تُقدَّم الأحداث الجارية في إيران هذه الأيام في الإعلام الروسي بلغة باهتة وملتبسة، تعكس ارتباكًا بنيويًا في الموقف أكثر مما تعكس قصورًا مهنيًا في التغطية.
فمن جهة، تُصنَّف إيران رسميًا بوصفها حليفًا يُفترض دعمه، ولا سيما في مواجهة الهجمة الإعلامية الغربية المركّزة. ومن جهة أخرى، تقوم علاقة ارتباط عميقة، مالية ووجدانية، بين قطاعات واسعة من النخبة الروسية، وخصوصًا الإعلامية منها، وبين الكيان المجرم (إسرائيل)، تجعل هذه القطاعات في حالة استنفار دائم للدفاع عنه والتغطية على جرائمه.
ضمن هذا التناقض، يعيش المحللون والإعلاميون حالة ازدواجية واضحة: خطاب معلن يُفترض أن يميل إلى طهران، لكنه لا يفعل إلا بقدر محدود ومرتبك، يقابله انحياز وجداني ثابت نحو تل أبيب. ويزداد المشهد تعقيدًا مع دخول عامل ترامب، الذي لم يزد الخطاب الإعلامي إلا اضطرابًا على اضطرابه.
تراهن قطاعات من النخبة الروسية، الغربية الهوى، على ترامب بوصفه شريكًا اقتصاديًا واعدًا وفق منطق “روح أنكوراج”، وتسعى، بشتى الوسائل، إلى تجنّب استفزازه وكسب رضاه. غير أن ترامب شريك مباشر للكيان المجرم وعدو صريح لإيران، الدولة التي يفترض أن تربطها بروسيا معاهدة تعاون أو شراكة استراتيجية بعيدة المدى. ويأتي تفاخُر نتنياهو بعلاقته الوثيقة مع بوتين بوصفه مؤشرًا إضافيًا على هذا التشابك، كما أن استشهاد بوتين مؤخرًا بجهاز الموساد مثالًا على “الأجهزة الأمنية الفاعلة” لم يكن تفصيلًا عابرًا، بل تعبيرًا دالًا، علمًا أن هذا الجهاز لم يُثبت حضوره إلا في سجل الجرائم المرتكبة بحق شعوب المنطقة.
في الوقت نفسه، ترتبط روسيا بإيران بعقود عسكرية ونووية وصفقات استراتيجية كبرى، ما يضع النخبة الروسية أمام معادلة متناقضة لا تملك لها حلًا واضحًا. وينعكس هذا التناقض مباشرة في التغطيات الإعلامية، التي تتسم بالتلعثم والتأرجح بين التلميح إلى الوقوف مع الجمهورية الإسلامية، والترويج لمقولات عن “نظام الآيات” وتهديد “نظام الملالي” بفعل الاحتجاجات.
ويرى بعض المراقبين أن الإشكالية أعمق من مجرد خطاب إعلامي مرتبك، إذ إن الالتزام الجدي بالاتفاقات مع إيران لا يعني، في حسابات الكرملين، سوى تعميق المواجهة مع الولايات المتحدة، وهو خيار تتحاشاه قطاعات مؤثرة داخل النخبة الروسية. وفي المقابل، تبدو العلاقات مع واشنطن أكثر بساطة ووضوحًا بالنسبة إلى نخبة صهيو-غربية ترى مستقبلها داخل عالم أمريكي تحكمه معادلة “السلام بالقوة”.