إيران إلى أين؟!

إبراهيم المدهون

كاتب ومحلل سياسي

ما يجري في إيران أقرب إلى لعبة إعلامية واستخباراتية منه إلى حراك شعبي واسع بالمعنى الحقيقي. فالتضخيم الإعلامي للاحتجاجات، ولا سيما في الإعلام الغربي، لا يعكس بدقة واقع الشارع الإيراني ولا ميزان القوى الفعلي داخله.

لا شك أن شريحة معتبرة من الشعب الإيراني لا تنتمي للثورة، وترفض النظام أو تعارضه، وهذا أمر معروف ومتراكم منذ سنوات. غير أن الاحتجاجات تبقى محدودة من حيث الانتشار والقدرة على الحسم، ولا ترقى حتى الآن إلى مستوى قادر على إسقاط أنظمة، خاصة في دولة تمتلك نظامًا شديد التماسك، وأدوات أمنية فعالة، وبنية تنظيمية عقائدية، وقاعدة جماهيرية واسعة قادرة على الحشد بالملايين عند الحاجة.

القوة الجماهيرية المؤثرة لا تزال في جوهرها بيد النظام، سواء بدافع الانتماء العقائدي، أو المصالح، أو الخوف، أو مزيج من ذلك. لذلك فإن الحديث عن تغيير النظام، أو إعادة الحكم الملكي، أو تقسيم إيران عبر الاحتجاجات، يبدو غير واقعي في هذه المرحلة. بل إن هذه التحركات قد تؤدي إلى نتيجة عكسية، فتستفز النظام وتعيد تنشيطه وتعزز تماسكه الداخلي.

الخشية الحقيقية ليست في الاحتجاجات ذاتها، بل في توظيفها تمهيدًا لعدوان إسرائيلي أمريكي واسع على إيران. وهو سيناريو، إن تحقق، قد يضع إيران والمنطقة بأكملها أمام مستقبل شديد الخطورة والتعقيد، مع بقاء جميع الاحتمالات مفتوحة.

وقبل الذهاب إلى ضربة مباشرة وشاملة ضد إيران، قد نشهد تصعيدًا مكثفًا على ساحات أخرى، وفي مقدمتها لبنان، وربما اليمن، بالتوازي مع دعم الاحتجاجات داخليًا ومنحها مزيدًا من الوقت، ضمن استراتيجية ضغط متعددة المسارات.

بكل الأحوال، يبدو أن العام الحالي مليء بالمفاجآت والأحداث المفصلية، التي قد لا تعيد رسم ملامح المنطقة فحسب، بل تترك آثارًا عميقة تمتد لعقود قادمة، إقليميًا وربما عالميًا.

جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2025