متوقعة، ثمة شعور عام خاطئ بأن الأمر اقتصر على مجموعة ضباط قلية علِموا بخطة واحدة وسرقوا السرية حتى تفجّر كل شيء؛ الحقيقة أن هذه الوثيقة ونسخها وتحليلاتها ومحاضر الاجتماعات بشأنها والتحذيرات والرسائل الإلكترونية، كانت متداولة في دوائر كثيرة وعلى مستويات عدة داخل المؤسسات الأمنية.
على لجنة التحقيق أن تفحص ليس فقط كيف عادت الوثيقة إلى الظهور في 2022، بعدما تراخت المتابعة في سنوات ما بعد اكتشافها الأول، بل أن تدرس العمليات والتطورات التي منذ نهاية عملية سابقة أدّت إلى نشوء توجهات تخطيطية لدى الخصم، وكيف دفعت تلك التطوّرات الدولة للاعتماد على تصور مختلف تماماً عن قدرات وسلوك العدو.
هناك من آمنوا أنهم بنوا حاجزاً لا يُخترق جداراً ذكياً وصلباً سيوقف تهديدات من هذا النوع، كان هذا اعتقاداً لم يؤسس على تحليل دقيق لطبيعة التهديد الواقعي؛ فالتهديدات الفعلية كانت في جزء كبير منها على السطح وبأشكال لا تتقاطع مع افتراضات الحاجز تحت الأرض، كما يطرح السؤال عن كيفية أن نقاط المراقبة والدوريات فوق الحاجز لم تحمِ حتى محيطه الخارجي، وعن سبب عدم مواجهة أي قائد كبير التناقض بين قراءة مواد الرصد والتهديدات الفعلية.
كما يجب أن تسأل اللجنة إن كان الإهمال في التعامل مع "حائط أريحا" في الجنوب، يوازيه إهمال مماثل في الشمال فيما يتعلق بتقديرات خطورة خطط خصم آخر لعمليات على نطاق واسع في منطقة أخرى، وهل أُهمل التحضير لذلك أيضاً.
الموساد سيُطلب منه أيضاً تقديم إجابات: ماذا حدث لنسخ الوثيقة التي تقول جهات في الجيش، إنها وصلت إلى قوائم توزيع في جهات خارجية؟ هل وصلت هذه النسخ إلى جهاز الاستخبارات؟ وإذا وصلت، ماذا فعل الجهاز بها؟ وإذا لم يفعل لماذا لم يفعل؟ وإذا لم تصل، فلماذا لم تُنقَل إلى من يُفترض أن يتعامل معها؟ وكيف يعقل أن بعد عقود على تأسيس وحدات بحث وتفكير داخل الأجهزة لم تُترجم المعرفة إلى حماية عملية؟
يُثار نقاش أيضاً حول مدى مسؤولية دوائر استخبارية معينة داخل الجيش أو أجهزة الأمن الداخلي، وهل ثمة مسؤوليات مشتركة أو متبادلة بين الأجهزة كلها، بما في ذلك المهام التي تتّصل برصد التحركات الإقليمية في بيروت وطهران والدوحة.
يبدو أن قرار تعيين شخص من خارج الجهاز في مواقع قيادية بأجهزة الأمن يعود، جزئياً، إلى شعور سلبي من قِبل السلطة تجاه قيادات داخلية، وقراءة أن التجديد الخارجي مطلوب لاستعادة القدرة والنزاهة، لكن مثل هذه التعيينات تحمل أيضاً رسالة سياسية عن فقدان الثقة، وعن الرغبة في تجديد سريع قد لا يحل المشاكل الجوهرية لو لم تُرافقها إصلاحات عملية ومؤسسية.
في الختام، إذا أردنا أن تتعلم المؤسسة من الدروس يجب ألا يقتصر عمل لجنة التحقيق على تصييد مسؤولين بالعناوين الصحفية، بل يجب أن يركز على الإجراءات والعمليات والثقافة المؤسسية التي أدّت إلى تراكم الأخطاء، ينبغي أن تُنتج توصيات قابلة للتنفيذ تغيّر طريقة عمل شبكة الاستخبارات والأمن والقيادة السياسية، بحيث تُحوّل المعرفة الاستخباراتية إلى أداء عملي يمنع تكرار كارثة من هذا النوع.
نأمل أن يستخلص القائمون درساً واحداً واضحاً: لا يكفي الحصول على معلومات استخباراتية عظيمة، بل يجب تحويل تلك المعلومات إلى سياسات وإجراءات فعالة في الميدان، وأن يرافق أي تغيير قيادي إعادة بناء حقيقية للأداء المؤسسي.