المعارضة منقسمة داخل إيران وخارجها وضربة أمريكية لن تضمن بديلاً للنظام

صحيفة هآرتس

تسفي برئيل

ترجمة حضارات

في شهر يونيو أعلن رضا بهلوي، نجل الشاه المخلوع، أنه يؤسس منصة آمنة يُسجَّل فيها آلاف من موظفي الحكومة الإيرانية، ومن بينهم ضباط في الجيش، المستعدون للتحرك ضد النظام، وفي مقابلة مع مجلة «بوليتيكو» بعد ذلك بشهر، قال إن «هناك بالفعل عشرات الآلاف – والتقدير الأخير نحو 50 ألفاً – وكل أسبوع ينضم آلاف آخرون… المؤشرات قوية جداً»، وبعد ذلك أعلن عزمه على إنشاء منصة أخرى يُسجَّل فيها مواطنون عاديون يرغبون في المشاركة في الثورة المضادة التي يخطط لها.

بهلوي – الذي لم ينجح حتى وقت قريب في الحصول على لقاء مع مسؤولين كبار في البيت الأبيض، ناهيك عن الرئيس دونالد ترامب – يُنظر إليه، على الأقل في نظر نفسه، على أنه الشخص القادر والمستحق لقيادة إيران بعد سقوط النظام الحالي، هذا الأسبوع، وبحسب تقرير لباراك رافيد في «أكسيوس»، التقى بالفعل مع ستيف ويتكوف، لكن لا يُعرف ما الذي قيل في اللقاء، وما إذا كان قد حصل على دعم الإدارة الأمريكية لتحركاته.

لا أحد يعرف فعلاً حجم الدعم الشعبي الذي يحظى به بهلوي، فاستطلاعات الرأي تقدم معطيات متضاربة، وحتى أكثرها إيجابية تضع نسبة التأييد له عند نحو 30 في المئة، وهذه النسبة لا تكفي لاعتباره ممثلاً متفقاً عليه ومقبولاً من غالبية الجمهور.

حذر الإدارة الأمريكية وترددها في هذا السياق في محلهما، فقبل أكثر من ثلاثة عقود، عرض معارض آخر، هو العراقي المنفي الدكتور أحمد الجلبي، خدماته على إدارة الرئيس جورج بوش الأب، ظهر الجلبي آنذاك ومعه «ملف أعمال» ضخم مليء بالوعود بإسقاط نظام صدام حسين وقيادة العراق نحو الديمقراطية بعد النصر.

وعلى عكس بهلوي، نجح الجلبي في كسب ثقة وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، التي وافقت على تحويل نحو مئة مليون دولار إليه لتمويل نشاط «المؤتمر الوطني العراقي»، وهو الإطار التنظيمي الذي أسسه في بريطانيا وضم ممثلين من السنة والشيعة والأكراد وغيرهم، ولاحقاً حصل أيضاً على مخصصات مالية قدرها 97 مليون دولار في إطار «قانون تحرير العراق» الذي وقّعه الرئيس كلينتون عام 1998.

غير أن الجلبي، الذي كان ربما الشخصية الأكثر تأثيراً في قرار الرئيس بوش الابن شن الحرب على العراق عام 2003، تبيّن لاحقاً أنه خدعة، ففي التقرير الذي نشرته لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ الأمريكي عام 2006، قيل عن المعلومات التي نقلها إلى وكالة الاستخبارات بشأن أسلحة الدمار الشامل لدى العراق، إن مصادر مرتبطة بـ«المؤتمر الوطني العراقي» «حاولت التأثير في سياسة الولايات المتحدة في العراق، عبر تقديم معلومات كاذبة من خلال منشقين سُخِّروا لإقناع الولايات المتحدة بأن العراق يمتلك أسلحة دمار شامل».

كما أن الدعم الشعبي الواسع الذي ادعاه تبخر كفقاعة، صحيح أن الجلبي عُيِّن عضواً في مجلس الحكم الانتقالي الذي أقامته الولايات المتحدة في العراق بعد سقوط صدام حسين، لكنه في أول انتخابات حرة جرت في العراق عام 2005، لم يحصل إلا على دعم 30 ألف ناخب فقط من أصل نحو 12 مليوناً، وهو ما لم يمنحه حتى مقعداً واحداً في البرلمان.

بهلوي لا يحمل على عاتقه إرثاً ثقيلاً من الخداع والاحتيال مثل الجلبي، الذي أُدين غيابياً باختلاس أموال من بنك البتراء الأردني الذي عمل فيه، وصدر بحقه حكم بالسجن 22 عاماً، لكن وعوده والطريقة التي يعرض بها قدراته وفرص نجاحه تذكّر بأسلوب الجلبي، وكذلك الشكوك التي يثيرها، فليس من الواضح فعلاً حجم الدعم الشعبي له، ومع أن الاستطلاعات متناقضة، فإن أفضلها يضع التأييد له عند نحو 30 في المئة، وهي نسبة غير كافية لاعتباره ممثلاً متفقاً عليه من قبل غالبية الجمهور.

المشكلة تكمن في أنه عندما يدعو ترامب المتظاهرين في إيران إلى السيطرة على مؤسسات الدولة، وحين تتحول الضربة العسكرية ضد إيران من تحذير وتهديد إلى مسألة «متى وليس هل»، فإن ذلك يضع الإدارة الأمريكية، وكذلك المتظاهرين الإيرانيين، أمام معضلة «اليوم التالي».

فقد وصفت الحائزة على جائزة نوبل نرجس محمدي بهلوي بأنه «معارضة ضد المعارضة»، لكن مع تكرار ذكر اسمه على ألسنة متظاهرين، وفي ظل غياب شخصية أو تنظيم معارض بارز آخر، يتشكل الانطباع بأنه الشخص الذي قد تراهن عليه الإدارة الأمريكية، وبذلك يتحول إلى «القائد الأمريكي» لإيران.

غير أن مشكلة المعارضة الإيرانية لا تقتصر على شخصية بهلوي وحده. فكما تبيّن بعد الاحتجاجات الواسعة التي اندلعت عام 2022 عقب مقتل مهسا أميني على يد «شرطة الأخلاق»، فإن المعارضة في المنفى فشلت أيضاً آنذاك في توحيد صفوفها، وتشكيل جسم تمثيلي قادر على جمع حركات الاحتجاج داخل إيران والنشاط السياسي خارجها.

المؤتمر الذي نظمه نشطاء وممثلون عن منظمات معارضة في واشنطن في فبراير 2023 نجح في تشكيل ائتلاف بين أطراف متناقضة، لكن لفترة قصيرة فقط. فقد شارك فيه، إلى جانب بهلوي، كل من الناشطة في مجال حقوق الإنسان مسيح علي نجاد؛ وحامد إسماعيليان، ممثل عائلات ضحايا إسقاط الطائرة الأوكرانية عام 2020 على يد الحرس الثوري؛ وعبد الله مهتدي، زعيم حزب «كومله» الكردي؛ والحائزة على جائزة نوبل شيرين عبادي؛ والممثلة غلشيفته فرهاني، وُضع في ذلك المؤتمر أساس لخطة عمل استراتيجية للمعارضة، لكن بعد شهرين انسحب بهلوي منها، مما أدى إلى تفكك الائتلاف. وبحسب علي رضا نادر، الذي كان شريكاً له وقرر الانسحاب من تنظيمه، فإن السبب كان التأثير السلبي لمساعدي بهلوي الذين طالبوا الشركاء بتبني فكرة عودة الملكية بوصفها البديل الوحيد للنظام الحالي.

التنافسات الشخصية، التي يمكن تلمّسها من خلال التصريحات القاسية التي يتبادلها ممثلو المعارضة، ليست سوى جزء من المشكلة، ففي مقال نُشر في فبراير 2023، قسّم البروفيسور عطا هودشتيان، عضو مجلس إدارة منظمة «كنديون من أجل الديمقراطية في إيران»، منظمات المعارضة الإيرانية إلى ست فئات رئيسية، منظمات تقوم على أساس إثني، وتشمل الأكراد والبلوش والعرب الأذريين وغيرهم؛ منظمات قومية؛ مؤيدو الملكية؛ منظمات يسارية؛ مسلمون تقدميون؛ والتنظيم اليساري المسلح «مجاهدي خلق». لكنه يؤكد أن هذا التقسيم أيضاً لا يعكس كامل طيف تيارات المعارضة، ففي كل فئة من هذه الفئات تعمل منظمات متنافسة لم تنجح حتى الآن في بناء قاسم مشترك فيما بينها، ناهيك عن التوصل إلى توافق على أساس وطني.

فعلى سبيل المثال، في فئة المنظمات اليسارية يمكن العثور على «منظمة فدائيي الشعب الإيراني»؛ و«حزب اليسار الإيراني»؛ و«حزب توده»؛ و«الجمهوريين المتحدين لإيران»، والانقسام موجود أيضاً بين الأكراد والبلوش، وكذلك بين من يعرّفون أنفسهم قوميين أو ملكيين، الذين لا ينسون فظائع حكم الشاه، أما منظمة «مجاهدي خلق» فلا يُنسى دعمها للعراق في حربه مع إيران.

الرغبة في إسقاط النظام هي القاسم المشترك الوحيد الذي يجمع هذه المنظمات، فهي منقسمة أيديولوجياً، وكذلك في عجزها عن صياغة استراتيجية مشتركة سواء لعملية إسقاط النظام أو لشكل النظام الذي سيخلفه، هذا الانقسام يوضح مدى بعد التقسيم التبسيطي الشائع في الغرب بين «إصلاحيين» و«محافظين»، عن تقديم خريطة سياسية عملية يمكن الاستناد إليها لبناء مسار سياسي واقعي، يضمن ألا تنزلق إيران من مواجهة دامية ضد النظام إلى حرب أهلية على غرار ما حدث في العراق بعد سقوط صدام حسين.

وسؤال آخر لا يقل أهمية هو ما إذا كانت حركة الاحتجاج، التي تفتقر إلى قيادة ويتحمل المشاركون فيها اليوم ثمناً دموياً باهظاً في شوارع إيران، ستوافق أصلاً على قبول قيادة رؤساء منظمات المعارضة في المنفى الذين يقيمون منذ عقود في لندن ونيويورك ولوس أنجلوس؟.

جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2025