يبدو أن ما يُطرح اليوم تحت عنوان مجلس السلام يتجاوز كونه مبادرة سياسية عابرة أو إطارا مؤقتا لمعالجة أزمة محددة في قطاع غزة، ليقترب أكثر من كونه محاولة لإعادة تعريف أدوات النظام الدولي، وصياغة مسار مواز أو بديل تدريجي لمؤسسات دولية تقليدية أصابها الشلل، وفي مقدمتها مجلس الأمن.
الفكرة المعلنة تقوم على تشكيل مجلس يضم لاحقا رؤساء دول عربية وإقليمية ودولية وأوروبية، ويتسع شيئا فشيئا، بدءا من غزة، ثم التمدد إلى الشرق الأوسط، وربما إلى فضاءات أبعد. هذا المسار يطرح أسئلة عميقة حول طبيعة الدور، وحدود الصلاحيات، والوظيفة الحقيقية لهذا المجلس: هل نحن أمام مجلس سلام فعلي، أم أمام أداة جديدة لإعادة إدارة الصراعات وصياغة موازين القوى؟
الولايات المتحدة، التي تقف خلف هذا التوجه، تدرك أن مجلس الأمن لم يعد قادرا على إنتاج قرارات فاعلة في القضايا الكبرى، بفعل الفيتو المتبادل، وتوازنات القوى الصلبة، وصعود منافسين دوليين كالصين وروسيا. من هنا، قد يكون مجلس السلام محاولة للالتفاف على هذا الجمود، عبر خلق منصة أكثر مرونة، وأقل خضوعا لتعقيدات الشرعية الدولية الكلاسيكية.
لكن السؤال الأهم: هل ستقبل بكين وموسكو، ومعهما قوى دولية صاعدة، بتعاظم دور مجلس كهذا، ومنحه صلاحيات سياسية وأمنية واقتصادية متراكمة؟ أم أنهما ستنظران إليه بوصفه أداة أمريكية ناعمة لإعادة إنتاج الهيمنة، ولكن بوسائل مختلفة، وبخطاب أكثر إنسانية؟
في الحالة الفلسطينية، وتحديدا في قطاع غزة، قد يحمل هذا المجلس فرصا حقيقية لإعادة الإعمار، وتحقيق قدر من الاستقرار، وتخفيف المعاناة، وهو أمر لا يمكن التقليل من أهميته. غير أن التجربة التاريخية تعلمنا أن الاستقرار الذي لا يقوم على عدالة سياسية، ولا يعالج جذور الصراع، يبقى استقرارا هشا، قابلا للانفجار عند أول اختبار.
الخشية الحقيقية أن يتحول مجلس السلام، مع الزمن، من أداة لإدارة الأزمات، إلى مجلس حرب بوجه آخر، يعيد رسم خرائط النفوذ، ويغير المعادلات السياسية والأمنية في الشرق الأوسط، ثم يُستخدم كنموذج قابل للتعميم عالميا، خارج إطار الأمم المتحدة، وبدون ضوابط التوازن الدولي التقليدي.
لسنا أمام فكرة بسيطة، ولا أمام مشروع تقني. نحن أمام لحظة مفصلية قد تعكس بداية تشكل نظام دولي جديد، أو على الأقل محاولة جادة لإعادة هندسة النظام القائم. النجاح أو الفشل هنا لا يُقاس فقط بما سيحدث في غزة، بل بكيفية تفاعل الإقليم والعالم مع هذا المسار، وبقدرة القوى الدولية الأخرى على القبول به أو مقاومته.
ويبقى السؤال مفتوحا: هل سيكون مجلس السلام جسرا نحو الاستقرار الحقيقي، أم بوابة واسعة لإعادة إنتاج الصراعات بصيغة جديدة؟ الزمن وحده كفيل بالإجابة، لكن المؤكد أن ما يجري يستحق قراءة عميقة، وحذرا سياسيا، وعدم الاندفاع وراء العناوين البراقة قبل اختبار الوقائع.