القرآن والعلم والأسطورة: السجيل

هبة محمد المدهون

كاتبة فلسطينية

في صغري ، كان لدي تساؤل يُلحُّ عليّ ضمن العديد من التساؤلات التي لم أجد لها إجابة في حينها؛ كنت أسأل نفسي أليس الإسلام هو خاتم الرسالات، والأمة الإسلامية هي آخر الأمم؟ فلماذا إذن كانت معجزتنا هي القرآن الكريم ؟ 

وكنت في ذلك الوقت أنظر لعِظَم المعجزات في الأقوام السابقة والتي ليس لها تفسير على أنها تفوق قوة  العقل على الإدراك ، وكنت أنظر لبساطة آيات القرآن الكريم وسهولة فهمها بالنسبة لطفلة في العاشرة فأقارن بين معجزة كشق البحر وبين آيات نحفظها في المدرسة الإبتدائية فأتساءل ما هو السر في كون القرآن الكريم معجزة خالدة ولماذا سيتفوق على معجزات الأمم السابقة أو كما قال الله تعالى فيه (وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَىٰ).. أيفعل القرآن هذا  حقا ؟.. 

وكان علي أن أصل إلى درجة ما من الوعي واليقين الكافي  لكي أدرك عظمة الإعجاز في كلمات القرآن الكريم، ولقد قرأت الكثير ورأيت الكثير من التفسيرات التي تظهر هذه العظمة، غير أن الأمر مختلفٌ تمامًا عندما أبحث أنا بذاتي وعقلي القاصر وأتنقل بين الآيات والكلمات والمعاني والمفردات من ناحية والعلوم المعاصرة بكل أشكالها من ناحيةٍ أخرى وأحاول الفهم، ذلك لأن عظمة القرآن الكريم تتجلى بكون كلماته تخاطب عقلك وترشدك في طرقٍ غريبة وتحثُّك على البحث في مكنوناتها وتأخذ بيدك لتوصلك شيئا فشيئا إلى خبايا لم تتخيلها .. إن القرآن الكريم أعظم معلمٍ معلمٍ مرشد قد يخطر ببال أحد، ولهذا أقول دائمًا إن القرآن الكريم هو خلاصة العلم الأرضي، غير أننا ما زلنا نتعثر في منهجيته  فنصيب مرة ونخطئ مرات على مدى العصور، ولذلك كان علماء كل عصر يفسرونه بشكل مختلف عن العصر الذي يسبقه حسب ما توافرت لهم من إمكانات وعلوم.

أخبرتكم في المرة السابقة عن قوم لوط وعن المذنب الذي اصطدم بمنطقة البحر الميت وقضى على التجمعات السكنية فيها وهذا ما اكتشفه العلماء حديثًا و ما أخبرنا القرآن الكريم  عن تفاصيله منذ ١٤٠٠ سنة بكلمات بسيطة ولكنها جامعة في الوقت ذاته، لكن ما لم أحدثكم عنه هو ماهية هذا المذنب وحقيقة السجيل في اعتقادي.

إن ما حدث في مدينتي سدوم وعامورة وتفاصيل العذاب الذي جاء به المذنب يتشابه كثيرًا مع تفاصيل الانفجار النووي بداية بطمس الأعين الذي سببه  الانفجار مرورًا بحجارة السجيل المنضود التي سأذكرها فيما بعد و انتهاءً بوصفهم وحدهم بالغابرين في ست مرات في القرآن الكريم، ربما كان ذلك نسبةً إلى الغبار المشع الذي يهبط بعد انتهاء سحابة الدخان الذري ذات شكل عيش الغرب لذي نعرف به الانفجار النووي .. بالمناسبة ، ذكرت التوراة أن إبراهيم عليه السلام شاهد دخانا متصاعدا من ناحية قرى لوط وشبهه بدخان الفرن ..  ولكن هذا ليس موضوعنا .. 

موضوعنا هو السجيل، فما هو السجيل ؟ ..

 يقول الشيخ بسام جرار  إن كلمة سجيل فيها معاني الانتشار والإدرار والسكب وإن الدلو الممتلئ بالماء على وشك الانسكاب يقال له سَجَل ،  وهذا يشبه العنصر المشع في إدراره ونشره للإشعاع، غير أننا لا يجب أن نتوقف هنا بل سنكمل في وصفه تعالى للسجيل إذ قال ( فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ)..

وكلمة منضود تأتي من نَضَد أي جَمَع بعضه إلى بعض .. ومنضود أي مجموع بعضه إلى بعض، وهذا يرسم في ذهني صورة عنصر مشع ويصف التفاعل الناتج عن اندماج الانوية  لخلق عنصر غير مستقر، وفيه تُقذف الجسيمات موجهةً الى النواة بسرعات كبيرة في ظروف خاصة فتندمج أي يجمع بعضها الى بعض، و تصبح منضودة!.. 

ماذا عن مسومة عند ربك ؟ 

كلمة سوّم أتت من سام يسوم سوّم بمعنى صوب شيئًا ما بسرعة في اتجاهٍ محدد، وليس كما يتخيل المرء انها تأتي من وَسَم يُوسِّم بمعنى علّم او وضع علامة  لأن المفعول به يكون حينها موسوم او مُوَسّم وليس مُسَوّم .. 

وهذا يعني ان الآية تتحدث عن حجارة مسومة أي مصوبة بسرعة في اتجاه واحد وربما كان هذا يصف مسار النيزك وسرعته وهذا منطقي. 

لكننا حين نتعمق في الفهم أكثر نجد أن الآية تقول "مُسوّمة عند ربك"، بمعنى انها تصف مكان عملية التسويم بالكامل، ولو انها كانت "مسومة من عند ربك" لكانت تصف مكان الانطلاق في عملية التسويم بسبب وجود  "من"، فهل هذا يعني أن عملية التسويم بالكامل قد تمت في السماء؟ أقصد أن ما ذهب اليه تفكيري في تفسيرالآية انها تتحدث عن تصويب جسيم  بسرعة في اتجاه نواة عنصر لتحدث تفاعلا نوويا اندماجيا في السماء.. أي تنضيب عناصر ذرية مشعة جاهزة للانفجار. 

إن السير في هذا الطريق الشائك بين كلمات اللغة العربية قد يصيب الإنسان بالحيرة الشديدة في المقصود من المعاني  خصوصا بعد التطور المطرد والسريع للعلوم والاكتشافات المعرفية ، لكن هذا لا يجب أن يوقفنا عن محاولات الفهم فحاولوا ان تتخيلوا الأمر معي.

وردت كلمة سجيل ثلاث مرات مرتان في وصف عذاب قوم لوط ومرة في وصف عذاب أصحاب الفيل ، فهل السجيل المذكور في سورة هود هو ذاته السجيل المذكور في سورة الفيل ؟  ..

وصف بعض العرب الذين عاصروا حادثة أبرهة الحبشي شكل الأحجار المتساقطة بأنها سوداء فيها حمرة .. كما وصفوا العذاب الذي أصاب جيش أبرهة أن لحومهم كانت تتساقط مع الأحجار وان الأحجار كانت تخترق أجسامهم .. هذه الصورة الغريبة أعادتني لبعض المعلومات التي  ظهرت في طريقي مصادفة أثناء بحثي في العناصر المشعة لايجاد تفسير كلمة سجيل، والمعلومات كانت تتحدث عن عنصر فلزي مشع، غير مستقر لا اشعاعيا ولا كيميائيا، وكان اسمه الفرانسيوم. نادر الوجود على الأرض اذ يتكون ويضمحل باستمرار الى معادن أخرى وأكثر نظائره استقرارا تصل فترة نصف العمر فيها الى٢٢ دقيقة . .. 

غير أن له صفة مهمة أخرى وهي أنه فلز شديد القلوية وشديد النشاط الكيميائي يفقد الكترون المدار الأخير بسهولة كالصوديوم، بمعنى أنه يتحد مع الأكسجين في الهواء مكونا أكاسيد، كما انه يتحد مع  الماء  تاركا ذرة من  الهيدروجين الطليق الذي يشتعل بفرقعة بسبب الحرارة الناتجة عن التفاعل القوي، هذا الفلز ينفجر في الماء، تخيلوا.. 

ليس هذا فحسب، الفرانسيوم يتفاعل مع  الماء المكون لجسم الانسان إذا ما لامس الجلد مكونا الهيدروكسيدات والتي يطلق عليها في عرف الكيمياء مواد أكّالة.. هل خطر ببالك شيء آخر عندما قرأت الكلمة؟ الهيدروكسيدات مواد أكالة تُذيب جسد الإنسان، وأكال صيغة مبالغة من آكل والمفعول به منها يسمى مأكول، لماذا كانت حجارة من سجيل  تجعل جيش أبرهة كعصف مأكول ؟

عنصر مشع كما في قصة قوم لوط يتحول الى هيدروكسيدات أكالة كما في قصة أصحاب الفيل، ويتحول الى أملاح اذا تفاعل مع أحماض تماما كما في آثار البحر الميت، لأن الحمض  يتفاعل مع القلويات ليعطي ملح وماء ..

 لماذا أشعر أنها فرضية مقبولة ان يكون السجيل هو الفرانسيوم او اي فلز قلوي مشع مشابه له ؟ 

وفي كل الأحوال، هي محاولة لفهم ما درجنا نحفظه من قصص، ومحاولة للتقريب بين النظريات العلمية والمفاهيم الدينية ، لنساعد أبناءنا على الفهم الصحيح، في زمن أصبحت الفتن فيه تدخل علينا بيوتنا دون أن نملك أن نمنعها. حصنوا أولادكم بالعلم والقرآن وبالفهم الصحيح والقدرة على التحليل .. أو اعتزلوا الحياة والتكنولوجيا لتحموهم من الفتن . 

هذا ما عندي، فإن أحسنت فمن الله، وإن أخطأت فمن نفسي ومن الشيطان.

جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2020