ملخص التقييم الاستراتيجي : عام اللقاح؟ التحديات الداخلية والخارجية للأمن القومي

معهد دراسات الأمن القومي (INSS)

ملخص التقييم الاستراتيجي : عام اللقاح؟ التحديات الداخلية والخارجية للأمن القومي 

إيتاي بارون وعنات كورتس

ترجمة حضارات 

يُلخص التقييم الاستراتيجي لإسرائيل لعام 2021 العام 2020، الذي كان عامًا معقدًا واستثنائيًا، شكلته بصورة أساسية أزمة كورونا وانتهاء ولاية رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب. أدى هذان العاملان إلى إضعاف القوات المعادية لإسرائيل، ودفعهما إلى الانخراط في الشؤون الداخلية، وبالتالي قلل من خطر اندلاع صراع واسع النطاق في الشرق الأوسط. ويرجع ذلك جزئيًا إلى المخاوف من ردود الفعل المحتملة من الرئيس ترامب في عام الانتخابات الرئاسية، على خلفية الأمل في نهاية فترة ولايته.
لذلك تمتعت إسرائيل بهدوء نسبي داخل حدودها خلال العام. وعملت بصورة مركزة على عدد من الساحات بشكل لم يفضي إلى التصعيد واستغلت الخصائص الفريدة لهذه الفترة لتعزيز التطبيع مع عدد من دول الشرق الأوسط، وهو ما يمثل انخفاضًا في مركزية الصراع الإسرائيلي الفلسطيني في الأجندة الإقليمية والدولية.


ستستمر بعض هذه التطورات، المعروفة بتأثيرها الإيجابي والواضح على الأمن القومي لإسرائيل، في عام 2021. ومع ذلك، فإن إسرائيل في أزمة متعددة الأبعاد تهدد استقرارها الاقتصادي والسياسي، وتماسكها الاجتماعي، وقيمها الديمقراطية الليبرالية وأنماط حياتها العامة. 
لم تبدأ هذه الأزمة مع وباء كورونا، لكنها عمقت نقاط الضعف الموجودة في الاقتصاد والمجتمع والحكومة وخلقت نقاط ضعف جديدة. لكن على الرغم من وجود جدل حول شدة الأزمة، فمن الواضح أن لها تداعيات على الأمن القومي وتزيد من الحاجة إلى اعتماد إطار أوسع لمناقشة قضايا الأمن القومي. 
هذه ليست فقط الصلة المهمة بين الوضع الداخلي ومرونة إسرائيل في التعامل مع التهديدات الأمنية الخارجية، ولكن أيضًا إضعاف أساسي أكبر لأجهزة الدولة والمؤسسات الحيوية لعملها الحثيث. علاوة على ذلك، تضاءل الخوف من مواجهة عسكرية واسعة النطاق، لكن احتمال حدوث تصعيد غير مرغوب فيه لا يزال قائماً بسبب ديناميكيات العمل والرد.

ستتميز الأشهر الأولى من عام 2021 بجهود معقدة لتطعيم السكان في العالم وفي إسرائيل ضد فيروس كورونا، طمعاً في اللقضاء على الوباء؛ كذلك تشكيل إدارة جديدة في الولايات المتحدة بقيادة جو بايدن وصياغة سياسته الداخلية والخارجية مع استمرار الأزمة السياسية في إسرائيل والجولة الرابعة من الانتخابات في العامين الماضيين (آذار 2021)؛ واحتمال رد إيراني على اغتيال فخري زاده رأس البرنامج النووي الايراني وعمليات أخرى جرت على أراضيها.
ولذلك فإن تقييم التطورات في العام المقبل يتم في ظل ظروف تتسم بقدر كبير من الريبة وعدم اليقين. ومع ذلك، فإن التقييم يستند إلى فرضية أن أحداث العام المقبل ستكون- في العالم، في الشرق الأوسط وكذلك في إسرائيل - " في ظل وجود كورونا". القضاء على الوباء لن يتحقق دفعة واحدة بل سيتسم بخمود تدريجي قد يصاحبه موجات من تفشي وطفرات متكررة للفيروس.

هيكل التقييم
تلخص الفصول السبعة التالية من التقييم الاستراتيجي لإسرائيل لعام 2021 تقييمات الباحثين في معهد دراسات الأمن القومي (INSS) فيما يتعلق بوضع إسرائيل في نهاية عام 2020 وتحديات الأمن القومي التي تواجهها في العام المقبل.
ويتعاملون مع الساحة الدولية والنظام الإسرائيلي والساحة الإقليمية وإيران والساحة الشمالية والنظام الفلسطيني وبيئة العمل. يشمل التقييم هذا العام أيضًا ملخص "مؤشر الأمن القومي" ، وهو دراسة مستمرة وطويلة الأمد أجريت في المعهد من أجل فحص الرأي العام في إسرائيل واتجاهاته فيما يتعلق بمجموعة متنوعة من قضايا الأمن القومي، بالإضافة إلى مسح تم إجراؤه بين باحثي المعهد حول "ترتيب التهديدات والفرص".
تتضمن الوثيقة أيضًا فصولًا إضافية قصيرة تتناول تأثيرات التكنولوجيا (مع التركيز على الذكاء الاصطناعي)، آثار ما بعد الحقيقة والاخبار الكاذبة والبعد السيبراني والمناخ على الأمن القومي. يحلل فصل قصير آخر مجموعة من السيناريوهات حول كيف سيبدو العالم والشرق الأوسط في السنوات التالية لأزمة كورونا.

المنظومة العالمية: التعافي من أزمة كورونا في ظل المنافسة بين القوى العظمى
بدأت أزمة كورونا في نهاية عقد تميز بتزايد المنافسة الاستراتيجية بين القوى، والعولمة التي طمست الحدود المادية وثورة المعلومات التي غيرت الأنظمة العالمية. كشف الوباء عن الاتجاهات الحالية، وتصدر الأخبار وأجبر جميع اللاعبين على الاستعداد له بطريقة أدت إلى تعطيل الروتين في جميع أنحاء العالم.
استمر استقطاب وانقسام النظام الدولي في العام الأول من كورونا، حيث ركز اللاعبون الرئيسيون على شؤونهم الداخلية وإدارة الأزمة الاقتصادية والاجتماعية - كل على طريقته الخاصة. مرت الأزمة الاقتصادية بتمايز كبير - فقد أثرت على الغرب أكثر من الشرق، وكان هناك تباين كبير بين القطاعات: عانت صناعات السياحة والطيران والطاقة من انخفاضات


حادة، بينما أصبحت الصناعات التكنولوجية الملاذ الآمن للمستثمرين ورفعت المؤشرات.

سيشهد عام 2021 بداية التعافي من أزمة كورونا بمختلف مظاهرها وتعبيراتها، لكن العالم سيستمر في العمل في ظل وجود الوباء، مع استمرار المنافسة بين القوى كعامل رئيسي: في الولايات المتحدة، سيتم صياغة سياسة إدارة بايدن، أولا وقبل كل شيء في الشؤون الداخلية ( معاجلة آثار حكم ترامب السلبية على الدولة) ولكن أيضًا فيما يتعلق بمسألة القيادة الأمريكية للمعسكر الديمقراطي الليبرالي في العالم، والذي فقد في السنوات الأخيرة القيادة التقليدية للولايات المتحدة، وكذلك تجاه الشرق الأوسط؛ تتقدم الصين على بقية اللاعبين في تعافيها من الأزمة، وتواصل نموها السريع وستستفيد من ذلك في الظروف الحالية لزيادة نفوذها؛ ستستمر روسيا في مواجهة الصعوبات المحلية وتغيير مكانتها الدولية، واستغلال قدراتها السيبرانية والاستخبارية والحربية، وقد تقترب أكثر من الصين، ستحاول أوروبا، من جانبها في ظل معانتها من أزمة سياسية وأيديولوجية، تجديد التحالف عبر الأطلسي؛ يرجح ألا يكون الشرق الأوسط على رأس جدول الأعمال العالمي، باستثناء موضوع إيران والبرنامج النووي، أو في حال اندلاع مواجهه عسكرية واسعة النطاق في المنطقة.

سيستمر اتجاه مركز الثقل العالمي إلى الشرق وقد يتسارع. سيتم تعزيز دول القومية بسبب الكفاءة النسبية التي يظهرها معظمها في مواجهة الوباء، ولكن ستظهر لها تحديات من الداخل والخارج.
لن يتغير العالم بالكامل، لكنه سيكون أقل حرية في معظم عام 2021 - من المحتمل أن تستمر بعض تدابير الطوارئ على الأقل وكذلك أعمال بعض منظومات المراقبة، سيكون عاماً أقل ازدهارًا - المزيد من العاطلين عن العمل والناس الأفقر؛ وستكون أيضًا أقل عالمية - أقل طيرانًا، والمزيد من العمل من المنزل، وأقل ازدحامًا في المدن، وستهتم الدول بالحفاظ على المخزونات الاستراتيجية وتوسيعها واستقلال الصناعات الحيوية.

بشكل عام، هناك تكيف سريع في جميع أنحاء العالم مع الاقتصاد الجديد - الرقمي - القائم على التكنولوجيا، مما مكّن من الاستمرارية الوظيفية للدول. كانت التكنولوجيا محورًا رئيسيًا في دراسة الوباء، وفي تطوير اللقاح ضده، وفي القدرات التي تحسنت خلالها لمواصلة تقديم الخدمات - على الرغم من التباعد الاجتماعي. 
أصبح عمالقة التكنولوجيا في السنوات الأخيرة لاعبين رئيسيين في الأمن القومي، مما هز سيادة الدول وخلق، في الواقع، سيادتهم الخاصة بهم في الفضاء الرقمي. وصل هذا التطور إلى ذروة جديدة هذا العام وكذلك الإجراءات المضادة في أجزاء مختلفة من العالم، المصممة للحد من قوة العمالقة. بالإضافة إلى ذلك، كانت هناك زيادة في نطاق ومدى الهجمات الإلكترونية، سواء للأغراض الاستراتيجية المتمثلة في جمع المعلومات وتعطيل الأنظمة ولأغراض اقتصادية؛ كذلك اتسع مستوى الاحتكاك السيبراني بين الدول؛ وزادت جرأة العناصر الاجرامية عبر الإنترنت، في بعض الأحيان بدعم وتوجيه من الدول. كان الرد الأكثر عدوانية من المُهاجَمين واضحًا أيضًا.

تعيين جون كيري في منصب الممثل الرئاسي الخاص للمناخ و أيضًا كعضو في مجلس الأمن القومي للولايات المتحدة. أوضح الأهمية التي توليها إدارة بايدن لمكافحة تغير المناخ وتصور الإدارة الجديدة أن قضية المناخ هي مسألة مهمة تتعلق بالأمن القومي.

لذلك فإن العام المقبل يلزم إسرائيل بتكييف سياستها مع المنافسة بين القوى في زمن كورونا. يجب أن تتكيف بسرعة مع الإدارة الجديدة في الولايات المتحدة وتتبنى نهجًا غير هجومي أو عدائي معها، مع مراعاة الحساسيات والمصالح الأمريكية. 
في هذا السياق، من المناسب التحدث مع إدارة بايدن من أجل استنفاد المصالح المشتركة وتقليل المخاطر (خاصة فيما يتعلق بإيران والصين والقضية الفلسطينية). ستبقى الولايات المتحدة الحليف الرئيسي والمركزي لإسرائيل، لكن موقف الصين الحالي في النظام الدولي يتطلب من إسرائيل مواصلة تطوير العلاقات معها، وإن كان ذلك بالتنسيق الوثيق مع الولايات المتحدة، لتوسيع خبرتها ومعرفتها بالصين وتحسين إدارة المخاطر معها.
كما أنه من الصواب الحفاظ على قنوات الحوار والتنسيق الاستراتيجي مع روسيا (بسبب دورها في الاستقرار والتنظيم في سوريا). محاولة تحسين العلاقات مرة أخرى مع أوروبا، رغم أن بعض مواقفها من القضية الفلسطينية تتعارض مع مصالح إسرائيل ومواقفها. وفي سياق يهود العالم - تقوية الروابط مع الجاليات اليهودية بسبب الأزمة العميقة التي تعصف بهم، وزيادة الدعم لهم، وإتاحة مكان لهم في الخطاب حول إسرائيل وصورتها.


المنظومة الإسرائيلية: أزمة مستمرة قد تتحدى أسس الأمن القومي

بسبب وباء كورونا، تمر إسرائيل بأزمة متعددة الأبعاد - صحية واقتصادية واجتماعية وحكومية - تتكامل مع الأزمة السياسية المستمرة. قد تؤدي هذه الأزمة المعقدة إلى زعزعة أسس الأمن القومي بأوسع معانيه، حيث تؤدي إلى إضعاف أجهزة ومؤسسات الدولة، ويتجلى ذلك في اختلال وظيفي، وشلل في عمليات صنع القرار، وفقدان ثقة الجمهور في الحكومة (التي تراجعت بشكل كبير في العام الماضي) ومؤسسات أخرى، كذلك زعزعة التلاحم والتكافل الاجتماعي هذا الوضع له تأثير على الاستقرار والقيم المشتركة التي تميز المجتمع الإسرائيلي، وعلى أنماط الحياة في البلاد.

تأثر الاقتصاد الإسرائيلي بشكل أساسي بالوباء والطريقة التي تم بها إدارة الأزمة، ولكن تأثر أيضًا بعواقب الأزمة على الاقتصاد العالمي. يظهر الضرر بشكل خاص بين الطبقتين المتوسطة والدنيا - العاملين لحسابهم الخاص في المشاريع الصغيرة والأشخاص الذين يعيشون في فقر، والذين يعتمدون على الدخل من العمل.

ينعكس ضعف وظيفة الدولة (التي هي جزئيًا نتيجة جهد منهجي متعمد، وجزئيًا نتيجة لعمليات أخرى) في صعوبة الحفاظ على عمليات صنع القرار المنظم والاستناد إلى الآليات المنتظمة لصنع القرار. إلى جانب الصعوبة المتزايدة - في عصر ما بعد الحقيقة والأخبار الكاذبة - لتوضيح الواقع وفهم واتخاذ القرارات، هناك مستوى منخفض من الثقة في إسرائيل بين رئيس الوزراء ووزير الدفاع والوزراء الآخرين، والتجزئة المنهجية وعدم مشاركة المعلومات وعمليات صنع القرار والمسؤوليات. يتزامن هذا مع الضرر الذي لحق بمكانة رجال الظل المؤسسيين وخبراء المحتوى. أدت الأزمة السياسية إلى شل العمل الحكومي. وأوضح دليل على ذلك هو عدم وجود ميزانية للدولة وخطة متعددة السنوات للجيش الإسرائيلي، والعدد الكبير من النواب الذين يشغلون مناصب رئيسية على مدى فترة طويلة من الزمن.
أدت الحاجة للجم الوباء أيضًا إلى تعليق غير مسبوق للحقوق والحريات الأساسية ضمن اطار تحقيق طارئ، وبعضها بدون إشراف برلماني.

جدير بالذكر أنه نشأ جدل حول شدة الأزمة الداخلية بين الباحثين في معهد دراسات الأمن القومي (من منظور تاريخي ومقارنة بالأزمة العالمية)، ومدى انعكاساتها على الأمن القومي. وعلى الرغم من اعتراف بعض الباحثين بالأزمة، إلا أنهم يعتقدون أن المجتمع الإسرائيلي وأجهزة الدولة يمكنها التعامل معها، كما تعاملوا مع أزمات حادة في الماضي. ووفقًا لهذا النهج، أثبتت دولة إسرائيل قدرتها على التعافي من الأزمات، ويميز الإحساس بالأزمة بشكل أساسي جانبًا واحدًا من الخريطة السياسية الحالية في إسرائيل، وفي الواقع، لا تختلف الأزمة في إسرائيل عن الأزمات المماثلة التي تميز الديمقراطيات الغربية الليبرالية الأخرى.

ستكون هناك جولة رابعة من الانتخابات في العامين الأخيرين (آذار 2021)، لكن ليس من المؤكد ما إذا كانت نتائج الانتخابات ستؤدي إلى إنهاء الأزمة السياسية المستمرة.

في كلتا الحالتين، ستستمر العواقب الوخيمة للوباء حتى عام 2021، حتى بعد أن يبدأ اللقاح في الانتشار. حتى لو انحسر الوباء تدريجياً خلال عام 2021، فإن عواقبه الاجتماعية والاقتصادية العميقة سترافق إسرائيل حتى عام 2022 وحتى في السنوات اللاحقة. إن أي جهد ناجح للتعافي من الأزمة ودفع النمو المتجدد سيتطلب من إسرائيل إجراء تغيير هيكلي عميق. وهذا يتطلب استقرار النظام السياسي، الأمر الذي سيمكن من تكوين إجماع وطني واسع. لبدء عملية الخروج من الأزمة، يجب إعطاء الأولوية للإدارة المهنية واللامركزية للأزمة في جميع الأبعاد (الصحة، الاقتصاد، المجتمع).
يجب نقل ميزانية جديدة وخطة اقتصادية، وأولويتهما الرئيسية هي الاستثمار في الأقسام المدنية والفئات الضعيفة، وكذلك التحضير المبكر والمركّز لمرحلة النمو بعد الوباء. على المدى المتوسط، سيتعين على الحكومة التي تم تشكيلها بناء على نتائج الانتخابات قيادة جهد وطني لتحقيق الانتعاش الاقتصادي والاجتماعي، مع التقريب بين القطاعات وتقليل الفوارق. علاوة على ذلك، أوضحت أزمة الكورونا أنه يجب تأسيس جهاز أو منظومة وأنماط عمل للتعامل مع الأزمات الغير أمنية.

الساحة الإقليمية: عقدٌ من الاضطرابات الإقليمية، وتطبيع يتوسع. 

أزمة كورونا هي نوع من "الصدمة المستمرة" للاضطرابات الإقليمية المستمرة التي زعزعة المنطقة على مدى العقد الماضي. حتى قبل أزمة كورونا، اتسم الشرق الأوسط بعدم الاستقرار وعدم اليقين والقابلية للانفجار. هناك إجماع واسع بين العلماء والمراقبين على أن المنطقة تمر بأزمة عميقة ذات تداعيات تاريخية وصراع محتدم على صورتها.
يستمر هذا الصراع في مكانين وعلى طول خطوط الأزمة المتنوعة: حول النظام الإقليمي، بين المعسكرات المختلفة المعادية لبعضها البعض والتصارع من أجل الأفكار والسلطة والتأثير والبقاء؛ وداخل الدول، بين الحكام والجمهو، حول المشكلات الاقتصادية والاجتماعية الأساسية، وقضايا الهوية التي لم يتم حلها بل وتعاظمت في العقد الماضي. تسببت أزمة كورونا بشكل أساسي في تعميق المشاكل الاقتصادية الأساسية - البطالة (مع التركيز على بطالة الشباب)، وعدم المساواة، وانخفاض الإنتاجية، وتفاوتات الحكم، والفساد والاعتماد على النفط والمساعدات الخارجية، وتضيف إلى كل هذا بُعدًا حادًا من عدم اليقين.

في عام 2020، على خلفية وباء كورونا والعام الأخير من رئاسة ترامب، حدث عدد من التغييرات والتطورات: صياغة سلسلة من اتفاقيات التطبيع بين إسرائيل ودول المحور السني البراغماتي. تراجع الثقة بالنفس الذي ميّز في السنوات الأخيرة المحور الشيعي الإيراني الذي لا يزال متماسكاً لكنه غارق في مشاكله الداخلية. 
تصاعد حدة عدوانية المحور بقيادة تركيا، وهو ما تم التعبير عنه بالتدخل في الصراع في ليبيا ونشاطات في حوض البحر الأبيض المتوسط؛ وجهود استعادة وإعادة تنظيم الفصائل الجهادية. في أوائل عام 2021، أُعلن انتهاء الصراع بين دول الخليج وقطر.

أجبر تفشي وباء كورونا كل الأنظمة على الاستعداد له، وفي الوقت الحالي يبدو أن الجميع قادر على التعامل مع الوباء دون انهيار الانظمة الحكومية. لقد واجه كل نظام الواقع الاقتصادي بطريقته الخاصة، لكن الحلول كلها قصيرة الأجل ومن المتوقع أن تواجه الأنظمة صعوبة في التعامل مع العواقب الأعمق (مثل معدلات البطالة التي كانت مرتفعة في بعض البلدان حتى عشية الأزمة). 
كانت السمة الرئيسية لعام 2019 هي الاحتجاجات الشعبية الواسعة التي اندلعت في السودان والجزائر (وكلاهما بَدَّلَ الحكام القدامى) وكذلك في مصر والعراق ولبنان وحتى إيران. توقفت هذه الاحتجاجات مع بداية أزمة كورونا، ومن المرجح أن تستأنف عند نهايتها (كما يحدث بالفعل في لبنان والعراق على سبيل المثال) وتشكل تحديات للأنظمة من أجل استقرارها. حتى لو خرجت الدول من أزمة كورونا في العام المقبل، فقد نشهد موجة متجددة من الاحتجاجات أو مزيد من التعبيرات عن تدهور الاستقرار.

في السنوات الأخيرة، رسخت إسرائيل مكانتها الإقليمية كحليف قوي للدول السنية البراغماتية. على خلفية انشغال الدول الكبير بالمشاكل الداخلية والاعتبارات الاستراتيجية التي توجهها، اتضح في عام 2020 أن الجمود في العملية السياسية الإسرائيلية الفلسطينية لم يعد عائقاً أمام التطبيع بينها وبين إسرائيل.
الاتفاقات الموقعة عام 2020 بين إسرائيل والإمارات والبحرين والسودان، وكذلك إعلان المغرب عن نيته إقامة علاقات كاملة مع إسرائيل، نابعة بشكل أساسي من رغبة هذه الدول في دفع أهدافها السياسية والأمنية إلى الأمام بمساعدة ورعاية إدارة ترامب.
إن قبول إسرائيل في المنطقة من قبل المعسكر السني البراغماتي، وفي هذا السياق تعزيز (محتمل) للجبهة ضد إيران، هو عملية إيجابية تساعد الأمن القومي لإسرائيل. ومع ذلك، يجب على إسرائيل أن تأخذ بعين الاعتبار المساهمة العملية المحدودة لشركائها أمام إيران، وبالتأكيد في المجال العسكري. يجب أن يؤخذ في الاعتبار أيضًا أن هذا الاتجاه سيخلق تحديات لإسرائيل، على سبيل المثال إذا طلب حلفاؤها الجدد دعمها ومشاركتها في النزاعات التي يتورطون فيها.

على الصعيد الإقليمي، صحيح أن إسرائيل ستعمل على توسيع تيار التطبيع إلى دول أخرى، مع تقليص المخاطر على تفوقها النوعي ودون الانجرار إلى صراعات لها مصلحة محدودة فيها. في هذا السياق، من المناسب إشراك مصر والأردن (مع ترميم العلاقات معها) وكذلك السلطة الفلسطينية في التعاون الشرق أوسطي. ومن المحتمل أن تكون الفترة المقبلة مناسبة أيضًا لمحاولة رفع مستوى العلاقات مع تركيا، رغم أن احتمالية نجاحها ليست عالية.


إيران: في حالة ضعف وانكماش، لكنها لا تزال تشكل التهديد الرئيسي لأمن إسرائيل

لا تزال إيران تشكل أخطر تهديد لأمن إسرائيل، سواء في تطوير برنامجها النووي أو في أنشطتها الإقليمية. هذا بالرغم من وجودها في أخطر مرحلة من الضعف في تاريخ النظام الحالي، بسبب مزيج من الانتشار الواسع لوباء الكورونا؛ والوضع الاقتصادي الصعب بسبب العقوبات الأمريكية التي استمرت إدارة ترامب في فرضها على مدار العام؛ هبوط أسعار النفط و فشل محاولات الحصول على المساعدة من المؤسسات الدولية وتزايد انعدام ثقة الجمهور في النظام الذي تجلى في المظاهرات حول الاسقاط العرضي للطائرة في يناير 2020. 
إن الضربات التي تعرض لها النظام الإيراني هذا العام، بما فيها تخريب منشأة الطرد المركزي المتطورة في نتنز، واغتيال قاسم سليماني في بداية العام المنصرم، ومحسن فخري زادة في نهايته، تقود الإستراتيجية الإيرانية الإقليمية والنووية على حد سواء. يضاف إلى ذلك اتفاقيات التطبيع بين دول الخليج وإسرائيل، والتي تمثل في نظر طهران محوراً جديداً وخطيراً مهدداً في الشرق الأوسط.

أدت هذه التطورات إلى تعزيز العناصر المحافظة في النظام السياسي، بقيادة الحرس الثوري، الذين يواصلون تعميق انخراطهم في إدارة شؤون الدولة والاقتصاد مع استغلال ضعف الحكومة. ومن المرجح أن ينعكس هذا التعزيز وجهود المرشد الأعلى علي خامنئي (81 عاماً) لضمان سيطرة المحافظين قبل خروجه من المسرح السياسي في الانتخابات الرئاسية الإيرانية التي ستجرى في يونيو 2021.

على الرغم من وضعها الصعب، تواصل إيران السعي إلى تعزيز مصالحها الإقليمية من خلال مبعوثيها، وانشاء البنى التحتية العسكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تضمن تأثيرها على المدى الطويل. بعض هذه البنى التحتية موجهة مباشرة ضد إسرائيل. ومع ذلك، فإن الصعوبات التي تواجه إيران في مزامنة وتنسيق مناطق نفوذها - العراق وسوريا ولبنان - والتي تواجه هي أيضًا أزمات داخلية أيضاً، في سوريا، يواجه الرئيس الأسد صعوبة في استعادة السيطرة على البلاد واستئناف عملها. في لبنان، تتفاقم التحديات التي يواجهها حزب الله بسبب الانهيار الداخلي للبلاد وتوسع الضغوط المحلية والدولية عليه. وفي العراق، هناك احتمالية لتغيير ميزان القوى الداخلية، في اتجاه قد يتحدى قبضة إيران هناك.

في الوقت نفسه، تواصل إيران تطوير برنامجها النووي مع خروجها عن اتفاقية 2015 وانتهاك شروطها. وفقًا لآخر تقرير صادر عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) في سبتمبر 2020، قامت إيران بالفعل بتكديس أكثر من 2.5 طن من اليورانيوم بمعدل تخصيب بنسبة 4.5 في المائة وهي تهدد، من خلال قانون أقره البرلمان، التخصيب إلى مستوى أعلى بنسبة 20 في المائة (خطوة أعلنها الإيرانيون في 4 كانون الثاني (يناير) الماضي، أي العودة إلى مستوى التخصيب الذي كان قبل توقيع الاتفاق النووي)؛ وهي تشغل حوالي ألف جهاز طرد مركزي في منشأة في بوردو النووية، نقلت ايران منشأة الطرد المركزي المتضررة في نتنز إلى موقع تحت الأرض، بهدف تجديد التقدم في هذا المجال بطريقة محمية. إن المضمون الرئيسي لجميع هذه الإجراءات هو تقليص الوقت للوصول إلى قدرة نووية عسكرية، إذا قررت إيران القيام بذلك وبالتالي استخدام هذه القدرة ضد أي هجوم خارجي.

لم تتضح بعد تداعيات اغتيال محس فخري زاده على البرنامج النووي الإيراني. في المجال النووي، كانت إيران تناور منذ سنوات عديدة بين المسموح والممنوع، بين المخفي والمعلن، وبين الممكن والمستحيل. كان من المفترض أن يحافظ فخري زاده على "برنامج السلاح" بعد تجميده عام 2003 - للتأكد من عدم محو المعرفة وبقاء الكفاءة والفعالية سارية المفعول.
كقائد في منظمة الظل المنفصلة، كانت معرفته فريدة وعلى الأرجح هو الشخص الذي كان من المفترض أن يقود الجهود في حالة "اقتحام" أو "زحف" إيراني لإنتاج الأسلحة النووية. وهكذا يبدو أن الاغتيال يشكل ضربة قاسية لإيران وبرنامجها النووي. من ناحية أخرى، لم يتوج عمله الشامل الطويل الأمد بالنجاح. لذلك، هناك خوف من أن يكون لديه بديل موهوب يكون قادرًا على التعامل بشكل أفضل مع القوى العاملة ضد الخطة الإيرانية.

يُعد انتخاب بايدن بلا شك تطورًا إيجابيًا من وجهة نظر إيران، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى خروج ترامب من البيت الأبيض وميل بايدن إلى العودة إلى الاتفاق النووي.
يناقش النظام السياسي الإيراني بالفعل العودة إلى اتفاق 2015 والبدائل التي ستطلبها إيران لتجديده. يبدو أن هذه الشروط تشمل بالنسبة لإيران: الإزالة الكاملة للعقوبات التي فرضتها إدارة ترامب؛ اعتماد جميع تفاصيل الاتفاقية دون تعديل؛ ومطالبة بالتعويض عن الأضرار التي لحقت بها في السنوات الأخيرة. تناقش الولايات المتحدة وإيران توقيت استئناف المفاوضات وما إذا كان ينبغي استئنافها قبل الانتخابات الإيرانية في يونيو 2021.

أدى عدم القدرة على التعامل مع الهجمات الإسرائيلية على الأهداف الإيرانية في سوريا إلى تحول إيران إلى الساحة الإلكترونية السيبرانية في- محاولات للإضرار بشبكة المياه الإسرائيلية وكذلك النظام المصرفي والمنظمات المدنية الإسرائيلية الأخرى. تشير هذه الهجمات إلى أن القطاع المدني في إسرائيل هو نقطة ضعف تتطلب العلاج.

يجب على إسرائيل أن تستمر في النظر الى استكمال برنامج إيران النووي العسكري باعتباره التهديد الخارجي الرئيسي لأمنها، ونشاط إيران الإقليمي، تحد يتطلب المواجهة والرد المستمرين.
في هذا السياق، يجب على إسرائيل صياغة سياسة للحوار المتوقع بين إدارة بايدن والمجتمع الدولي وإيران وتحديد المصالح الحيوية لإسرائيل في سياق تجديد الاتفاقية أو اتفاقية جديدة. من المهم أن تدير إسرائيل الخطاب بحذر وأن تتجنب المواجهة العلنية مع الإدارة، الأمر الذي لا يخدم أمنها القومي. في الوقت نفسه، صحيح أن إسرائيل سيكون لديها خيار هجومي موثوق به ضد إيران وستستعد لاستمرار المعركة التي بين الحروب (مبام) ضدها، بما في ذلك في مواجهة التهديدات المتزايدة من اليمن وقطاع البحر الأحمر.

الساحة الشمالية: مطلوب مبادرة لإضعاف المحور الشيعي الإيراني، 
حتى على خلفية أزمة كورونا، لا تزال التحديات التي تواجه إسرائيل في الساحة الشمالية قائمة. في مقدمتها نشاط المحور الراديكالي الشيعي، ولا سيما التموضع الايراني عبر مبعوثيها في سوريا وإنشاء مواقع عسكرية لحزب الله في هضبة الجولان، كجزء من "آلة الحرب" الإيرانية.
هذا التموضع بطيء فيما يتعلق بالرؤية والتخطيط الإيراني بسبب عدد من العوامل، بما في ذلك مقتل قائد فيلق القدس سليماني. الضربات الإسرائيلية؛ سياسة "الضغط الأقصى" الأمريكية. ومواجهة أزمة كورونا في ايران. على هذه الخلفية، تم تقليص القوات الإيرانية في سوريا وتواصل إيران بناء مواقعها على اساس حزب الله ووحدات الجيش السوري الخاضعة لنفوذها وتجنيد القيادات السورية المحلية وقوات الأمن الداخلي.

إعادة إعمار سوريا يبتعد عن التحقيق، وتشير التقديرات إلى أن الأمر سيستغرق عدة مئات من مليارات الدولارات وسنوات عديدة لإعادة تأهيل أنقاضها. لكن لا يوجد أحد يتحمل هذا العبء. تتزايد قبضة العناصر الأجنبية على الأراضي السورية، وبالإضافة إلى روسيا وإيران، ولكل منهما أسبابه الخاصة لدعم الرئيس الأسد، تستعد تركيا أيضًا لإقامة مطولة في شمال سوريا وتعمل على جعل المناطق الواقعة تحت سيطرتها برعايتها عسكرياً واقتصادياُ واجتماعياً وثقافياً. للولايات المتحدة مواقع عسكرية صغيرة في شمال شرق وجنوب سوريا، لكن من غير الواضح إلى متى ستستمر.

لبنان في خضم أزمة اقتصادية وسياسية وحكومية وصحية - واحدة من أسوأ الأزمات التي عرفها البلد ولا يوجد حل في الأفق. تؤثر الأزمة أيضًا على حزب الله لكن في الوقت الحالي يبدو أن التنظيم يحافظ على مكانته ويعمل على تحييد الإصلاحات السياسية والاقتصادية التي ستضر به. 
نتيجة لذلك، من المحتمل أن يتم تجنب المساعدات الدولية للبنان، المشروطة بالإصلاحات. في الوقت نفسه، يواصل حزب الله تعاظمه العسكري بمساعدة إيران في مشروع الدقة الصاروخية ("مشروع الدقة") وكذلك قدراته على تنفيذ تحرك بري في الأراضي الإسرائيلية. منذ الصيف، يهدد حزب الله بالانتقام لمقتل ناشطه في سوريا في هجوم للجيش الإسرائيلي، لكنه لم يسارع إلى تنفيذ التهديد. في الوقت نفسه، بدأت المفاوضات حول الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل، لكنها وصلت إلى طريق مسدود عشية تغيير الحكومة في الولايات المتحدة.

تعمل إسرائيل في سوريا ضد تموضع إيران وحزب الله، وتؤدي إلى تآكله وإبطائه، لكنها لا تبدو قادرة على إفشالهابالكامل. من ناحية أخرى، فإن سلسلة الضربات التي تعرضت لها إيران تقلل من قدرتها على كبح جماح نفسها وقد تدفعها للرد على إسرائيل، حتى من خلال أذرعها في الساحة الشمالية.
في ظل هذه الظروف، إلى جانب التحضير لرد إيراني محتمل فعلى إسرائيل أن تواصل إظهار عزمها على العمل ضد تعاظم المحور الإيراني الشيعي والمؤسسة الإيرانية ومشروع الدقة الصاروخية، مع تكييف الأساليب والساحات ووتيرة العمل مع ظروف الساحة المتغيرة. على وجه الخصوص، يجب فحص وتحديد التوقيت المناسب للعمل ضد مشروع الدقة، مع إدراك أنه قد يؤدي إلى تصعيد واسع النطاق. 
إن وجود مئات الصواريخ الدقيقة بحيازة المحور الإيراني وخاصة حزب الله، والتي يمكن أن تلحق أضرارًا مدنية واسعة النطاق في إسرائيل وشل الأنظمة الحيوية، هو تهديد استراتيجي يجب عدم السماح له بالتطور.

لن تختفي التحديات في الساحة الشمالية، لكن من المحتمل ألا تصل قريبًا إلى تصعيد واسع النطاق، لأنه في هذه المرحلة يركز جميع اللاعبين المعنيين على التعامل مع تداعيات أزمة كورونا ولا يريدون الحرب.
لكن حتى خلال هذه الفترة، تم توضيح مخاطر ديناميكية التصعيد غير المخطط له وغير المرغوب فيه، والذي يمكن أن يؤدي إلى حرب في ساحات لبنان وسوريا والعراق. يجب أن يكون هذا المخطط العام لحرب متعددة الساحات ("حرب الشمال") هو مصدر التهديد الرئيسي، ويجب على الحكومة الإسرائيلية الاستعداد له والتأكد من وعي الجمهور بخصائصه وعواقبه المحتملة، مع التركيز على إلحاق أضرار جسيمة بالجبهة الداخلية المدنية. في ذات الوقت يجب المبادرة بجهد سياسي وأمني لمنع الحرب واستنفاد البدائل الأخرى لتحقيق أهداف إسرائيل في الساحة الشمالية.


الساحة الفلسطينية: الحفاظ على الموجود أم السعي للتغيير؟

في عام 2020، عانى النظام الفلسطيني من عدة ضربات: جاءت "خطة ترامب" لتسوية إسرائيلية فلسطينية، والتي تجاهلت فعليًا الفلسطينيين ومطالبهم وتبنت موقف الحكومة الإسرائيلية الحالية من بعض القضايا؛ وقد ثبت عدم قدرتها على وقف نية الحكومة الإسرائيلية بفرض السيادة على مناطق في الضفة الغربية.
كذلك ضياع حق الفيتو الفلسطيني على التطبيع بين إسرائيل والدول العربية. أحدث وباء كورونا أزمة صحية وعمق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية في الساحة الفلسطينية. في الوقت نفسه، حولت إسرائيل التأخير في تطبيق السيادة إلى سياسة ضم زاحف وتوسيع البناء في جميع المستوطنات في الضفة الغربية. يبدو أنه من وجهة نظر القيادة الإسرائيلية الحالية، لا مصلحة في تعزيز عملية سياسية تجاه الفلسطينيين، لأن الوضع الحالي في نظرها هو في يد إسرائيل، وبالتأكيد عندما يتم اختراق حاجز التطبيع مع الدول العربية.
وحتى إذا دخلت إسرائيل في مفاوضات مع الفلسطينيين (منظمة التحرير الفلسطينية / السلطة الفلسطينية)، فمن المحتمل أن تطالب بأن تكون خطة ترامب أساسًا للنقاش - وهو ما سيرفضه الفلسطينيون.

ومع ذلك، فإن انتخاب بايدن للرئاسة يمثل توجها إيجابيا في نظر قيادة السلطة الفلسطينية. من المتوقع أن تُظهر الإدارة الجديدة دعمًا أقل لمواقف إسرائيل مقارنة بإدارة ترامب، بل ومن المتوقع أن تقوم الدول الأوروبية، على خلفية التقارب المتجدد عبر المحيط الأطلسي، بالعمل على تجديد العملية السياسية ودعم حل الدولتين. 
يؤيد الحزب الديمقراطي الأمريكي فكرة الدولتين، لكن من المستبعد أن تلغي الإدارة الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، أو تعيد السفارة من القدس إلى تل أبيب. من ناحية أخرى، من المرجح أن تلغي الإدارة الجديدة اعتراف (إدارة ترامب) بشرعية المستوطنات والبؤر الاستيطانية الإسرائيلية في الضفة الغربية. ومن الممكن أيضًا أن تفتح الإدارة الجديدة ممثليات منظمة التحرير الفلسطينية في الولايات المتحدة وربما أيضًا قنصلية مستقلة في القدس الشرقية.

حاولت القيادتان الفلسطينيتان (السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وحماس في قطاع غزة)، دون جدوى، تنظيم علاقاتهما من خلال المصالحة والوحدة والانتخابات. والنتيجة هي في الواقع تعميق التمييز بين المناطق، مع احتفاظ كل جانب بمواقفه وعدم استعداده للتحلي بالمرونة. ومع دخول الإدارة الجديدة في الولايات المتحدة، زاد إدراك الحاجة في النظام الفلسطيني إلى التنسيق مع إسرائيل والاعتماد على مساعدتها، ومنح درجة معينة من الشرعية للتعاون معها.

أما بالنسبة لحماس، فإن الأزمة الاقتصادية ووباء كورونا تجبر التنظيم على محاولة تكوين تفاهم مع إسرائيل من أجل تحسين الوضع الإنساني والصحي والبنية التحتية في قطاع غزة.
بدأت الاستعدادات لانتخابات القيادة، المتوقع إجراؤها في ربيع 2021، ويبدو أنه حتى في ظل هذه الحقيقة، فإن قيادة التنظيم ستبتعد عن استفزاز إسرائيل، بصورة يمكن أن تؤدي إلى مواجهة عسكرية. في الوقت نفسه، من المتوقع أن تستمر حماس في بناء قوتها العسكرية، وعلى وجه الخصوص زيادة مخزونها من الصواريخ والطائرات بدون طيار، الموجهة للهجوم على الأراضي الإسرائيلية.
في العامين الماضيين، تم إطلاق صواريخ عدة مرات من قطاع غزة - حوادث تم تبريرها على أنها بطريق الخطأ، لكن من المحتمل أن يكون هذا إطلاقًا متعمدًا، يهدف إبلاغ إسرائيل بأن التحديات الأمنية لا تزال قائمة، مع المخاطرة بالتصعيد. لكن من الواضح أن حماس غير معنية بالتصعيد، بل إنها تنجح في فرض الهدوء (النسبي) على القوى الأخرى في قطاع غزة.

لإسرائيل مصلحة في وجود سلطة فلسطينية عاملة ومستقرة وغير معادية. لذلك، من المناسب اتباع نهج داعم ومفيد يهدف إلى تقويته باعتباره العنوان الشرعي الوحيد لتسوية مستقبلية وتحديد هدف سياسي لـ "الترتيبات الانتقالية" التي ستشكل حقيقة الفصل (سياسيًا وإقليميًا وديموغرافيًا) وتحدد الشروط لواقع دولتين في المستقبل، (مخطط INSS).
أما بالنسبة لقطاع غزة، فإن المصلحة الإسرائيلية هي فترة طويلة من الهدوء الأمني. لذلك، من الصواب اعتبار حماس عنوانًا مؤقتًا مسؤولاً في قطاع غزة، وصياغة وقف إطلاق نار طويل الأمد معها، مقابل تحسين أوضاع السكان والبنية التحتية المدنية (كهرباء ومياه) في القطاع، وكذلك محاولة الحد من تعاظمها. و في حالة اندلاع مواجهه، يجب على الجيش الإسرائيلي والمنظمات الأمنية الأخرى أن تركز في تحرك الجيش على إلحاق أضرار جسيمة بالذراع العسكري لحماس والجهاد الإسلامي. 

البيئة الواقعية: أيام معارك يمكن أن تتصاعد إلى حرب غير مرغوب فيها

إن الردع الإسرائيلي من مواجهه واسعة أو الحرب على نطاق واسع ما زال موجوداً. اعداؤها يدركون قوتها والجميع منشغل بمشاكلهم الداخلية ومنها عواقب وباء كورونا. أدت ألعاب الحرب التي أقامها معهد دراسات الأمن القومي أواخر عام 2019 وأوائل عام 2020، حتى قبل أزمة كورونا، إلى تقدير أن جميع اللاعبين في الساحة الشمالية يسعون جاهدين لتجنب التصعيد. أوضح العام 2020 أن كل مصادر القوة المهمة في الساحة ليست مهتمة بالتصعيد، وهذا لم يحدث بالفعل. وقد أظهرت تجربة السنوات الأخيرة أن هذا هو الوضع أيضًا مع القوات في قطاع غزة.

رغم وجود وعي في إسرائيل وكذلك في صفوف حماس وحزب الله بالخطر الكامن في ديناميكيات التصعيد التي قد تتطور الى معركة، لكن يرجح أن الأطراف تقدر أنه سيكون من الممكن قطعها بعد عدة أيام من القتال، على غرار الاشتباكات القصيرة الأمد التي سجلت في السنوات الأخيرة في ساحة غزة. إلا أن مثل هذا السيناريو قد يكون خاطئًا، خاصة في الساحة الشمالية، إذا كان هناك ضحايا من أحد الجانبين أو كلاهما. 
عندها قد يتصاعد الفعل ورد الفعل، ما يؤدي إلى مواجهة واسعة النطاق وربما حرب غير معني بها أي طرف من الأطراف. يمكن أن تحدث مثل هذه الحرب ضد المحور الإيراني الشيعي، الذي يضم حزب الله في لبنان، والمبعوثين الإيرانيين في سوريا والعراق، وربما أيضًا ضد إيران نفسها. علاوة على ذلك، يمكن أن يمتد التصعيد إلى ساحات أخرى، ولا سيما المواجهة في قطاع غزة.

سيستخدم الجيش قدراته الهجومية في الحرب - في البر والجو والبحر - وسيتسبب في أضرار جسيمة للأطراف المقابلة، لكنه سيجد صعوبة في الوصول إلى حسم واضح وقطعي لا لبس فيه. 
في مثل هذه الحرب، من المتوقع أيضًا أن تواجه إسرائيل نيرانًا كثيفة من صواريخ أرض - أرض على الجبهة الداخلية، بعضها دقيق وبعضها سيخترق أنظمة الدفاع الجوي؛ كذلك هجمات طائرات مسيرة وحوامات صغيرة على الجبهه الداخلية؛ مع توغل القوات البرية في الأراضي الإسرائيلية لآلاف المقاتلين. 
كذلك هجمات سيبرانية، بهدف تقويض صمود الجمهور الإسرائيلي وضرب معنوياته، وثقته في القيادة السياسية والعسكرية. ستواجه المكونات الهجومية للجيش الإسرائيلي أنظمة دفاع جوي وبحري متطورة وأنظمة دفاع أرضي معقدة، والتي تشمل استخدام صواريخ تحت الأرض وصواريخ متقدمة مضادة للدبابات.

من الصواب بلورة خطة متعددة السنوات للجيش الإسرائيلي ورصد ميزانية مناسبة لها وتكييفها مع قيود الميزانية التي تتطلبها معالجة العواقب الاقتصادية لأزمة كورونا. تنفيذ برنامج تكثيف النقد الأجنبي كجزء من المساعدة الأمريكية، وكذلك ضمان استبعاد الجيش الإسرائيلي ووزارة الدفاع من الصراع السياسي في إسرائيل.


توصيات أساسية :
1. في مواجهة سعي إيران لامتلاك قدرة نووية عسكرية - صياغة سياسة تجاه الحوار المتوقع بين حكومة بايدن والمجتمع الدولي وإيران، وتحديد مصالح إسرائيل التي يجب حمايتها بموجب اتفاق نووي جديد. وفي ذات الوقت يجب تجديد وتقوية خيار هجومي موثوق به ضد إيران.

2. في مواجهة التموضع الإيراني في سوريا ومشروع دقة الصواريخ لحزب الله - يجب الاستمرار في العمل كجزء من المعركة التي بين الحروب (مبام)، مع تعديل الأساليب والساحات ووتيرة العمل. يجب فحص التوقيت المناسب للتصدي لمشروع الدقة في لبنان، باعتبار أن العملية قد تؤدي إلى تصعيد واسع النطاق.

3. يجب الاستعداد لاحتمال اندلاع حرب متعددة الجبهات - "حرب الشمال" - كتهديد رئيسي، وكذلك لسد الفجوات في التوقعات بين الجمهور فيما يتعلق بخصائصه والنتائج المحتملة. في الوقت نفسه، يجب البدء بجهد سياسي وأمني لمنع الحرب واستنفاد البدائل الأخرى لدفع أهداف إسرائيل الأمنية في هذه الساحة.

4. التكيف بسرعة مع الإدارة الجديدة في الولايات المتحدة واعتماد نهج غير متناقض معها، مع مراعاة المصالح والحساسيات الامريكية، يجب استشارة إدارة بايدن بهدف تقليل الخلافات المحتملة واستنفاد المصالح المشتركة مع التأكيد على التحديات التي تمثلها إيران وحزب الله وعلاقات إسرائيل مع الصين والقضية الفلسطينية.

5. تطوير العلاقات مع الصين بالتنسيق الوثيق مع الولايات المتحدة، وتوسيع قاعدة الخبرة الإسرائيلية في الصين وتحسين إدارة المخاطر أمامها، يجب الحفاظ على قنوات التنسيق الاستراتيجي مع روسيا، وتوطيد العلاقات مع أوروبا. بخصوص يهود العالم - يجب تقوية العلاقات مع الجاليات اليهودية، بسبب الأزمة العميقة التي تواجههم في الوقت الحاضر.

6. العمل على توسيع تيار التطبيع مع الدول العربية السنية، والعمل على دمج مصر والأردن (مع إعادة العلاقات معها) وكذلك السلطة الفلسطينية في التعاون الشرق أوسطي، وكذلك رفع مستوى العلاقات مع تركيا ومحاولة إذابة العلاقات معها.

7. تقوية السلطة الفلسطينية باعتبارها العنوان الشرعي الوحيد لتسوية مستقبلية وتحديد هدف "الترتيبات الانتقالية" التي ستشكل الفصل السياسي والإقليمي والديمغرافي، وبالتالي خلق الظروف لواقع الدولتين (مخطط INSS).

8. وضع علامة على حماس كعنوان مؤقت مسؤول في قطاع غزة وتحقيق وقف إطلاق نار مستمر معها، مقابل تحسين وضع السكان والبنية التحتية المدنية، وضمن جهود لوقف التعاظم العسكري. وفي حالة المواجهة، يجب أن يركز تحرك الجيش على ضربة صعبة للغاية للذراع العسكري للتنظيم.

9. إعطاء أولوية قصوى وتعزيز الإدارة المهنية واللامركزية لأزمة كورونا في إسرائيل بمختلف جوانبها - الصحية - الاقتصادية - الاجتماعية؛ كذلك إعطاء الأولوية للبنود المدنية في الميزانية.

10. تلخيص ووضع ميزانية لخطة متعددة السنوات ( تَرَّاش) للجيش الإسرائيلي وتكييفها مع قيود الميزانية المطلوبة للتعامل مع العواقب الاقتصادية لأزمة كورونا تنفيذ برنامج تكثيف النقد الأجنبي بمساعدة الولايات المتحدة؛ ضمان استبعاد الجيش الإسرائيلي ووزارة الدفاع بأكملها من الصراع السياسي في إسرائيل.

11. تقوية التفوق النسبي لإسرائيل في مجال تقنيات الذكاء الاصطناعي والسيبراني؛ لتعزيز البنية التحتية للاتصالات المتقدمة في جميع أنحاء البلاد، مع التركيز على ربط الأطراف بالمركز.

12. يجب قيادة جهود وطنية مركزة لتحقيق الانتعاش الاقتصادي والاجتماعي مع الجمع بين القطاعات وتقليل الفوارق، وفي الوقت نفسه إضفاء الطابع المؤسسي على آلية وأنماط عمل للتعامل مع الأزمات المعقدة الغير أمنية.

جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2020