تقييد الإسلاميين في الجيش السوداني: مقاربة أميركية لإعادة هندسة القرار العسكري لا لحماية السودان

حضارات

مؤسسة حضارات

تحليل نقدي باسم مركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية

يثير الخبر المتداول حول سعي الولايات المتحدة إلى «تقييد النفوذ الإسلاموي» داخل الجيش السوداني، جملة من الأسئلة السياسية والاستراتيجية التي تتجاوز الذرائع المعلنة المتصلة بحماية الحريات الدينية أو حقوق الأقليات، فالمقاربة الأميركية لا تنفصل عن نمط أوسع من إدارة الصراعات في دول الهشاشة، حيث يجري توظيف ملف «الإسلاميين» بوصفه أداة ضغط وإعادة هندسة لموازين القوى داخل الجيوش الوطنية.

من منظور ‏مهني ومستقل فإنه لا يمكن فصل هذا التوجه عن رغبات أمريكا  في إعادة تشكيل بنية القرار داخل المؤسسة العسكرية السودانية، بما يضمن جيشًا أقل استقلالية وأكثر قابلية للتأثر بالضغوط الخارجية، فالتيارات الإسلامية داخل الجيش – بغض النظر عن التقييم الأيديولوجي لها – تمثل في نظر الولايات المتحدة عنصرًا صعب الاحتواء، لأنها لا ترتهن بالضرورة للأجندة الأميركية، ولا تنخرط تلقائيًا في منظومة التبعية الأمنية أو السياسية للغرب.

الخطاب الأميركي يتعمد الخلط بين «الإسلاميين» كتيار سياسي أو اجتماعي، وبين ممارسات وانتهاكات وقعت في سياق حرب أهلية معقدة وهي بالمناسبة من جهات متعددة ومتنوعة، وتشارك فيها أطراف متعددة، هذا الخلط يتيح لواشنطن تبرير تدخلها السياسي، وفتح الباب أمام إضعاف مكونات بعينها داخل الجيش، بما يخدم استراتيجية «إدارة الصراع» لا حله، ويُبقي السودان في دائرة الابتزاز الدولي تحت عناوين إنسانية وأخلاقية.

ويرى المركز أن الادعاء بأن تقييد الإسلاميين يخدم «مصلحة السودان» يتجاهل حقيقة أن الجيش، في تركيبته الحالية، يعكس توازنات داخلية فرضتها عقود من الصراع، وأن أي محاولة لإقصاء مكون أيديولوجي بعينه من داخل المؤسسة العسكرية بالقوة السياسية أو الخارجية، لن تؤدي إلى الاستقرار، بل إلى مزيد من التفكك والانقسام.

الخلاصة، إن ما تريده واشنطن ليس جيشًا وطنيًا قويًا ومستقلًا، بل جيشًا منضبط الإيقاع مع أولوياتها الإقليمية. الضيقة والتي تتعارض مع المصلحة الوطنية للسودان ومصلحة العالم العربي والإسلامي ومن هنا، فإن «تقييد الإسلاميين» يبدو أقرب إلى أداة للضبط السياسي الخارجي، لا إلى حرص حقيقي على وحدة السودان أو سيادته أو تنوعه المجتمعي.

جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2025