أولاً: مقدمة
لقد جاء الإعلان عن تشكيل ما يُسمى بـ "مجلس السلام" والهيئات التابعة له لإدارة قطاع غزة خلال المرحلة الانتقالية، ليكشف عن تراجع قدرة إسرائيل على فرض "الفيتو" السياسي ، أو التحكم بصورة واضحة بترتيبات ما بعد الحرب، وذلك رغم محاولاتها العلنية والسرية للتدخل في صياغة المجلس وهوية أعضائه. وخلافاً لما يروجه مكتب نتنياهو، فإن المعلومات المتاحة، وفقا لمصادر إسرائيلية، تشير إلى أن إسرائيل كانت على علم بالترتيبات وحاولت التدخل فعلياً، لكنها فشلت في ذلك.
إن هذا الفشل لا يعني أن إسرائيل قد خرجت من المعادلة بل قد يكون مؤشرا إلى نوع من التحول الهام بحيث أصبحت طرف أو جانب يقيد الحسابات الأمريكية والإقليمية الواسعة ولكنها لم تعد طرفا مهيمنا بالفعل ،ويبدو أنّ التعامل مع ملف غزة أصبح تعاملا دوليا وليس ملفا خاضعا بشكل كامل للسيطرة الإسرائيلية.
ثانياً: ما هي الرسائل السياسية لمجلس السلام؟
يترأس المجلس الرئيس دونالد ترامب، ويضم شخصيات أمريكية وغربية ورجال أعمال، إلى جانب أدوار استشارية وإدارية منفصلة. ويحمل هذا التشكيل ثلاث رسائل أساسية:
الرسالة الأولى: أمركة القرار النهائي: وضع ملف غزة تحت الإشراف المباشر للرئاسة الأمريكية، مما يقلص هامش المناورة الإسرائيلي.
الرسالة الثانية: التدويل المنضبط: إشراك شخصيات دولية (بريطانية وأوروبية) لإضفاء الشرعية، دون نقل الصلاحيات إلى الأمم المتحدة.
الرسالة الثالثة:الفصل بين الإدارة والقرار السياسي: لجان "تستشار" ولا تحكم، مما يتيح لواشنطن موازنة المصالح دون الالتزام بتبعات قانونية ملزمة. من منظور فلسطيني، يضع هذا الإطار غزة ضمن سياق "إداري وأمني"، بدلاً من كونها جزءاً من عملية تحرر وطني، وهو اختزال مثير للقلق.
ثالثاً: الفشل الإسرائيلي، لماذا؟
يمكن تفسير عجز إسرائيل عن فرض إرادتها عبر ثلاثة عوامل متداخلة :
1.تآكل المشروعية: أدت الحرب الطويلة وتبعاتها الإنسانية إلى صعوبة
تسويق "الهيمنة" الإسرائيلية على ترتيبات اليوم التالي.
2.تضارب الأجندات: حيث أن الرؤية الأمريكية القائمة على (نزع السلاح، الحكم التكنوقراطي، وإعادة الإعمار) لا تتطابق تماماً مع الرغبة الإسرائيلية في تحقيق الأمن دون أفق سياسي، انسجام مع كونها قوة احتلال عسكري غاشم.
3.تصاعد الثقل الإقليمي: إن إشراك تركيا وقطر ومصر والإمارات يعكس قناعة أمريكية باستحالة إدارة غزة بمعزل عن المحيط الإقليمي.
رابعاً: التكنوقراط الفلسطيني.. إدارة بلا سيادة يُطرح تعيين "اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة" برئاسة شخصية تكنوقراطية فلسطينية
كحل وسط، لكنه في الجوهر ينقل السلطة الإدارية دون نقل السيادة يُحمل الفلسطينيين مسؤولية "إعادة التأهيل" مع إبقاء الاحتلال بعيداً عن المساءلة..
يعمل كجسر لنزع سلاح المقاومة دون معالجة جذور الصراع. تكمن الخطورة من وجهة نظر عربية وفلسطينية في تطبيع إدارة ما بعد الحرب مع الحفاظ على هيكلية الاحتلال والتحكم الخارجي.
خامساً: قوة الاستقرار الدولية.. الحاضر الغائب
لا تزال النية المعلنة لإنشاء "قوة استقرار دولية" تفتقر إلى اتفاقات ملموسة. ورغم تسمية قائد أمريكي مرشح لها، فإن غياب الدول الملتزمة بالمشاركة يشير إلى: تخوف دولي من التورط الميداني، إضافة إلى الخشية من التحول إلى أداة تصادم مع الشعب الفلسطيني في غزة،
الإدراك بأن القيام بنزع سلاح المقاومة بشكل قصري وبدون أن يكون هناك حلّ سياسي، هو أمر محكوم عليه بالفشل.
سادساً: قراءة نقدية للموقف الإسرائيلي المتوقع.
من المرجح أن تنتهج إسرائيل المسارات التالية: أولا العمل على نزع الشرعية، إعلاميا، عن هذه المجالس واللجان ككيانات بيروقراطية.
محاولة العمل بطريقة غير مباشرة من خلال فرض شروط أمنية في الميدان. كذلك قد تراهن إسرائيل على عامل الوقت من أجل إعادة فرض الأمر الواقع بقوة السلاح،
من الواضح أن هذا السلوك يعكس أزمة إسرائيلية استراتيجية، إسرائيل لم تعد تتحكم بالأمور فهي غير قادرة على تشكيل" اليوم التالي" وحدها ولكنها وفي نفس الوقت ترفض بشدة أي مسار يؤدي إلى دولة فلسطينية ذات سيادة
سابعاً: خلاصات "مركز حضارات"
١-ما يجري ليس "حلاً سياسياً"، بل هو إدارة دولية مؤقتة للأزمة،
٢-فشل دولة الاحتلال في فرض كامل إرادتها يؤشر على تآكل السيطرة الأحادية، وليس تحولاً جذرياً في موازين القوى.
٣-الخطر الفلسطيني الأكبر يكمن في تحويل غزة إلى نموذج لـ "الحكم منزوع السياسة"، حيث تُدار الحياة اليومية دون حقوق سيادية
٤-أي عملية لا تربط الإعمار بإنهاء الاحتلال وتقرير المصير ستؤدي إلى إعادة إنتاج الصراع بصور جديدة.
ختاما ومن منظور فلسطيني ، لا يمكن قراءة "مجلس السلام" إلا كترتيب انتقالي مفروض من الخارج، يعكس توازنات القوى الدولية أكثر مما يعكس العدالة. إن فشل إسرائيل في فرض إرادتها لا يشكل انتصاراً آلياً للشعب الفلسطيني، لكنه يفتح ثغرة لإعادة طرح السؤال الجوهري: من يحكم غزة، ولماذا، وبأي شرعية؟
يدعو "مركز حضارات" إلى تبني مقاربة فلسطينية عربية موحدة تربط أي إدارة انتقالية بجدول زمني واضح لإنهاء الاحتلال، وتمنع اختزال القضية الفلسطينية في ملف إداري أمني بحت.