سوريا… حين تنفّس الوطن أخيراً

ايهاب الكيالي

كاتب ومحلل سياسي

بقلم/ إيهاب الكيالي

لم يكن ما جرى في سوريا حدثاً سياسياً عابراً، ولا مجرد انتقال في الحكم أو تبدل في الوجوه، كان أكبر من ذلك بكثير، كان أشبه بانفراج صدرٍ ظلّ محبوساً ستين عاماً، وبانبعاث فجرٍ انتظره السوريون حتى ظنّ بعضهم أن الشمس قد نسيت طريقها إليهم.

واليوم… تنفّس الوطن.

بعد عقود طويلة من حكم البعث ومنظومة الأسد، عقود وُصفت بالحديد والنار، وبالظلام الذي تمدّد في كل زاوية من زوايا الحياة السورية، كتبت البلاد لنفسها فصلاً جديداً يشبه الميلاد. ميلاد وطن، وميلاد شعب، وميلاد روح أُريد لها أن تُطفأ لسنوات لكنها بقيت مشتعلة في الصدور.

لقد كان السوريون، طوال تلك السنين، يعيشون بين الخوف والمراقبة، بين الصمت والانتظار، شوارعهم كانت متعبة، وبيوتهم كانت تهمس بالحزن، والناس يمشون كما لو أنهم يحملون على أكتافهم تاريخاً من القيود.

لكن كل ذلك تغيّر… فجأة، وبصوتٍ واحد، وبقلبٍ واحد، خلع الشعب السوري عباءة العبودية والذل إلى الأبد.

ما شهدته الساحات السورية في لحظات التحرر لم يكن مجرد مظاهر فرح، بل كان انفجاراً مكبوتاً لسنوات، كان بكاءً طويلاً خرج دفعة واحدة، وكان صراخاً يعلن أن الإنسان السوري عاد إلى الحياة، وأن الوطن الذي ظلّ يُنهش لعقود قد استعاد نبضه.

في تلك اللحظات، لم تكن الأعلام مجرد قماش يُرفرف، بل كانت أرواحاً ترفرف، وذاكرة بلد كاملة تعلن أنها عادت إلى الضوء، كان الشبان يرقصون كما لو أنهم يرقصون للمرة الأولى، والنساء تزغرد كما لو أنهن يزغردن لميلاد طفلٍ انتظرنه دهراً، كان الكهول يمسحون دموعهم ويحدّقون في المشهد غير مصدقين أن زمان الخوف قد انتهى.

تحررت سوريا…

جملة بسيطة، لكنها تحمل من العمق ما لا يُقاس. تحمل وجع أربعة أجيال، وتحمل أحلام المدن التي نامت تحت الركام، وتحمل أصوات المعتقلين والمغيّبين والشهداء، تحمل وجع أمّ قضت سنوات تبحث عن ابنها، وتحمل أنين مدينة لم يبق فيها بيت إلا وبكى.

اليوم، تُضاء دمشق كما لم تُضأ من قبل، تُفتح نوافذ حلب على هواء جديد. تستعيد درعا صوتها الأول، وتتنفّس حمص، وتنهض دير الزور، وتبتسم إدلب. حتى الذاكرة السورية نفسها تستيقظ من تحت الغبار.

لقد كتب السوريون اليوم إعلان حريتهم بأيديهم.

كتبوه بدموعهم وابتساماتهم، بآلامهم وصبرهم.

وها هو الوطن، الذي غاب عنه الضوء دهراً، يشعل من جديد أنوار الحياة والنور.

ومهما كانت تحديات المستقبل، يظلّ السوريون اليوم أكثر يقيناً من أي وقت مضى أن زمن الطغيان انتهى، وأن فجر الكرامة قد أشرق، وأن هذا الشعب الذي نهض من بين الرماد قادر على أن يبني دولة جديدة، دولة لا مكان فيها لعبودية أو خوف، دولة تستحقها هذه الأرض التي لا تشيب ولا تهزم.

سوريا اليوم ليست مجرد وطن تحرر…

إنها قصة ولادة، قصة نور بعد ظلام، وقصة شعب أدرك أخيراً أن الحرية ليست حلماً بعيداً، بل حقّاً يُنتزع، وسماء تُفتح، وفجراً يليق به.

جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2025