الثورة والإخوان المسلمون وتأثير التحولات السياسية (قبل وبعد 2011)

إسراء محمد عبد الحافظ

كاتبة صحفية وسياسية

المقال الرابع : المجتمع المدني المصري والقضية الفلسطينية: تاريخ من التوتر والانفصام

شكلت الثورة المصرية في عام 2011 والقضية الفلسطينية محطة هامة وجذرية في تشابك المصائر وتقاطع المسارات، حيث شهدت تحولاً تاريخياً مثّل لحظة انزياح جيوسياسي في المنطقة. لم تقتصر آثار هذا التحول على إعادة تشكيل المشهد السياسي المصري بل أعادت صياغة العلاقة بين الدولة المصرية والمجتمع المدني من جهة، والقضية الفلسطينية من جهة أخرى. في هذه الفترة الانتقالية الفريدة، تحوّلت فلسطين من قضية رسمية تُدار دبلوماسياً إلى قضية شعبية تعبّر عن هوية وضمير الجماعات الثورية الجديدة. هذا التحول لم يكن تلقائياً، بل جاء نتيجة تفاعل معقد بين عدة عوامل: تفكك مؤسسات الدولة الأمنية، وتحرر الخطاب الإعلامي، وصعود جيل جديد من النشطاء الذين رأوا في الثورة المصرية جزءاً من موجة تحرر إقليمية تضع فلسطين في قلبها.


لقد خلقت ثورة 25 يناير 2011 حالة من التشابك الرمزي والعملي بين الميدانين، وخلقت مساحة من الرمزية المتقاطعة من خلال خطاب التحرر الموحّد. ولم تكن فلسطين مجرد قضية تضامن خارجي، بل تحوّلت إلى مرآة عاكسة لطموحات التحرر المصرية. فالمتظاهرون في ميدان التحرير استعاروا ليس فقط تكتيكات الاحتجاج الفلسطينية، بل أيضاً خطاب المقاومة والكرامة الإنسانية الذي طالما ميز النضال الفلسطيني. كانت الصورة المتداولة: "اليوم في ميدان التحرير، غداً في القدس" تعبيراً عن رؤية وحدة المصير. هذا الارتباط تجسّد عملياً عندما استخدم الثوار تقنيات التنظيم الذاتي التي طورها الفلسطينيون خلال الحصار: نظام اللجان المتخصصة (كالصحة، الأمن، الإعلام) من خلال التواصل الهرمي غير المركزي، وثقافة الصمود كفعل مقاومة بحد ذاته.


وصنعت الثورة تحولاً بنيوي في المجتمع المدني: من المؤسسات الهرمية إلى الشبكات الأفقية. فقبل الثورة، كان العمل المدني المصري تجاه فلسطين يخضع لتسلسل هرمي مزدوج: من خلال هرمية الدولة المصرية التي تحدد المسموح والممنوع، وهرمية الأحزاب والجماعات التي تتحكم في خطاب التضامن. الثورة كسرت هذا النموذج عبر تفكك جهاز أمن الدولة (مباحث أمن الدولة) في مارس 2011، مما حرر الجمعيات الأهلية من "الضابط المتابع" الذي كان يرخص كل نشاط. وترافق ذلك مع صعود تحالفات أفقية تعبر عن التعددية الثورية ضمت الإسلاميون، الليبراليون، اليساريون، والمستقلون. كما تحولت وسائل الإعلام من أدوات للتطبيل إلى منصات للنقاش المفتوح، حيث ظهرت برامج تستضيف قادة حماس لأول مرة منذ عقود.


وشهدت الفترة حالة من التحول الجذري في المجتمع المدني، تتجلى في حركة مقاطعة إسرائيل، والتي كانت ائتلافاً غير مؤدلج يضم نشطاء سياسيين من خلفيات متعارضة سابقاً (إسلاميون، يساريون، ليبراليون)، وحقوقيين متخصصين في القانون الدولي والإنساني، وأكاديميين من جامعات مختلفة، وفنانين وإعلاميين يجسدون التواصل مع الجمهور الواسع. وقاموا بحملات ذكية مثل حملة "مصر تقاطع"، التي لم تكن مجرد قائمة منتجات، بل نظاماً تفاعلياً مع تطبيقات الهواتف الذكية وخرائط للمتاجر التي تبيع المنتجات الإسرائيلية وبدائل محلية، مدعومة بحملات تسويقية. كما اعتمدوا المقاضاة الاستراتيجية عبر رفع دعاوى قضائية ضد شركات متعددة الجنسيات متعاونة مع إسرائيل، مستفيدة من تحرر القضاء نسبياً في تلك الفترة، والتوثيق الاحترافي من خلال إصدار تقارير سنوية عن حجم التطبيع الاقتصادي الخفي مع تحليلات اقتصادية مفصلة.


وشهد الخطاب الثوري المصري ثلاث تحولات مفصلية في نظرته للفلسطيني: فقبل الثورة، كان الخطاب الرسمي والشعبي يصور الفلسطيني كلاجئ ضعيف يحتاج إلى دعم ومساعدة إنسانية، أو كمقاوم بطولي لكنه بعيد جغرافياً وسياسياً. أما بعد الثورة، فأصبح الفلسطيني هو النموذج الثوري الذي يجب الاستفادة من خبرته، بل أصبح شريكاً في معركة التحرر من الأنظمة الاستبدادية والاحتلال معاً، وصار أيقونة في المرجعية الأخلاقية في الصمود والمقاومة. وكان التحول الثاني من الخطاب الديني والقومي إلى خطاب حقوقي متعدد الطبقات، حيث ظهرت جمعيات جديدة مثل الجمعية المصرية لدعم الديمقراطية وحقوق الإنسان، طورت خطاباً جديداً يجمع بين الجانب القانوني من خلال مقارنة الاعتقال الإداري في فلسطين والاعتقال التعسفي في مصر، والجانب الإنساني من خلال توثيق تأثير الحصار المزدوج (السياسي على التيار الإسلامي في مصر، والعسكري على غزة)، والجانب السياسي من خلال تحليل العلاقة التكافلية بين الاستبداد الداخلي والتطبيع الخارجي. أما التحول الثالث فكان خاصاً بالنسوية والتضامن عبر الحدود، حيث مثلت شبكة "نساء من أجل الثورة وفلسطين" (2012-2014) تطوراً نوعياً في الخطاب النسوي المصري، حيث اعتمدت خطاباً يربط بين "الأبوية السياسية" للنظام المصري (التي تتحكم في أجساد النساء وحقوقهن) و"الأبوية الاستعمارية" الإسرائيلية (التي تتحكم في الأرض والإنسان الفلسطيني)، داعمين هذا الخطاب بورش عمل مشتركة حول "التوثيق كأداة مقاومة" جمعت ناشطات مصريات وفلسطينيات مع تبادل خبرات في مواجهة العنف السياسي والاجتماعي.


فترة حكم الإخوان المسلمين في مصر (2012-2013) وسياستهم تجاه القضية الفلسطينية


بعد ثورة 25 يناير 2011 التي أطاحت بالرئيس حسني مبارك، شهدت مصر أول انتخابات رئاسية ديمقراطية في تاريخها، فاز بها مرشح جماعة الإخوان المسلمين الدكتور محمد مرسي في يونيو 2012. جاء فوز مرسي في سياق انتقالي معقد، حيث كانت مصر تواجه تحديات اقتصادية وسياسية جسيمة. واتبع الإخوان آليات لدعم القضية الفلسطينية أثناء الحكم شملت سياسات رسمية ودبلوماسية حاولت مراجعة اتفاقية كامب ديفيد ضمن الحدود المسموح بها، مع التأكيد على التزام مصر بالمعاهدات الدولية، بجانب الدعم الدولي للقضية الفلسطينية، حيث كثفت مصر تحت حكم مرسي جهودها الدبلوماسية في المحافل الدولية لدعم الحقوق الفلسطينية. كما شهدت العلاقات المصرية مع حركة حماس تقارباً ملحوظاً، بما يشمل زيارة رسمية لوفد من الحركة لمقر المخابرات العامة المصرية لأول مرة. وعملياً، سمحت إدارة مرسي بفتح معبر رفح وفتح الحدود مع غزة بشكل شبه دائم، مما خفف من الحصار المفروض على قطاع غزة منذ 2007، وتسهيل حركة الأفراد والبضائع، مما سمح بدخول الوقود والمواد الأساسية وحركة المرضى والطلاب، وأثر إيجابياً على الوضع الإنساني في القطاع.


وجاء الدعم في الخطابات العلنية التي أكد مرسي وقيادات الإخوان فيها على أولوية القضية الفلسطينية وتأييد المقاومة المشروعة. وتجلى ذلك بوضوح في نوفمبر 2012، خلال العدوان الإسرائيلي على غزة، عندما أرسل مرسي وفداً مصرياً رفيع المستوى برئاسة رئيس الوزراء هشام قنديل إلى غزة أثناء القصف، في مشهد تاريخي نادر وقوي، حيث زار الوفد مستشفى الشفاء وأماكن القصف، وظهر التضامن المصري بشكل مباشر. هذه الزيارة أثارت غضب إسرائيل واعتُبرت تصعيداً سياسياً واضحاً. وأمر مرسي بسحب السفير المصري من إسرائيل، وكان لهذا القرار صدى واسع، وأكد أن مصر لم تعد تتعامل بـ"السياسة الرمادية"، بجانب طرد السفير الإسرائيلي من القاهرة بشكل فعلي (غادر مصر وقتها السفير الإسرائيلي ولم يعد أثناء الحرب)، وكانت تلك رسالة قوية بأن العلاقات الدبلوماسية لن تكون طبيعية وسط عدوان على غزة. وقادت مصر جهود وساطة حاسمة أدت إلى وقف إطلاق النار بين إسرائيل والمقاومة الفلسطينية في 21 نوفمبر.


ولكن نتج عن هذه الإجراءات الظهور لقبضة الدولة العميقة والاصطدام مع المؤسسة العسكرية، حيث استمر الجيش المصري في سياساته الأمنية التقليدية، مع محدودية تأثير الرئيس في ملف سيناء، وظلت الأنظمة الأمنية موالية للنظام القديم وعاقبت أي تعاون مع حماس. وظهرت وثيقة مسربة من المخابرات العامة المصرية (مارس 2013) تحذر من تعاون بعض عناصر الإخوان مع حماس على حساب الأمن القومي المصري، وطلب فيها مراقبة جميع الاتصالات بين الإخوان وحماس.


وكان لسياسات الإخوان تجاه فلسطين تأثير على استقرار حكمهم، حيث واجهوا ردود فعل داخلية مصرية أحد أسبابها الموقف الرسمي والفعلي الداعم لفلسطين. فقد انتقدت قوى علمانية وليبرالية سياسة الإخوان باعتبارها استهدافاً للمصلحة الوطنية المصرية لصالح أجندات خارجية. ونظرت المؤسسة العسكرية المصرية بقلق لتقارب الحكومة مع حماس، خاصة في ظل التوترات الأمنية في سيناء. ونتج عن ذلك انقسام مجتمعي بين المؤيدين والمعارضين، واتهامات موجهة للإخوان بتصدير الثورة المصرية لفلسطين، والتحذير من "أخونة" القضية الفلسطينية، واتهامات بالولاء لحماس على حساب المصالح المصرية، واتهامات بأن مرسي "يبيع مصر لقطر وتركيا عبر بوابة فلسطين".


كما واجه حكم الإخوان في مصر ضغوطاً إقليمية ودولية، خاصة من دول الإمارات والسعودية التي رأت في تقارب الإخوان مع حماس تهديداً لأمنها القومي. بينما حافظت الولايات المتحدة على علاقتها بمصر، وأبدت واشنطن قلقاً من سياسات مرسي تجاه غزة وتأثيرها على العلاقات المصرية-الإسرائيلية. ثم مارست إسرائيل ضغوطاً دبلوماسية لمنع التحول الجذري في السياسة المصرية تجاه غزة.


وتداخلت عوامل متعددة في انتهاء حكم الإخوان، منها أسباب داخلية أساسية كالأزمة الاقتصادية المتعمقة، وحالة الاستقطاب السياسي، والاحتجاجات في 30 يونيو 2013. واعتبرت سياسات الإخوان تجاه غزة من قبل معارضيهم دليلاً على أولوية الانتماء الأيديولوجي على المصلحة الوطنية، واستخدمت هذه السياسات في الخطاب المعارض لتشويه صورة حكم الإخوان، وشكلت مصدر توتر مع المؤسسة العسكرية التي اعتبرت سيناء أولوية أمنية.


على الرغم من ذلك، حققت سياسات الإخوان في تلك الفترة القصيرة بعض الإنجازات العملية في تخفيف الحصار عن غزة وتمتين العلاقات مع الفصائل الفلسطينية، لكن هذه السياسات واجهت معوقات كبيرة بسبب الوضع الاقتصادي المتردي في مصر، والضغوط الإقليمية والدولية، ومحدودية فترة الحكم (12 شهراً فقط). لقد دفع الإخوان ثمناً باهظاً سياسياً داخلياً وإقليمياً لسياساتهم الداعمة لغزة، حيث عززت هذه السياسات تحالفاً معارضاً لهم يجمع بين قوى علمانية ومؤسسة عسكرية ودول خليجية، وأعطت ذريعة للقوى المعارضة لوصفهم بأنهم يقدمون أجندات خارجية على المصالح المصرية. وشكلت تجربة حكم الإخوان مرجعية في النقاش حول العلاقة بين السياسة المصرية والقضية الفلسطينية، وأظهرت محدودية قدرة أي حكومة مصرية على تغيير السياسة التقليدية تجاه إسرائيل دون مواجهة عقبات جسيمة. كانت سياسات الإخوان المسلمين تجاه القضية الفلسطينية خلال فترة حكمهم المحدودة في مصر تعبيراً عن التزام أيديولوجي تاريخي، لكنها اصطدمت بمعوقات داخلية وإقليمية ودولية جسيمة. بينما نجحت في تحقيق بعض الإنجازات الإنسانية والسياسية المحدودة لدعم غزة، ساهمت هذه السياسات إلى جانب عوامل أخرى في تعزيز التحالف المعارض لحكم الإخوان الذي انتهى بعزل مرسي في يوليو 2013. تبقى هذه الفترة موضوع دراسة مهمة لفهم التفاعل المعقد بين السياسة الداخلية المصرية والالتزام بالقضية الفلسطينية، وتظهر كيف يمكن أن تصبح السياسة الخارجية عاملاً في الصراع السياسي الداخلي.


للتذكير، هذا هو المقال الرابع من سلسلة مقالات المجتمع المدني المصري والقضية الفلسطينية، المقال القادم ما بعد 2013: إعادة بناء الدولة الأمنية وتفكيك المجتمع المدني.

جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2025