حماس حركة تحرر لن تسلم سلاحها ولو أدى ذلك الى هلاكها

جاكي خوري

معاريف

ترجمة حضارات

لا أحد يتحدث عن نزع سلاح حماس، لا في القدس ولا من الجانب الأمريكي، لدى إسرائيل سيناريوهان للقيام بذلك، كل منهما أكثر إشكالية من الآخر.

وكأنما دون أن يدركوا، اختفى وعد نزع سلاح حماس من الخطاب الإعلامي الإسرائيلي، لا أحد يلتزم به، ولا صحفي يلحّ على صانعي القرار بالأسئلة، من يعود إلى الوراء عامًا أو أقل سيجد أن هذه المهمة كانت على رأس قائمة الشروط التي حددها بنيامين نتنياهو لإنهاء الحرب، بل إنه كررها عدة مرات في خطاباته، وحتى حينها، كان وعدًا مبالغًا فيه، ليس لأنه كان ظالمًا، بل لأنه كان معقدًا للغاية.

ليس الأمر مستحيلاً، فسنة أخرى من القتال، وربما أكثر قليلاً، قد تُوصل حماس إلى غايتها المنشودة، لكن دونالد ترامب قد أزال الغطاء عن هذه الحرب، وكل هجوم لجيش الاحتلال  الإسرائيلي هذه الأيام يُنفذ بطريقة مدروسة، بموافقة القيادة الأمريكية في كريات جات، وبأسلوب، وإن كان مؤلماً لحماس ومضايقاً لشعبها، إلا أنه لا يخدم هدف تدميرها، علاوة على ذلك، ترى حماس في خطة ترامب فرصة للبقاء، ومن المفارقات، أنه يمكن القول إنها قد تُنقذ الحركة وجناحها العسكري من المصير المرير الذي أعدته إسرائيل.

لا تُعدّ مهمة نزع سلاح حماس على رأس أولويات الدول المتورطة في غزة، ليس لعدم رغبتها بذلك، بل بسبب القيود المفروضة عليها، ستكون مصر سعيدة بحلّها، وكذلك الإمارات العربية المتحدة التي تقود حملة سرية لمكافحة التنظيمات الجهادية منذ سنوات، أما الأردنيون، فسيكونون أسعدهم، لأن حماس تستغلها لأغراضها الخاصة، وفي السنوات الأخيرة، تم تهريب كميات كبيرة من الأسلحة من أراضيها إلى المسلحين في الضفة الغربية، كما سيكون ترامب، الذي يُروّج لحملة ضد جماعة الإخوان المسلمين وفروعها المختلفة، سعيدًا بذلك أيضًا.

لكن ماذا بعد؟ جميعهم لديهم مهمةٌ أهم، ألا وهي إعادة بناء غزة، مصالحهم اقتصادية وأمنية، ستجلب إعادة تأهيل غزة امتيازات بناء لعشرات شركات العقارات وشركات المقاولات الدولية، وهذا مصدر دخلٍ مجزٍ، الاستقرار الأمني ضروري لضمان تدفق الاستثمارات اللازمة لتمويل هذا المشروع.

إذن، كيف ينظر كل هؤلاء اللاعبين إلى حماس في السنوات القادمة؟ يفترضون أن حماس لن تتخلى عن سلاحها من تلقاء نفسها، بل سيتعين على جهات أخرى القيام بذلك نيابةً عنها، لجنة الإدارة الفلسطينية، التي أُعلن عنها هذا الأسبوع بالتعاون مع حماس والسلطة الفلسطينية، تهدف فقط إلى تلبية الاحتياجات المدنية للسكان، أعضاؤها خمسة عشر شخصًا، جميعهم من ذوي الخبرة في مجالات مختلفة، يفتقرون إلى أي تفويض أمني أو هذا النوع من المعرفة.

لن تُسهّل حماس الأمور على من يسعون لنزع سلاحها، فحماس بطبيعتها حركة تحرير ونضال، ورسالتها الأساسية تغيير الواقع، وهذا هو هدفها من الوجود، ووسيلة تحقيق هذا التغيير هي التمسك بقضيتها، غايتها البقاء بأي ثمن، وإلا لكان من الأنسب تحويلها إلى طرف أعزل، وعندما تُحرم من تغيير الواقع، ستُقاتل وتُضحّي، حتى لو أدى ذلك إلى هلاكها، لذا، لن تتخلى عن وسيلة تحقيق هدفها، ألا وهي السلاح.

لنزع سلاح حماس، لا بد من استخدام القوة، لا القوة العسكرية فحسب، وقد وضع المصريون خطةً لتحقيق ذلك، تبناها البيت الأبيض، تتضمن الخطة إقصاء حماس من جميع المناصب الرسمية وإعادة السلطة إلى غزة، بعد ذلك، سيتم جمع الاستثمارات لإعادة إعمار القطاع، على أن تتم إعادة الإعمار في غياب حماس عن السلطة، ستتولى قوة أجنبية، تحت إشراف دولي، مسؤولية الأمن، فإذا لم تكن حماس في السلطة، سيُعهد بالأمن إلى جهات أخرى، ولن تصلها الأموال، بل ستجف من تلقاء نفسها.

يتطلب هذا السيناريو الصبر والمثابرة، وينطوي على قدر من المجازفة، فليس من المعروف، على سبيل المثال، ما إذا كانت حماس ستقاتل القوات الأجنبية التي تهدد سيطرتها وتجبرها على الاستسلام، في هذه الحالة، قد ينسحب المستثمرون، والأهم من ذلك، أنه ليس من المعروف ما إذا كانت إسرائيل ستوافق على التريث بعد السابع من أكتوبر.

وثمة خيار آخر مطروح، وهو استمرار الحرب بقيادة إسرائيلية، فقد أعادت حماس معظم الرهائن، وبالتالي لم تعد أيدي الجيش الإسرائيلي مقيدة كما كانت من قبل، كل ما يحتاجه هو أمر بالتدخل وإتمام المهمة، لكن هذا الحل محفوف بالمخاطر أيضاً.

سننجح في القضاء على حماس، لكن السؤال هو ما سيحدث بعد ذلك، في مهمتها، سيقتل الجيش الإسرائيلي الكثيرين ويدمر المباني والبنية التحتية، سيؤدي القتال إلى تآكل نسيج الحياة في قطاع غزة، بل وسيدمر ما تبقى من الهيكل التنظيمي هناك، عند رؤية ذلك، قد تنسحب الدول الملتزمة بالحل، بقيادة الولايات المتحدة، حاملةً معها حسن النية والأموال، حينها لن يبقى لنا سوى مليوني فلسطيني فقير، مُنهكين من ويلات الحرب، دون حماس.

لا أحد يضمن أننا سنعرف كيف نبني واقعًا جديدًا هناك بعد القضاء التام على حماس، لقد أثبتت إسرائيل على مر السنين أنها تواجه صعوبة في بناء واقع سياسي جديد، هذه مهمة تتطلب الصبر، والتفهم الإنساني، والقدرة على التعامل مع التحديات المعقدة في مجتمع أجنبي، وإدراك أن الحل المنشود سيأتي خلال سنوات وليس على الفور، والصبر ليس سمة بارزة بين صناع القرار في إسرائيل.

بل إن هناك اختلافاً بين الخبراء حول المقصود بعبارة "نزع سلاح حماس"، فمن الممكن نزع سلاحها بالكامل، وهو أمر لن تقوم به بإرادتها الحرة، كما يمكنها السعي إلى نزع سلاح جزئي، أي تدمير الأنفاق والصواريخ وورش تصنيع الأسلحة، مع الإبقاء على الأسلحة للدفاع عن نفسها ضد الأعداء المحليين، وهم كثر هذه الأيام.

أعلن المبعوث الأمريكي إلى المنطقة، ستيف ويتكوف، مؤخراً، عن بدء المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار، وكتب على حسابه في شبكة إكس (تويتر سابقاً) أنه سيتم نزع سلاح جميع العناصر غير المصرح لها في قطاع غزة، دون أن يوضح آلية ذلك، هذا التصريح لا يبشر بالخير لإسرائيل، إذ توجد أيضاً أربع ميليشيات في قطاع غزة تدعمها إسرائيل، وكأنّ ضعف دوافع إسرائيل لتفكيك حماس لم يكن كافياً، يُلمّح المسؤول الأمريكي هنا إلى ضرورة إشراك القوات الموالية للجيش الإسرائيلي في هذه العملية أيضاً.

جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2025