بقلم/ عثمان بلال
في كنيست الاحتلال يتكشف اليوم مشهد إضافي من الصراع الداخلي المحتدم حول هوية الكيان الصهيوني ومستقبله، ليس بوصفه خلافًا إجرائيًا حول آلية تحقيق، بل باعتباره مواجهة سياسية–دستورية عميقة بين منطق قوة القانون ومنطق قوة التحالفات الحاكمة.
الجدل الدائر حول تشكيل لجنة تحقيق في إخفاقات الطوفان (7 أكتوبر) لا يمكن فصله عن المسار الذي يقوده اليمين الصهيوني، المتحالف مع مراكز الفساد داخل الليكود، في محاولة لإعادة صياغة النظام الداخلي، وتعزيز هيمنة حكّام تل أبيب، وتقليص دور القضاء وتهميش محكمة عدلهم العليا، بوصفها آخر أدوات الضبط المؤسسي داخل الكيان.
المفارقة اللافتة أن هذا الجدل يجري في المكان ذاته ولكن في غرفتين متناقضتين داخل الكنيست، غرفة أولى تمثل حكومة الكيان، وتدفع باتجاه تشكيل لجنة تحقيق “سياسية” تُرسم حدودها وأسئلتها وفق اعتبارات الائتلاف ومصالحه، وغرفة ثانية تمثل المعارضة الصهيونية وعائلات القتلى، وتتخذ طابعًا احتجاجيًا واضحًا، مطالِبةً بلجنة تحقيق رسمية مستقلة باعتبارها الحد الأدنى من المساءلة بعد أكبر إخفاق أمني عرفه الكيان منذ تأسيسه.
هذا الانقسام لا يعكس خلافًا تقنيًا حول شكل اللجنة فحسب، بل يكشف جوهر البنية الصهيونية ذات الوجهين: كيان يمارس أقصى درجات التوحش والانفلات من أي ضوابط قانونية تجاه الفلسطينيين والعرب، بينما يحرص داخليًا على تسويق نفسه كـ“دولة قانون وديمقراطية”، غير أن لحظة 7 أكتوبر كشفت هشاشة هذا الادعاء، وأظهرت أن “الديمقراطية الصهيونية” نفسها باتت موضع نزاع داخلي عندما تقترب من مساءلة السلطة السياسية والعسكرية.
محاولة حكومة الكيان الالتفاف على المحكمة العليا، ورفضها القاطع لتشكيل لجنة تحقيق رسمية مستقلة، لا تعكس حرصًا على مبدأ فصل السلطات كما تدّعي، بل سعيًا مكشوفًا لإفراغ هذا المبدأ من مضمونه، فالخطاب الذي يصوّر تدخل القضاء كـ“انقلاب على الديمقراطية” يقوم على قلب الحقائق، حيث تُقدَّم المساءلة باعتبارها تهديدًا سياسيًا، لا ضرورة بنيوية لأي نظام يدّعي الاستقرار والشرعية.
في المقابل، ترى المعارضة الصهيونية وعائلات القتلى أن لجنة تحقيق سياسية ليست سوى أداة لتدوير الفشل، ووسيلة لاحتواء الغضب الشعبي، وفتح الطريق أمام تبرئة منظّمة لمراكز القرار، لذلك تحوّل سؤال التحقيق إلى سؤال وجودي: من يحقق مع من؟ وهل يمكن لمن تسبّب بالإخفاق أن يكون هو الحكم في قضيته؟
الأكثر دلالة في هذا المشهد هو التحول النوعي الذي شهدته عائلات القتلى، والتي خرجت من موقع الضحية المدعاه الصامتة إلى موقع الفاعل السياسي والأخلاقي المستقل. إقامة “لجنة بديلة” داخل الكنيست تمثل فعل اتهام مباشر للمؤسسة الحاكمة في الكيان، ورسالة واضحة بأن الثقة بين المجتمع الصهيوني وسلطته السياسية قد تصدعت على نحو عميق، كيان عجز عن حماية مستوطنيه يوم الهجوم، يُتَّهم اليوم بالعجز – أو الرفض المتعمد – عن محاسبة نفسه على ذلك الفشل.
في المحصلة، لا يدور الجدل حول لجنة تحقيق فحسب، بل حول مستقبل النظام السياسي الصهيوني برمّته. فإما أن تُفرض المساءلة بوصفها قاعدة ناظمة، أو يُكرَّس الإفلات من العقاب كسابقة خطيرة تعمّق أزمة الشرعية، استمرار هذا الصراع يضيف صدعًا جديدًا إلى البنية الداخلية للكيان، صدعًا يعمّق التناقضات بين مؤسساته السياسية والقضائية والمجتمعية، ويؤكد مرة أخرى حقيقة لطالما سعى المشروع الصهيوني إلى إنكارها: كيان يقوم على القوة وحدها، سرعان ما يبدأ بالتآكل من الداخل عندما يُطالب بالحقيقة.
وفي ميزان الصراع الأوسع، فإن هذا التآكل الداخلي، وهذا العجز عن التماسك، يعيدان التذكير بالمفارقة القرآنية الدالة: «وقلوبهم شتّى» في مواجهة شعب يُطالَب دومًا بأن يكون «صفًا كأنه بنيان مرصوص».