يوئيل غوزنسكي
يديعوت
ترجمة حضارات
الكاتب هو رئيس برنامج الخليج في معهد دراسات الأمن القومي بجامعة تل أبيب، وزميل أول في معهد الشرق الأوسط في واشنطن العاصمة.
بينما توجد في إسرائيل أصوات أخلاقية قوية، ويرى البعض في الاحتجاجات فرصة تاريخية، فإن دول الخليج تتجنب تماماً توجيه أي انتقاد علني للنظام، ليس بدافع التعاطف، بل بدافع الخوف.
ظاهرياً، ينبغي أن تكون دول الخليج العربي أول من يرحب بأي خطوة أمريكية من شأنها الإضرار بالنظام الإيراني، فهذا نظامٌ جعل من التدخل في شؤون جيرانه منهجاً، وموّل وسلّح وأدار ميليشيات في لبنان والعراق واليمن وسوريا، ويهدد النظام الإقليمي علناً، ويواصل تطوير قدراته النووية والصاروخية بثبات، ورغم أن عواصم الخليج أقرب إلى طهران منها إلى تل أبيب، إلا أن بنيتها التحتية مركزة ومكشوفة، ودفاعها الجوي لا يرقى إلى مستوى إسرائيل.
ومع ذلك، في الوقت الراهن تحديداً، بينما تدرس واشنطن احتمال شنّ هجوم أمريكي على إيران، تُسمع تحذيرات غير مسبوقة من الرياض والدوحة ومسقط، الدول نفسها التي لطالما صنّفت إيران باعتبارها التهديد الاستراتيجي الرئيسي لأمنها، تعمل الآن على منع أي تحرك عسكري ضدها، هذا هو جوهر مفارقة الخليج.
من جهة، الرغبة واضحة: نظام إيراني مختلف. نظام أقل أيديولوجية، وأقل ثورية، لا ينظر إلى دول الخليج كهدف مشروع للضغط أو الابتزاز أو العقاب، ولا يبني قوته الإقليمية عبر وكلاء مسلحين ولا ينخرط في أعمال تخريب ضد دول الخليج، وتدرك هذه الدول جيداً أن استمرار التقدم الإيراني في المجالين النووي والصاروخي يغير موازين القوى لصالحها، ليس كفكرة استراتيجية مجردة، بل كتهديد ملموس لحقول النفط والموانئ ومحطات تحلية المياه والمدن الساحلية.
لكن من جهة أخرى، يُعدّ هذا التهديد نفسه السبب الرئيسي للحذر، فعلى عكس إسرائيل، تُعتبر دول الخليج قريبة من إيران، ويتركز معظم سكانها واقتصادها وبنيتها التحتية في شرائط ساحلية ضيقة مكشوفة تطل على ساحل الخليج، وقد شهدت هذه الدول بشكل مباشر الهجوم الصاروخي والطائرات المسيّرة الإيرانية على منشآت أرامكو في السعودية عام 2019، وتعلّمت درساً بسيطاً حتى الرد الإيراني "المحدود" قد يكون كارثياً.
يُضاف إلى ذلك قلقٌ بالغٌ لا يقلّ أهمية، انهيار النظام الإيراني، وخلافاً للصورة السائدة في الغرب، لا ترى دول الخليج في الانهيار السريع للجمهورية الإسلامية سيناريو مرغوباً فيه، فبالنسبة لها، قد يؤدي سقوط النظام بشكلٍ غير مُسيطر عليه إلى إشعال فتيل عدم استقرار واسع النطاق، صراعات داخلية على السلطة، وتفكك آليات الحكم، وتعزيز العناصر الأكثر تطرفاً، وموجات من اللاجئين المحتملين، والأهم من ذلك كله، فقدان جهةٍ فاعلةٍ لإدارة الأزمات.
وقد أدى ذلك في السنوات الأخيرة إلى ظهور سياسة يمكن وصفها بالانفراج الدولي، إن تجديد العلاقات بين السعودية وإيران عبر الوساطة الصينية، والحوارات الهادئة بين الإمارات العربية المتحدة وطهران، وحذر قطر وعُمان، لا تنبع من أوهام حول طبيعة النظام الإيراني، بل من إدراكٍ واعٍ لتفوق إيران الواضح عليهما.
يُفسر هذا الحذر أيضاً صمت دول الخليج إزاء موجة الاحتجاجات في إيران، فبينما تُسمع في إسرائيل أصواتٌ أخلاقية حازمة، ويرى البعض في الاحتجاجات فرصةً تاريخية، تتجنب دول الخليج تماماً توجيه أي انتقاد علني للنظام، ليس بدافع التعاطف، بل بدافع الخوف، فمن وجهة نظرهم، قد يُنظر إلى التشجيع العلني لتغيير النظام في طهران على أنه تدخل عدائي، في حين أنه ليس من الواضح على الإطلاق ما إذا كانت الاحتجاجات ستنجح.
إن دول الخليج لا تعارض حالياً الهجوم الأمريكي، لأنها تعتقد أن مثل هذه الخطوة غير مبررة من حيث المبدأ، بل لأنها مقتنعة بأن الثمن الفوري سيدفع منها أولاً.
وبنفس المنطق، يعارضون الآن أي هجوم أمريكي، ليس لأنهم يعتقدون أن مثل هذه الخطوة غير مبررة من حيث المبدأ، بل لأنهم مقتنعون بأنهم سيدفعون الثمن أولاً، قد تجد إيران صعوبة في مهاجمة الولايات المتحدة مباشرة، لكن ضرب الخليج، باستخدام الصواريخ أو الطائرات المسيرة أو التخريب البحري أو وكلاء إقليميين، خيار متاح ومألوف وغير مكلف.
إذن، لا تُعدّ مفارقة الخليج تناقضاً، بل استراتيجية، تأمل دول الخليج في تغيير سلوك إيران، فهي تخشى إيران القوية الثورية، وفي ذات الوقت تخشى إيران المتفككة، وتفضل أن تكون إيران ضعيفة منضبطة فاعلة، على أن تكون جريحة وعاضبة وغير متوقعة.
بالنسبة لواشنطن والقدس المحتلة، هذا درسٌ بالغ الأهمية، لم يعد الشرق الأوسط في عام 2026 منقسماً إلى معسكرين واضحين، مؤيدين لإيران ومعارضين لها، تعمل دول الخليج في المقام الأول وفقاً لمنطق الاستقرار والبقاء والاقتصاد، أولئك الذين يتجاهلون هذه المفارقة قد لا يسيئون فهم مواقفهم فحسب، بل قد يقللون أيضاً من شأن التكلفة الإقليمية لأي تحرك عسكري متسرع.