أنا ربكم الأعلى

عثمان بلال

باحث ومختص بالشأن الصهيوني

ترامب الفرعون وأزمة الدستور في الولايات المتحدة الأميركية
يعرض هذا النص قراءة تحليلية مكثفة للرئاسة الثانية لدونالد ترامب بوصفها نقطة تحوّل خطِرة في بنية النظام الأميركي، لا مجرد ولاية مثيرة للجدل. الفكرة المركزية أن ترامب لم يكتفِ بتغيير سياسات، بل أعاد تعريف معنى السلطة نفسها عبر تفريغ الدستور من مضمونه العملي، مستفيدًا من خضوع حزبه، وشلل الكونغرس، ومحكمة عليا متعاطفة، ما أفرغ منظومة “الضوابط والتوازنات” من فعاليتها.
داخليًا، اعتمد ترامب حكمًا تنفيذيًا فرديًا واسعًا، مستخدمًا صلاحيات طوارئ لتجاوز الكونغرس. أطلق حملة تطهير غير مسبوقة داخل الإدارة الفيدرالية، أطاح خلالها بالمهنيين والخبراء واستبدلهم بولاء شخصي، موجّهًا ضربة عميقة لمؤسسات الدولة والخدمات العامة. اقتصاديًا، أخفق في معالجة غلاء المعيشة؛ إذ أسهمت الرسوم الجمركية ووقف دعم التأمين الصحي في تآكل القدرة الشرائية، بينما حُصرت المكاسب في دائرة الأثرياء. أما في ملف الهجرة، فنجح في خفض العبور غير الشرعي، لكن بثمن إنساني وقانوني باهظ، شمل اعتقال مواطنين أميركيين وأطفال، وترحيلًا تعسفيًا، وانتهاكات ممنهجة.
هوياتيًا وإعلاميًا، عمل على إعادة “الطابع الأبيض” للمؤسسات، وألغى سياسات التنوع، وشنّ هجومًا مباشرًا على الصحافة، ما أدى إلى تراجع حاد في حرية الإعلام. تحوّل النقد إلى تهديد شخصي، وتقلّصت المساحة العامة للنقاش الديمقراطي، في مؤشر على انتقال السلطة من المساءلة إلى التخويف.
خارجيًا، ناقض ترامب ادعاءه بالانعزال، فوسّع التدخلات العسكرية وفشل في إنهاء حرب أوكرانيا. عقيدته الحقيقية ليست الانكفاء، بل الإمبريالية: عالم تحكمه ثلاث قوى كبرى، مع إحياء “عقيدة مونرو” وتفكيك التحالفات التقليدية، حتى على حساب الناتو. في هذا التصور، تُختزل السيادة والموارد إلى مسائل قوة لا قانون.
في الفساد وتداخل المصالح، شهدت الولاية تضخمًا غير مسبوق في ثروة الرئيس، خصوصًا عبر العملات الرقمية وصفقات خارجية، مع نشوء ما يشبه “سوقًا للعفو الرئاسي”، ما حوّل الرئاسة إلى أداة منفعة شخصية بلا رادع فعلي.
الخلاصة:
ترامب لا يحكم ضمن النظام بل فوقه. الخطر لا يكمن في قرار بعينه، بل في تحويل الجمهورية إلى حكم شخصي عبر تعطيل التوازنات، وتطبيع تجاوز القانون، وتجريد الديمقراطية من أدوات الدفاع عن نفسها. انتخابات 2026 تمثل اختبارًا حاسمًا: إما استعادة رقابة مؤسساتية حقيقية، أو ترسيخ مسار نحو حكم فردي طويل الأمد.
ملاحظة: هذا النص معالجة تحليلية لمقال الكاتبة تسيبي شميلفوتش /نيويورك 
عن واي نت

جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2025