نتنياهو يُلقي آخر أوراقه في رفح.. علامَ يراهن "الساحر" المأزوم؟

أحمد عبد الرحمن

كاتب في الشأن السياسي والعسكري


كتبنا في منتصف شباط /فبراير من هذا العام مقالاً حمل عنوان "عمليّة رفح المؤجّلة.. ورقة تفاوضيّة أم حاجة عملانيّة"، عدّدنا فيه أهم الأسباب التي تجعل الهجوم العسكري "الإسرائيلي "على مدينة رفح أمراً لا مفر منه، على خلاف ما كان يرى كثيرون من الكتّاب والمحللين.

في ذلك الحين، كان "جيش" الاحتلال مشغولاً بعمليته الواسعة في مدينة خان يونس، والتي أفرد لها في ذلك الوقت فِرَقاً وألوية قتالية من أفضل ما يملك، وصوّر المعركة التي كانت تدور في ثاني أكبر محافظات القطاع كأنها أم المعارك. كيف لا، وهي التي سِيق إليها معظم الأسرى الصهاينة من جنود ومستوطنين، كما كان يدّعي الناطق باسم "جيش" الاحتلال، ويوجد فيها كبار قادة حركة حماس وجناحها العسكري المقاتل.

وعلى الرغم من أن العدو كان يركّز كل جهوده، في تلك الفترة، على معركة خان يونس، بالإضافة إلى ما كان يجري من معارك في مخيمات المنطقة الوسطى، والتي تلقّى فيها ضربات قاتلة كما حدث في كمين المغازي على سبيل المثال لا الحصر، إلا ان التهديد بعملية عسكرية واسعة في رفح لم يغب عن معظم إحاطاته الإعلامية، او مؤتمراته الصحافية، والتي تبارز من خلالها رئيس وزرائه المتأزّم، ووزير حربه المسكون بجنون العظمة، في إظهار أهمية تلك العملية المرتقبة، وأنها ستشكّل صورة النصر الناجز الذي انتظره قادة الاحتلال، ومن ورائهم المجتمع الصهيوني المتطرّف، والذي انقاد كما القطيع خلف تصريحات جوفاء، وبروباغندا سوداء، لم تتحوّل حتى الآن بعد كل هذا الوقت الطويل من القتال، إلى حقيقة ساطعة، إذ إن كل ما وُعدوا به ذهب أدراج الرياح، ولم يرَ النور منه سوى أقل من واحد في المئة أو أقل. 

الأسرى الصهاينة ما زالوا في قبضة المقاومة، ولم يعودوا إلى ذويهم كما وعد نتنياهو مراراً وتكراراً من خلال القوة العسكرية، إلى جانب أن المقاومة الفلسطينية لم تنكسر، ولم ترفع رايات الاستسلام ولم تُلقِ السلاح، وهي ما زالت تعمل بوتيرة منتظمة بغض النظر عن ارتفاع نسق تلك الوتيرة أو انخفاضها، الأمر الذي تحكمه ضرورات الميدان وظروف المعركة. 

اليوم، ونحن ندخل الشهر الثامن للعدوان الصهيوني على قطاع غزة، وبعد كثير من الفشل وخيبة الأمل اللذين مُنيت بهما كل جهود الاحتلال العسكرية، بالإضافة إلى إخفاقه الواضح في تمرير سرديّته عن الأهداف والمبررات لتلك الحرب المجنونة، والتي زادت في عزلته العالمية، وفي حجم الانتقادات الموجهة إليه، حتى من المؤسسات الخاضعة للوصاية الأميركية، وأصبح وسم جرائم الحرب والإبادة الجماعية ملازماً له في كثير من التقارير الأممية، والمحاكم الجنائية ذات الاختصاص؛ بعد كل هذه التطورات، وعلى الرغم من إعلان حركة حماس موافقتها على المقترح المصري الساعي للتوصل إلى اتفاق يوقف الحرب، ويُعيد الأمور إلى ما كانت عليه قبل السابع من تشرين الأول/أكتوبر من العام الماضي، يصرّ العدو على الذهاب في اتجاه مغامرة عسكرية جديدة في مدينة رفح، متسلّحاً بموقف داخلي يشمل الائتلاف الحاكم والمعارضة على رغم التباينات الشكلية بين الفريقين، بالإضافة إلى مجتمع يميني متطرّف متعطّش إلى الدماء، إلى جانب موقف أميركي أقل ما يمكن ان يُقال عنه أنه موقف مشارك ومتعاون بصورة مباشرة، على رغم ما يُشاع عن خلافات وتباينات مدّعاة، أو عن عقوبات منتظرة لم نرَ لها أي تبعات تُذكر في مناسبات سابقة، وهي لا تتعدّى عن كونها محاولة أميركية جرّبناها سابقاً لذر الرماد في العيون، وللتغطية على المشاركة الأميركية في الجرائم والمذابح التي تُرتكب صباح مساء في القطاع المحاصَر والمنكوب.

في عملية رفح التي انطلقت منذ يومين، من خلال القصف العنيف على المناطق الشرقية من المدينة، والتي تحوي المؤسسات الحيوية والرئيسة التي تقدم الخدمات الإغاثية والصحية إلى مئات الآلاف من المواطنين، سواء من سكّان المدينة الأصليين، أو من النازحين الذي لجأوا إليها هرباً من آلة القتل والدمار الصهيونية من سائر مناطق القطاع، بالإضافة إلى معبر رفح البري، والذي يُعَدّ الشريان الوحيد الذي يربط قطاع غزة المحاصر بالعالم الخارجي من خلال جمهورية مصر العربية، يبدو رهان نتنياهو وأركان حربه واضحاً على تحقيق خمس مسائل رئيسة، بالإضافة إلى أخرى ثانوية. 

وهذه الأهداف، بغض النظر عن استمرار عملية رفح فترة طويلة على غرار عمليتي خان يونس والمنطقة الشمالية من القطاع، أو اقتصرت على أيام محدودة نتيجة مستجدات قد تطرأ، ولاسيما على صعيد مقترح التهدئة المصري المشار إليه أعلاه، قد تحوّل الإخفاق والفشل المستمرين منذ أكثر من سبعة أشهر إلى نجاح باهر يبدو نتنياهو وائتلافه الحاكم في أمسّ الحاجة إليه، لكنها، في المقلب الآخر، قد تعجّل سقوط هذا الائتلاف المتطرّف، وفي المقدمة منه نتنياهو ووزير حربه غالانت، وقد تدفع "الدولة العبرية" إلى الرضوخ رغماً عن أنفها لتفاهمات وقف إطلاق النار، والذهاب نحو صفقة شاملة تُنهي العدوان، وتُعيد الإعمار، وتُختتم بصفقة تبادل أسرى غير مسبوقة تُهشّم ما تبقّى من هيبة "إسرائيل"، وتصل بقوة ردعها التي تأكَّلت خلال الأعوام العشرة الماضية إلى الحضيض. لكن قبل أن نذهب إلى عرض الأهداف التي يراهن نتنياهو ومجلس حربه على تحقيقها، دعونا نُشِر بعجالة إلى محافظة رفح، ونعرض موقعها الجغرافي، وبعض التفاصيل المتعلّقة بها، حتى نعرف لم كل هذا الاهتمام الإسرائيلي بهذه المحافظة، والإصرار على اقتحامها وتدميرها.

تقع محافظة رفح في أقصى جنوبي السهل الساحلي الفلسطيني عند الحدود الفلسطينية المصرية، بحيث يفصلها عن مدينة غزة أكبر مدن القطاع وأكثرها سكانا نحو 38 كلم، وعن مدينة العريش المصرية نحو 45 كلم.

وترتفع عن سطح البحر 48 متراً، وتتميز بأرضها الرملية، إذ تحيط بها الكثبان الرملية من كل اتجاه.

يرجع أصل تسمية مدينة رفح إلى العهود القديمة، فتاريخ تأسيسها يرجع إلى خمسة آلاف عام، إذ أطلق عليها المصريون القدماء اسم "روبيهوى"، أما الآشوريون فأطلقوا عليها اسم "رفيحو"، بدورهم سمّاها الرومان واليونانيون "رافيا". أمّا اسمها الحالي فأطلقه عليها العرب. خضعت رفح للحكم البريطاني في عام 1917 بعد خلاف مع الدولة العثمانية على ترسيم الحدود بين مصر وبلاد الشام، بحيث تم في تلك الفترة فرض الانتداب على فلسطين. في عام 1948 دخل الجيش المصري رفح، التي بقيت تحت سلطة الإدارة المصرية إلى أن احتلها اليهود في عام 1956، ثم عادت إلى الإدارة المصرية بعد ذلك بعام واحد وصولا إلى عام 67، بحيث احتلها اليهود مرة أخرى حتى الانسحاب من قطاع غزة في عام 2005.

تحتل محافظة رفح موقعاً استراتيجياً مهمّاً وحيوياً لفلسطين بصورة عامة، وقطاع غزة على وجه الخصوص، وهي تُعد البوابة الجنوبية الأقرب إلى مصر، والمدينة التوأم لرفح المصرية، والتي لا تبعد عنها سوى كيلومترين اثنين، وهي أيضاً تمثل الأهمية ذاتها لمصر، إذ كانت قبل الاحتلال الإسرائيلي حلقة ربط مهمة بين مصر وفلسطين، والمشرق العربي على وجه العموم، وكان يمر من أراضيها خط السكك الحديدية الواصل بين القاهرة وحيفا، والذي تم تدميره بعد حرب عام 1967.

عقب الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، أصبحت المنطقة تشكل محوراً حساساً في النزاع العربي "الإسرائيلي"، إذ إنها لا تبعد عن خط الهدنة المرسوم وفقاً لاتفاقية عام 1949 سوى سبعة كيلومترات ونصف كيلومتر، وتقع بالقرب من محور فيلادلفيا الحيوي، كما تمتاز بقربها من مستوطنات غلاف غزة، حيث لا يفصلها سوى 12 كلم عن مستوطنة "نير إسحاق"، الأمر الذي يجعلها في منطقة التأهب العسكري الدائم بالنسبة إلى "إسرائيل"، ومنطقة مواجهات مستمرة. تقع في محافظة رفح أهم المعابر إلى القطاع، في المقدمة منها معبر "رفح" شريان الحياة الرئيس إلى القطاع، وبوابته الوحيدة إلى العالم الخارجي. وعلى بعد نحو 4 كيلومترات منها يقع معبر "كرم أبو سالم"، صلة الوصل المهمة بين القطاع والضفة الغربية، فمنه تعبر البضائع القادمة من فلسطين المحتلة، وكذلك المساعدات الإنسانية الدولية، ولاسيما في فترة العدوان الحالي. بالعودة من جديد إلى رهانات نتنياهو من وراء "المغامرة" العسكرية في رفح، والتي لا يُتوقع لها، بحسب معظم الخبراء والمحللين، ومن ضمنهم خبراء صهاينة، أن تحقق ما فشلت فيه أخواتها من العمليات الأخرى في سائر مناطق القطاع، والتي لقيت فشلاً ذريعاً، وإخفاقاً مدوياً، باستثناء عمليات التدمير والتخريب التي طالت كل نواحي الحياة في القطاع الصغير، والتي، بحسب اعتقادنا، تُعَدّ هدفاً أساسياً من أهداف الحرب المجنونة التي تُشن على القطاع، والتي يهدف العدو من ورائها إلى استعادة جزء من قوة ردعه التي انهارت تماماً نتيجة ما جرى صبيحة السابع من تشرين الأول/أكتوبر من العام الماضي، وما أعقب ذلك من خيبات وإخفاقات في مختلف جبهات القتال.

أول الأهداف التي يراهن نتنياهو على تحقيقها، هو استعادة جزء من الأسرى الصهاينة من جنود ومستوطنين، والذين لا يُعرَف حتى الآن، على الرغم من الجهد الاستخباري الهائل الذي تقوم به أجهزته الأمنية، بمساعدة أميركية وبريطانية بصورة خاصة، عدد من تبقّى منهم في قيد الحياة، بعد مقتل العشرات منهم بحسب إعلان فصائل المقاومة نتيجة القصف العشوائي الذي تشنه الطائرات الحربية الإسرائيلية على مختلف مناطق القطاع.

وتُعَدّ قضية الأسرى بمنزلة الورقة الأهم التي تملكها المقاومة الفلسطينية، وتستطيع من خلالها المناورة لتحقيق أكبر قدر ممكن من أهدافها التي سعت من أجلها منذ انطلاق عملية "طوفان الأقصى" البطولية، وهو الأمر الذي يسعى نتنياهو لحرمانها منه من دون طائل منذ بداية العدوان على غزة، إذ إن فشله في تحقيق إي إنجاز يُذكر في هذا الجانب، باستثناء استعادة ثلاثة أسرى وبعض الجثث، زاد في حجم الضغوط الداخلية التي يتعرض لها من ذوي الأسرى وعوائلهم، وهو الأمر الذي يمكن أن تزداد وتيرته كما هو متوقع بعد تكرار هذا الفشل في مدينة رفحثاني الأهداف هو إرضاء حلفائه من قوى اليمين المتطرف، ولاسيما الوزيران الأحمقان بن غفير وسموتريتش، اللذان يحاولان ابتزازه منذ اليوم الأول لبدء العدوان على غزة، ويهددانه بالانسحاب من الائتلاف الحاكم في حال أوقف الحرب، الأمر الذي يعرّض هذا الائتلاف للسقوط والتفكك، وهو الأمر الذي يعني بالضرورة سقوط نتنياهو في أي انتخابات جديدة قد تُجرى لاحقاً، ولاسيما أن كل استطلاعات الرأي تشير إلى انعدام فرصه في الفوز برئاسة الوزراء مرة أخرى، في ظل تحميله مسؤولية الإخفاق في منع عملية "طوفان الأقصى"، أو معالجة ما نتج منها من تداعيات أضرّت صورة "إسرائيل " كـ"دولة" قوية ومقتدرة، إلى جانب تحويلها إلى "دولة" منبوذة ومحتقرة بفعل ما ارتكبته من جرائم ومذابح بحق المدنيين الفلسطينيين. 

ثالث الأهداف التي يراهن نتنياهو على تحقيقها هو السيطرة على معبر رفح البري، والذي يُعَدّ حلقة الوصل الوحيدة لأهالي القطاع مع العالم الخارجي، إذ إن السيطرة على هذا المعبر من جديد بعد تسليم مقاليد الأمور فيه إلى أجهزة السلطة الفلسطينية بعد اتفاق أوسلو في عام 1993، تعني تحكّمه بصورة مباشرة في حركة الدخول والخروج من أراضي القطاع، وهي ميزة تسعى "دولة" الاحتلال لاستعادتها منذ أعوام طويلة، بالإضافة إلى أمر أهم، هو إفقاد حركة حماس، التي سيطرت على المعبر بعد أحداث الانقسام الداخلي في عام 2007، إحدى أوراق قوتها المهمة، بحيث يُعَدّ المعبر من مظاهر السيادة والسيطرة لأي جهة تُحكم قبضتها عليه، وهو ما قام به الاحتلال يوم أمس.

رابع الأهداف هو السيطرة على محور صلاح الدين، "فيلادلفيا"، الاستراتيجي بين قطاع غزة ومصر، والذي يبلغ طوله نحو 14 كيلومترا، ويتم النظر إليه إسرائيلياً على أنه يحوي شبكة من الأنفاق الأرضية التي تستخدمها المقاومة في تهريب السلاح إلى القطاع، وهو ما نفته المقاومة أكثر من مرة، وأكدّت حينها أن تلك الأنفاق كانت تُستخدم في فترة سابقة لتزويد القطاع بما يحتاج إليه من المواد الغذائية والتجارية والطبية، ولاسيما في أثناء فترة تشديد الحصار على القطاع بعد أحداث الانقسام، وهو الأمر الذي تم الاستغناء عنه لاحقاً بصورة كبيرة، بعد تحسّن العلاقة بين حماس ومصر، وعودة العمل لمعبر رفح، سواء تلك الخاصة بحركة المسافرين أو البضائع. خامس الأهداف، التي يراهن عليها نتنياهو، هو الوصول إلى قادة المقاومة أو بعض منهم، إذ أنه يَعُدّ الظفر ببعض هؤلاء القادة، ولاسيما الذين يحمّلهم مسؤولية الإشراف على هجوم السابع من أكتوبر وإصدار قرار شنه، من أهم الأهداف التي يمكن تحقيقها، والتي يمكن أن تعيد إليه جزءاً من هيبته المفقودة، وعنجهيته التي سقطت تحت أقدام أبطال غزة، ويأتي في المقدمة منهم رئيس حركة حماس في غزة، يحيي السنوار، وقائد كتائب القسام، محمد الضيف، وآخرون، والذين فشلت كل الجهود في الوصول إليهم بعد هذا الوقت الطويل من القتال، وعلى الرغم من ادعاء الاحتلال أنه حصل على دلائل وبينات تشير إلى أماكن وجودهم، كما حدث عند اجتياحه مدينة خان يونس، إلا أنه عاد بخفي حنين، كما هي العادة. ختاماً، يمكننا القول إن ما فشل فيه الاحتلال، خلال أكثر من سبعة أشهر من القتال، والتي استخدم فيها كل ما في جعبته من أدوات قتالية لا تتوافر لأي من دول المنطقة، ولا لكثير من دول العالم، واستعان من خلالها بكل الخبرات والقدرات التكنولوجية التي قدّمها إليه حلفاؤه من محور الشر، ولاسيما على الصعيدين الاستخباري والأمني، لا يبدو أنه سينجح في تحقيقه في عمليته الحمقاء في رفح، إذ إن هذه المدينة الباسلة والعصيّة على الانكسار، والتي سحقت جنوده ومزقتهم إلى أشلاء في عام 2004، ومرّغت أنف جيشه في التراب في إبّان عدوان عام 2014، بالإضافة إلى كثير من محطات النضال والكفاح الأخرى، قادرة، بعنفوان مقاتليها ووحدة صفهم، وثبات سكانها الأعزاء وصمودهم، على تكبيد قوات العدو خسائر فادحة، وإفشال كل ما يسعى لتحقيقه من أهداف، على الرغم من الدمار المتوقع، والخراب المنتظر. رفح ستبقى، كما عرفناها طوال أعوام الانتفاضات الفلسطينية المجيدة، الصندوق الأسود الذي يفاجئ العدو من حيث لا يحتسب، ويُسقط رهاناته بالضربة القاضية، ويكتب من جديد أشعار النصر وتغاريد الفرح، وما ذلك على الله بعزيز.


جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2023