صحيفة هآرتس
جاكي خوري
ترجمة حضارات
يُفترض أن يشكّل الإعلان عن إقامة لجنة تكنوقراط لإدارة قطاع غزة، على الأقل على الورق، بداية مرحلة جديدة ومهمة في اتفاق وقف إطلاق النار، وأن يمنح سكان القطاع، الذين يعانون من انهيار إنساني واقتصادي وبنيوي غير مسبوق، قدراً من الأمل، غير أنه، كما في مبادرات كثيرة سابقة، لا تكمن المشكلة الأساسية في النيات المعلنة، بل في الفجوة العميقة بين التصريحات وبين القدرة على تنفيذها على أرض الواقع.
قطاع غزة – بما في ذلك المناطق الواقعة غرب الخط الأصفر، حيث تتركز غالبية السكان بكثافة غير مسبوقة في تاريخ القطاع – هو منطقة منكوبة، أحياء كاملة مدمرة، أنظمة المياه والكهرباء منهارة، المؤسسات المدنية معطلة، وسكان منهكون يكافحون يومياً من أجل البقاء، واقع كهذا لا يمكن التعافي منه بالاعتماد على قوى محلية فقط، ولا بواسطة لجنة مدنية وحدها، مهما بلغت مهنيتها، هذا الواقع يتطلب تعبئة دولية واسعة النطاق وتعاوناً كاملاً من الجهة التي تسيطر فعلياً على جميع المعابر إسرائيل.
تعيين الشخصيات في اللجنة، التي توصف بأنها مستقلة حتى وإن كانت لبعض أعضائها صلات معروفة بحركة فتح أو بمؤسسات سابقة للسلطة الفلسطينية، حظي بمباركة جميع الفصائل الفلسطينية، بما فيها حماس والجهاد الإسلامي، وكذلك بمباركة مكتب الرئيس محمود عباس والسلطة الفلسطينية. وسواء كانت هذه المباركة صادقة أم مفروضة، فإن هذا الإجماع الواسع يهدف إلى بث رسالة التزام جماعي بإنجاح الخطوة، إلا أن هذا الالتزام، في الواقع، لا يضمن شيئاً. فالحقيقة البسيطة هي أن نجاح اللجنة وأعضائها لا يعتمد على حماس ولا على السلطة الفلسطينية، وبالتأكيد ليس على الجمهور الفلسطيني المنهك في غزة، المفتاح موجود في الساحة الدولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، وكذلك بيد الدول المانحة وقدرتها على توفير ما تحتاجه لجنة كهذه فعلاً، حزمة أدوات كاملة وخطة عمل واضحة.
فرص النجاح يمكن أن تتجسد في الجدول الزمني للإعلان عن مجلس السلام، ثم في عقد مؤتمر الدول المانحة، وتحديد ما إذا كانت ستضخ تمويلاً وبأي حجم.
أولاً وقبل كل شيء، يدور الحديث عن تمويل وميزانيات بحجوم لا تستطيع تحملها إلا دول كبرى ودول غنية. من دون أموال لا يوجد إعمار، ومن دون إعمار لا توجد استقرار، إلى جانب ذلك، هناك حاجة إلى إنشاء قوة شرطة فعالة، وربما دولية، توفر الأمن والنظام العام على الأرض. لكن قوة كهذه، سواء كانت عربية ـ إسلامية أو دولية، تتطلب إجابة عن سؤال ولايتها: هل هي قوة لحفظ السلام أم قوة مكلّفة بالاشتباك مع مسلحي حماس؟ وإذا تقرر الاشتباك، فهل هناك من سيتطوع لإرسال جنود إلى غزة؟ وإذا كانت قوة شرطة وحفظ سلام، فمن سيتولى نزع سلاح حماس، ولمن ستسلّم حماس سلاحها؟ لا توجد حتى الآن إجابات عن هذه الأسئلة.
إلى ذلك يجب إضافة أن أي آلية مدنية أو أمنية، أو أي لجنة، لا يمكنها العمل من دون إرادة إسرائيلية حقيقية بإنجاح الخطوة، هذه الإرادة لا يمكن أن تقتصر على التصريحات، بل تشمل أيضاً إزالة العوائق، تسريع إدخال المساعدات، المصادقة على مشاريع إعادة الإعمار، فتح معبر رفح، والانسحاب التدريجي من القطاع، وإلا فإن العملية برمتها قد تتحول إلى احتفال دبلوماسي آخر فارغ من المضمون.
أحد الأسماء المطروحة لعضوية اللجنة أكد في حديث مع «هآرتس» أن الخطوة الدراماتيكية ليست في تعيين اللجنة، بل في كيفية أدائها الفعلي. وشدد على أن غزة ليست في صدارة أولويات العالم ولا أولويات ترامب، في ظل التطورات في إيران وفنزويلا، ولذلك فإن كل شيء يجري في حالة من الضبابية، وتقدير جميع المنخرطين في هذه التحركات هو أن فرص النجاح قد تتجلى في الجدول الزمني للإعلان عن مجلس السلام، ثم في عقد مؤتمر للدول المانحة، وتحديد ما إذا كانت ستضخ تمويلاً وبأي حجم.
أسئلة كثيرة ما زالت معلقة في الهواء، وطالما لا توجد إجابات عليها جميعاً، ولا يوجد ضغط دولي فعّال على إسرائيل ولا إرادة حقيقية من الولايات المتحدة للمضي قدماً، فلن يحدث تغيير جوهري في القطاع، وستبقى غزة غارقة في الوحل شتاءً وفي الرمال صيفاً لأشهر، وربما لسنوات.