المصالحة في زمن بايدن

المصالحة في زمن بايدن

مع انطلاق قطار المصالحة في محطته الأخيرة وإحداثه اختراقات غير مسبوقة، وتأميل الشعب أكثر من أي وقت سابق أنها ماضية رغم العقبات والضغوطات، كان ثمة أزمة ثقة كبيرة لدى قواعد الفريقين، بذل قادة المصالحة مع قواعدهما جهودا كبيرة لمنح الأمل وإعادة الثقة ونزع فتيل التشكيك بالنوايا. وكان من أكبر التخوفات التي طرحتها قواعد المقاومة، أن الذهاب للمصالحة عند فريق السلطة تكتيكي ومرتبط بالانتخابات الأمريكية، بحيث أن مجيء ( بايدن) سيوجه الضربة القاضية لكل الجهود، فسارعت قيادة فتح ( الرجوب ممثلا للرئيس) بالتأكيد أن المصالحة غير مرتبطة بنتائج الانتخابات الأمريكية. وهو ما أكدته قيادة حماس بتأكيدها تلقيها تأكيدات من قيادة فتح أن المصالحة غير مرتبطة بنتائج الانتخابات الأمريكية. ويبدو الآن أننا بتنا أمام لحظة الحقيقة. فمع قدوم ( بايدن) للبيت الأبيض كما هو متوقع، يصبح السؤال الملح: ما هو مصير المصالحة؟ ولقد قرأت لكتاب ومحللين  نعيهم المسبق لها، غير أني سأتناول الموضوع من زاوية مختلفة نوعا ما، وبعيدة عن التفاؤل والتشاؤم.

وهنا سأسأل سؤالين محاولا الإجابة عنهما بموضوعية: السؤال الأول: ماذا سنستفيد إن وأدنا المصالحة؟ والثاني: بالمقابل ماذا سنستفيد لو أنجزناها؟ فلنحاول الإجابة على الأول:

  1. سنقدم أوراق اعتماد للإدارة الجديدة أن مشروع السلطة ملتزم بالسلام وبحل الدولتين ونبذ ( الإرهاب)، وبالتالي فإن الكرة في ملعب الإدارة الأمريكية لتجبر الصهاينة على تنفيذ الاتفاقات الموقعة.
  2. ستوقف إدارة بايدن القرارات الخاطئة والظالمة لترامب.
  3. سنتجنب غضب العم سام، والدخول معه في معركة تستنزف قدراتنا.

وربما هناك نقاط أخرى لا تخرج عما تقدم. وسأحاول نقاش ما سلف بهدوء: لقد ظل بايدن نائبا لأوباما ثماني سنوات، فما الذي فعلته إدارته للضغط على الصهاينة للالتزام بالاتفاقات – على إجحافها_؟ بل ما الذي فعلته أقرب إدارة أمريكية للرؤية الفلسطينية في الضغط على العدو؟ أتمنى من فريق الرهان على هذه الإدارات أن يعطوا مثالا واحدا وقفت فيه هذه الإدارات مع حقوق الشعب الفلسطيني، بل مع القرارات الدولية، بل مع الاتفاقات التي رعوها ( أوسلو نموذجا)؟ أما آن الأوان أن نعيد النظر في مدى التعويل على العم سام؟ أما بشأن تراجع إدارة بايدن عن قرارات ترامب فقد صرحوا أنهم سيفعلون ذلك، لا لعيون الفلسطينيين، بل لأنهم يرون مصلحتهم في ذلك، فلا حاجة لنقدم لهم مقابلا لما هم فاعلوه تنفيذا لمصالحهم ( التي تتلاقى هنا مع مصلحتنا). أما تجنب غضبهم، فلقد واجهتم الأشد تطرفا ورفضتم التعاطي مع جنونه ( ترامب)، فماذا استطاع أن يفعل؟ إن القوة الحقيقية لأي قيادة هي بإسناد ظهرها لشعبها، فهو الحاضنة الحقيقية والحامية ضد بطش الأعداء، فضلا عن أن خيارات القوم في مواجهة السلطة وحربها محدودة جدا، فهم يخافون إضعافها فتحل محلها المقاومة، ومن ثم فلن يضروكم إلا أذى، وإن شبح انهيار السلطة إن ضُغِط عليها، هو الحامي لها من ذلك الضغط. ولا بديل لأمريكا وسواها إلا أن يتعاملوا مع قيادة الشعب الفلسطيني أحبوا ذلك أم كرهوه. لذلك فإن التفكير بوأد المصالحة لن يُجنى منه إلا السراب الذي يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا، فباء بالخيبة والندم وحاكمته محكمة التاريخ. وبالمناسبة فإنه لا مجال للتذاكي في هذا الشأن، كأن يقال: نعم ولكن، ليظهر أن الآخر هو من أفشلها، فالشعب لا ينطلي عليه ذلك.

وبالمقابل: ماذا سنجني من المضي في طريق المصالحة وتسريعها؟

  1. ( تجديد شرعية التمثيل) حيث سنخاطب (بايدن) بصفتنا الممثلين الحقيقيين الذين جدد الشعب ثقته بهم، فنذهب مسلحين ومستندين إلى شعب عظيم، ما خاب من أسند ظهره إليه واعتز به.
  2. سنكون أمامه وأمام العالم موحدين أقوياء، يحسب القاصي والداني حسابنا.
  3. والأهم من ذلك كله، أن ننال ثقة شعبنا العظيم، فهو الرهان الحقيقي الذي يجب أن نكسبه، وماذا ربح من خسر شعبه وثقته به؟ لا شيء. بتسريع المصالحة الآن نكون جديرين بقيادة هذا الشعب العظيم، وجديرين بالانتماء له، وكفى بذلك من شرف.

وإن كان لا بد من كلمة أخيرة فأقول: 

إن المصالحة والوحدة عزة، وقوة، وشرف، ولا يحب كل شريف إلا أن يرى أبناء شعبه جميعا يلتحقون بهذا الشرف وينالونه، وسيكون محزنا ومؤلما أن يحرم أحد ما نفسه من هذا الشرف طمعا في سراب خادع، ووهم زائف. أما شعبنا العظيم فإن الثقة بالله أولا وبه ثانيا أنه ماض لانتزاع حقوقه مهما عظمت التضحيات، والرابح الحقيقي هو المراهن على شعبه والراكب في قطاره. آن الأوان أن نمتلك زمام المبادرة، وكفى مراوحة للمكان واجترارا لتجارب لم نجن منها سوى الترقب والخيبة في ظل تغول عدو يستغل كل دقيقة للتوسع والعدوان.

وإن كاتب هذه السطور يرى أن تسريع المصالحة الآن قد بات ملحا أكثر من أي وقت مضى. وفق الله شعبنا وقيادته وسدد رميهم، وهداهم للتي هي أقوم. 

جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2020