( دولة المستوطنين ) في الضفة الغربية

ثامر سباعنة

كاتب سياسي

تشكل المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية أحد أبرز مظاهر المشروع الصهيوني الاستعماري بعد عام 1967، إلا أنّها لم تبقَ مجرد تجمعات سكانية صغيرة متفرقة، بل تطورت تدريجيًا لتصبح كيانًا متكامل البنى، يملك مؤسساته الاقتصادية والأمنية والسياسية، ويعمل بصورة شبه مستقلة عن سلطة الدولة الإسرائيلية، وإن كان يحظى بدعمها الكامل. لقد أفضى هذا التطور إلى نشوء ما يمكن تسميته بـ “دولة المستوطنين” داخل الضفة الغربية، وهي دولة غير معلنة رسميًا، لكنها قائمة على الأرض عبر شبكة واسعة من المجالس المحلية، والطرق الالتفافية، والقوانين الموازية، وميليشيات مسلحة مدعومة من الجيش الإسرائيلي.

هذا التحول لم يعد مجرد تحدٍّ للفلسطينيين في إطار صراعهم على الأرض والهوية، بل أصبح تهديدًا مباشرًا لأي إمكانية لتحقيق تسوية سياسية عادلة، إذ تعمل “دولة المستوطنين” على فرض وقائع ميدانية دائمة تقوّض فرص قيام دولة فلسطينية مستقلة. كما أنّ تغلغل المستوطنين في المشهد السياسي الإسرائيلي، وسيطرتهم على مفاصل صنع القرار من خلال أحزاب يمينية متطرفة، جعل منهم لاعبًا رئيسيًا في رسم السياسات الداخلية والخارجية لإسرائيل.

بدأ الاحتلال بتنفيذ مشروعه الاستيطاني بعد احتلال باقي فلسطين عام 1967، فعيون الاحتلال كانت على الضفه، ولم تلتزم الحكومات "الإسرائيلية" المتعاقبة لم تلتزم بوقف الاستيطان في الضفه، ولكن اختلفت بمقدرا وحجم الاستيطان من حكومة لحكومة أخرى.

وقد عرف الدكتور عبد الوهاب المسيري الاستيطان بانه: انتقال كتلة بشرية من مكانها وزمانها الى مكان وزمان اخر، حيث تقوم الكتلة الواحدة بابادة السكان الأصليين او طردهم او استعبادهم.

اهداف وسمات الأساسية للاستيطان الصهيوني

يمكن القول بان الأهداف والسمات الأساسية للاستيطان الصهيوني هي ما يلي:

1- يهدف الاستيطان الصهيوني الى ان تحل الكتله البشريه (الصهيونيه) محل السكان الأصليين، فهو استعمار احلالي

2- الاستيطان ليس هدف، انما هو وسيلة الاستيلاء السياسي على فلسطين.

3- ارتبط انتشار المستوطنات بحركة الهجرة اليهودية.

4- ان المؤسسات الاستيطانية الصهيونية تقف على راسها بدلا من ان تقف على قدميها، أي ان الهرم الاستيطاني مقلوب.

5- استيطان جماعي عسكري.

6- ليس مشروع اقتصادي انما مشروع عسكري استراتيجي.

المستوطنين في ارقام

شرعت إسرائيل - بعد السابع من أكتوبر 2023 - بإقامة العديد من البؤر الاستيطانية في مناطق مختلفة في الضفة الغربية ولا سيما المناطق المصنفة Bوهذا في انتهاك صارخ للاتفاقيات الموقعة، إذ صادرت آلاف الدونمات من شتى مناطق الضفة الغربية واقامت عليها بؤر استيطانية، والتقت هذه البؤر مع مشاريع الاستيطان الرعوي الذي بدأ بالتغلغل بشكل واسع جداً في مناطق الضفة الغربية، إذ استولى المستوطنون على حوالي 78,600 هكتار (ما يعادل 786,000 دونم) من أراضي الضفة الغربية، أي نحو 14% من مساحتها، من خلال إقامة بؤر استيطانية رعوية وزراعية.

أظهر تقرير إسرائيلي زيادة أعداد البؤر الاستيطانية في الضفة الغربية المحتلة بنسبة 40% خلال فترة الحكومة الحالية التي يرأسها بنيامين نتنياهو المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية.وفقا للقناة الـ12 الإسرائيلية فقد ارتفع عدد المستوطنات من 128 في الضفة، إلى 178 حاليا، بزيادة قدرها نحو 40%. ، وإلى جانب إنشاء عشرات المستوطنات الجديدة، حطّم البناء في المستوطنات القائمة أرقاما قياسية خلال العامين ونصف العام الماضيين، بل وأكثر من ذلك منذ بداية 2025.فقد تمت الموافقة على 41 ألفا و709 وحدات سكنية (استيطانية)، وهو رقم يفوق العدد المسجل في السنوات الـ6 التي سبقت الحكومة الحالية، أي الفترة من 2017 إلى 2022.

رصد معهد أريج 58 مخططاً استيطانياً في المستوطنات الإسرائيلية شرقي القدس، بواقع

5,760 وحدة استيطانية على مساحة 3,470 دونماً من الأراضي الفلسطينية خلال سنة 2023.كما أصدرت سلطات الاحتلال الإسرائيلي 152 مخططاً استيطانياً في المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية شملت بناء 21,988 وحدة استيطانية ومناطق صناعية وطرق التفافية ومباني عامة وغيرها على مساحة 9,657 دونماً من الأراضي الفلسطينية.

بلغ عدد البؤر الاستيطانية غير القانونية 214 مستوطنة نهاية عام 2024، كما تظهر أن معظم البؤر الاستيطانية غير القانونية التي أُنشئت، هي مزارع استيطانية وتشغل مساحة شاسعة، إذ تبلغ مساحة مراعي المزارع حوالي 787 كيلومترا مربعا، يقع معظمها في وسط الضفة المحتلة وشرقها.

ملامح دولة المستوطنين :

- البنية المؤسسية للمستوطنين

- المدارس الدينية والعسكرية

- المنظمات الإرهابية

- مؤسسات وظيفيةوهي جمعيات يمينية متطرفة ذات هيكليات تنظيمية تعمل وفق أجندة وظيفية محددة تتعلق بالاستيطان.

- منصات رقمية.

طرق ووسائل السيطرة على أراضي الفلسطينيين

استخدم الاحتلال عدد من الوسائل والطرق للسيطره على أراضي الفلسطينيين وتحويلها اما كمستوطنات او مواقع امنيه، ومن هذه الطرق والوسائل:

مصادرة أملاك الغائبين

مصادرة الأراضي بحجه انشاء شوارع وطرق امنيه او للمستوطنات

شراء الأراضي

اعتبار المنطقة منطقة امنيه

مصادرة الأراضي لأغراض عامة

العنف والإرهاب الاستيطاني

اعتداءات المستوطنين على القرى الفلسطينية (إحراق، قتل، اقتلاع أشجار).

تتجه هجمات ميليشيات المستوطنين على المناطق الفلسطينية نحو تصاعُد متواتر، مع استهداف متكرر للقرى الصغيرة القريبة من المستوطنات والطرق الالتفافية، ويبدو أنها غدت استراتيجيا ممنهَجة لإفراغ مناطق بعينها بهدف التوسع الاستيطاني، وذلك عبر إنشاء بيئة طاردة للفلسطينيين، مع الإفلات شبه الكامل من العقاب، الأمر الذي يشير إلى أن الهجمات ستستمر ما لم يوضع لها حد ويتغير الوضع القانوني والسياسي، ولم يقتصر الهدف من هجمات المستوطنين على الفلسطينيين في الضفة الغربية، بالإضافة إلى سياسات دولة الاحتلال غير المباشرة (حرمان من الخدمات، وقيود على البناء، وإغلاق الطرقات، ومصادرة الأراضي...) على السيطرة على الأرض، بل أيضاً شَمَلَ ترْك الفلسطينيين أمام خيارين لا ثالث لهما: إمَّا البقاء وسط اعتداءات الجيش والمستوطنين وعمليات الهدم المتكرر، الأمر الذي يجعل حياة الفلسطينيين غير محتمَلة، وإمَّا الرحيل من تلقاء أنفسهم بحثاً عن الأمان، وهو ما يصبو إليه الاحتلال.

وثّقت منظمة العفو الدولية، بين 12 و16 نيسان/أبريل 2024، هجمات عنيفة شنها مئات المستوطنين على قرى فلسطينية، منها: المغير، ودوما، ودير دبوان، وبيتين، وعقربا. وأدت هذه الهجمات إلى حرق منازل وأملاك ومقتل فلسطينيين، فضلاً عن وجود قوات إسرائيلية غالباً لم تمنع الاعتداءات. ووثّقت مجموعة تقارير من منظمة بتسيلم اعتداءات المستوطنين على خربة سوسيا والقرى المجاورة، وقيام المستوطنين بالضرب والتخريب والسرقة، وكانت الأحداث غالباً ما تنتهي باحتجاز الفلسطينيين (على الرغم من إصابة بعضهم) وترْك المستوطنين يغادرون بلا أي مساءلة.  

إنّ دراسة ظاهرة “دولة المستوطنين في الضفة الغربية” تكشف بوضوح أنّ الاستيطان لم يعد مجرد سياسة إسرائيلية لتوسيع السيطرة على الأرض، بل تحوّل إلى مشروع متكامل لبناء كيان موازٍ، يملك مقومات الدولة من مؤسسات وبنية تحتية وأجهزة أمنية واقتصاد داخلي، ويعمل على فرض واقع استعماري دائم. إن هذا الكيان الاستيطاني، المدعوم من الحكومات الإسرائيلية، لا يهدد فقط الحقوق الوطنية الفلسطينية، بل يقوّض أيضًا أسس القانون الدولي ويجعل من أي حديث عن “حل الدولتين” أمرًا شبه مستحيل.

لقد أصبح المستوطنون اليوم قوة سياسية فاعلة داخل إسرائيل، تسهم في صياغة القرارات الكبرى وتوجيه السياسات الرسمية بما يخدم مصالحهم التوسعية. وبذلك لم تعد الفجوة قائمة بين “الدولة الإسرائيلية” و”دولةالمستوطنين”، بل اندمج المشروعان في بنية واحدة تعزز الاحتلال وتطيل أمده.

وعليه، فإن مواجهة هذا الواقع تتطلب رؤية فلسطينية وعربية ودولية شاملة، لا تكتفي برفض الاستيطان من الناحية القانونية، بل تعمل على بلورة إستراتيجيات عملية للحد من تمدده وفضح طبيعته الاستعمارية، حفاظًا على ما تبقى من إمكانية لتحقيق العدالة والحرية للشعب الفلسطيني



جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2025