في ساحتنا الفلسطينية، يتحامل البعض على منشوراتي، ويرجمونني بالكلام الجارح والاعتراض الصارخ، وأتعرض للشتم والسب والتهديد أحياناً بالقتل والعذاب، وذلك لأنني انتقد الموقف السياسي لرئيس السلطة محمود عباس، واعترض على نهجه في إدارة الشأن الفلسطيني، وفي الوقت نفسه لا أكف عن انتقاد غياب قيادة منظمة التحرير الفلسطينية عن ساحة الفعل، وسوءتهم السياسية، وغيابهم عن المشهد، وجمودهم الراسخ في التعاطي مع الواقع الفلسطيني المتحرك.
لما سبق، يهاجمني البعض شخصياً، دون أن يكلفوا أنفسهم عناء مناقشة الصواب والخطأ في منشوراتي، هم لا يعترضون على الفكرة بالفكرة، ولا يعترضون بالمنطق والحكمة ما أتهم به قيادة الشعب الفلسطيني من قصور وخذلان، هم يهاجمونني شخصياً من منطلق أنهم من غزية إن غزت، وإن لم تغز غزية فهم قاعدون، ظناً منهم بأن الرئيس مقدس، وفوق النقد والاعتراض، وأن الرئيس لا ينطق عن الهوى، ولا يجري عليه ما يجري على بقية البشر، وأن قادة منظمة التحرير الفلسطينية ملائكة، نزلوا علينا من السماء بثياب بيضاء لم يمسها الغبش.
وهنا أقول: نحن بني البشر سكان الكرة الأرضية، لا قداسة لإنسان بيننا، طالما يعيش معنا تحت سقف العرش، فطالما كان مسؤولاً في موقع رئيس سلطة أو رئيس مؤسسة أو في موقع شرطي حراسة، فهو إنسان مثلنا؛ يخطئ ويصيب، وهو دون النزاهة والقداسة، هو بشر مثلنا تماماً، له مزاجه وأهواؤه ومصالحه وأغراضه الدنيوية، ومن واجبنا كعقلاء أو نشطاء أن نقف موقف الناقد من الخطأ، وبغض النظر عن كيان المخطئ.
النقد لأخطاء المسؤولين بدءاً من الرئيس وحتى الحارس البسيط أو عامل النظافة المقصر، هو جزء من حرية الرأي والتفكير والتعبير، وحرية الرأي هي الشرط الأول لنشر المحبة والاحترام بين الناس، فحرية الرأي وحرية التعبير والنقد هي النقيض المنطقي لجمود الفكر، والتعصب الأعمى لشخص أو لتنظيم أو لعائلة أو لموقع وظيفي أو لفكرة.
وحرية الرأي تجيز لنا انتقاد سياسية الجميع بما فيهم الرئيس والزعيم والقائد والأمير والكبير والصغير والتنظيم والمختار ومدير مؤسسة توزيع المساعدات، وطريقة التوزيع.
انتقاد سياسة الشخص وأفكاره ونهجه عمل مشروع وقانوني عند كل الأمم، بما في ذلك أعداؤنا الصهاينة، وداخل أمريكا نفسها ينتقدون ترامب، ويعيبون عليه سياسته.
وما الحقد والكراهية والانقسام داخل المجتمع إلا نتيجة للقمع الفكري، ولسياسة تقديس الفرد، وعبادة التنظيم، والتعصب للموقف، حيث يصل انغلاق البعض على أفكارهم حد الثقة بأن رئيسهم أو تنظيمهم أو مختارهم أو مسؤولهم في العمل مقدس، ووصل حد الكمال، حتى صار منزهاً عن الخطأ.
لذلك أقول لمن يتعصب لرئيس أو لتنظيم أو لشخص: راجعوا معتقداتكم، فطالما كان التنظيم والرئيس ومسؤول الجمعية الذي أطعمك من جوعٍ ما دون العرش، إذن فهو كائن حي، هو بشر مثلنا، يجتهد ويخطئ ويصيب، ومن واجبنا كعقلاء أن نقول له: أخطأت، سياستك غلط، نهجك أضر بنا، وأفقدنا الوطن، وجعلنا صعاليك فوق أرضنا.
من واجبنا نحن أبناء هذه الأرض أن نصرخ إن أدركت عقولنا مبكراً أو متأخراً منكراً سياسياً، وألا نكتفي بالنقد، بل علينا واجب العمل على التغيير.
من واجبنا أن نقول لكل مسؤول بمن فيهم رئيس السلطة الفلسطينية، وقيادة منظمة التحرير الفلسطينية، ورئيس أي تنظيم فلسطيني، بما في ذلك الوزير ورئيس البلدية، ورئيس الجمعية، وقائد المجموعة، وفاقد الوطنية، من واجبنا أن ننتقدهم، وأن نوقفهم عند حدهم، ولا نتركهم يتصرفون على هواهم، ووفق ظنونهم، من خلال التسحيج بهم، واجبنا أن نصرخ ولا نسحج، واجبنا الوطني أن ننتقد، ونقاتل الخطأ بالكلام قبل السيف، وقد أخبرنا التاريخ بأن الشعوب الحرة تثور على الرئيس وتسقط القائد والملك والزعيم الذي كان مقدساً عند أنصاره والمنتفعين في لحطة من اللحظات.
لقد صرخت مساءً في وجه الرئيس أبو عمار بتاريخ 20 يناير 1996، وبحضور أكثر من عشرين شخصية من خان يونس، لقد قلت له بصوت صاخب: لقد تم تزوير انتخابات المجلس التشريعي، وأنت المسؤول عن كل تزوير.
وغضب أبو عمار رحمه الله، وصارت بيننا مشادة فضها عضو اللجنة المركزية لحركة فتح الأخ هاني الحسن.
ولتوضيح الكلام بشكل أدق:
المقدس الأول لدينا نحن الأمة العربية والإسلامية هو المعتقد فقط، ديننا الإسلامي له القداسة، وما دون ذلك فهو عرضه للنقد والاعتراض وفضح مساوئه، طالما ظل في منصبه.
والمقدس الثاني هي الأرض العربية الفلسطينية الممتدة من نهر الأردن شرقاً إلى البحر المتوسط غرباً، المقدس هو الوطن فلسطين، كجزء من أمة عربية
والمقدس الثالث هو حرية الرأي، وحرية التعبير، وحرية الاعتراض على كل موقف أو قرار نحسب أنه خطأ، وحرية الانتقاد لسياسة أي مسؤول أو تنظيم دون خوف أو مجاملة.
وما دون ذلك، فلا قداسة لتنظيم، ولا قداسة لقائد تنظيم، ولا قداسة لوزير ولا نزاهة عن الخطأ لرئيس ولا لمختار عائلة، ولا لرئيس جمعية أو مؤسسة، فطالما هم تحت العرش، فهم بشر مثلنا، يخطئون، ويصيبون، وإن تأخر حسابهم على الأرض، فسيحاسبون يوم القيامة على سلوكهم وتصرفاتهم وقراراتهم، وعلى المصائب التي صبوها على رأس الشعب، فهل سينبري أنصار الرئيس محمود عباس للدفاع عنه يوم القيامة؟ وهل سيتصدى أنصار القائد والزعيم ورئيس المؤسسة للملائكة في يوم القيامة دفاعاً عن رئيسهم، وقائد تنظيمهم، لأنه اهتم بمصالحهم في الدنيا