صحيفة جيروزاليم بوست
ترجمة حضارات
لا أملك أي ثقة في مستقبل القيادة: انهيار الحركة الصهيونية الأمريكية
حضرتُ المؤتمر السنوي للحركة الصهيونية الأمريكية متوقعًا إلحاحًا وجدية، واعترافًا بأن السابع من أكتوبر قد غيّر العالم اليهودي تغييرًا جذريًا. توقعتُ تأملًا ومساءلة، ولو لمحة من إعادة النظر في الاستراتيجيات. لكن بدلًا من ذلك، دخلتُ قاعة جامدة، يقودها أشخاص يبدون غير مدركين أن الأرض التي يقفون عليها قد انهارت بالفعل.
كان معظم الحضور في الستينيات والسبعينيات من العمر، يترأسون حركة لم يعودوا يفهمونها، ولن يشهدوا تجديدها أو استبدالها. من بين جميع الحاضرين، ربما لم يكن هناك سوى ثلاثة أشخاص دون الأربعين. حتى قبل أن تُذكر كلمة “المستقبل”، كان التناقض صارخًا، وقد زاد المتحدثون الافتتاحيون من وضوحه.
ألقى أحد المتحدثين الأوائل خطابًا أجوف، منفصلًا عن الواقع إلى درجة أن الحضور غادروا القاعة بهدوء، لا استهزاءً، بل مللًا. لم تكن تلك لحظة عابرة، بل دلالة عميقة على حال الحركة الصهيونية الأمريكية: منظمة عاجزة عن خلق أي شعور بالأهمية أو الإلحاح أو المعنى، في اللحظة التي تدّعي فيها أنها تصنع المستقبل.
المؤتمر الذي لم يستطع إدارة نفسه
كان من المستحيل تجاهل الخلل. تداخلت الجلسات، أو أُلغيت، أو تغيّرت دون أي تفسير. كان التواصل ضعيفًا أو معدومًا. وبصفتي راعيًا ومتحدثًا مدعوًا، لم أتلقَّ أبسط أشكال اللياقة المتوقعة في أي تجمع جاد، ناهيك عن منظمة وطنية تدّعي قيادة الصهيونية الأمريكية. القيادة التي تعجز عن إدارة الأمور اللوجستية لا تملك أي مصداقية في إدارة الأيديولوجيا.
في المقابل، صوّرت البيانات الإعلامية التي أصدرتها منظمة الحركة الصهيونية الأمريكية بعد المؤتمر الحدث على أنه موحِّد، ومتطلع للمستقبل، وصاحب رؤية. لم يكن لهذا السرد أي صلة بالواقع. ما جرى فعليًا لم يكن قيادة، بل استعراضًا — طقوسًا لتأكيد الذات تهدف إلى طمأنة الممولين والمطلعين بأن الآلية لا تزال تعمل، حتى وهي تتوقف ببطء. كانت الفجوة بين الدعاية والواقع كبيرة إلى حد السخرية.
فشل “لجنة القيادة الشابة”
لم يكن الفشل أوضح مما سُمّي بـ“لجنة القيادة الشابة”. على الورق، بدت وعدًا بالتجديد، لكنها في الواقع كشفت عن تفكك الحركة. جلس اثنان أو ثلاثة من الشباب الحقيقيين إلى جانب شخصيات مخضرمة لا مبرر لوجودها في هذا السياق. لم يكن حضورهم بدافع التوجيه أو الانتقال، بل بدافع السيطرة. وما جرى لم يكن حوارًا، بل تبريرًا.
لم تُقدّم اللجنة أي أفكار ملموسة، ولا مسارات للقيادة، ولا دعوات للمشاركة، ولا أي تحدٍّ للنظام القائم. كان متوقعًا من الشباب التعبير عن الامتنان بدلًا من الرؤية، والخضوع بدلًا من التغيير الجذري. وقد أقرّ أكثر من مشارك لاحقًا بأن اللجنة كانت مشوّهة، وأن بعض الشخصيات المخضرمة لم يكن لها أي داعٍ للوجود.
بدلًا من سؤال الشباب عمّا يحتاجونه، شرح أعضاء اللجنة سبب نجاح النظام الحالي. وبدلًا من بناء قادة، دافعوا عن الهياكل القائمة. لم يكن ذلك صدفة، بل هو الهدف.
تجربة شخصية مع الإقصاء
عندما أسستُ صندوق الابتكار الإسرائيلي، واجهتُ من عرقل الجهود بدل دعمها. لم أؤسس الصندوق لأن المؤسسة احتضنت القيادة الشابة، بل لأن الأبواب كانت مغلقة. واليوم، ومع فقدان هذه المؤسسات لشرعيتها، لجأت إلى لغة “إشراك الشباب” دون أي نية حقيقية للتنازل عن السلطة.
لماذا فهم المراهقون الحقيقة
أوضح نقد للمؤتمر لم يأتِ من النقاد، بل من المراهقين الحاضرين. بعد جلستي — وهي من اللحظات القليلة التي عومل فيها الشباب كمشاركين لا كمتفرجين — تلقيتُ رسالة إلكترونية لخّصت كل ما هو خاطئ في المؤتمر. قال كاتبها:
“كنتَ الشخص الوحيد الذي خاطبنا بصدق، لا أن يلقي علينا محاضرة. قدّرتُ فرصة التفاعل مع أفكارك. مشروع مكابي فكرة رائعة، خاصة إحياء اللغة العبرية. هل توجد فرص حقيقية لمشاركة المراهقين؟”
لم يكن هذا الرأي استثناءً. عندما قلت إن العالم اليهودي المنظم يتحدث كثيرًا عن تمهيد الطريق للشباب لكنه نادرًا ما يفعل ذلك فعليًا، أجاب أحد الطلاب فورًا: “هذه حقيقة”.
بدأ الطلاب، واحدًا تلو الآخر، بالتعبير عن إحباطاتهم. تحدثوا عن التلاعب، والإسكات، وتكرار تطمينهم بأن النظام مزدهر، بينما تجربتهم الشخصية تقول العكس. لم يكن الغضب هو اللافت، بل الوضوح.
فشل أيديولوجي لا تنظيمي
المشكلة ليست مجرد خلل تنظيمي، بل انهيار أيديولوجي. لم تعد الحركة الصهيونية الأمريكية أداة لنشر الصهيونية، بل تحولت إلى متحف لها. قيادتها المتقدمة في السن، والمعزولة، والمحصنة هيكليًا، تشاهد نظامًا ينهار وتكتفي بالخطابات والندوات والبيانات.
هذا الوضع غير قابل للإصلاح. فالمؤسسات التي تُصمَّم لحماية مصالحها لا تتكيّف، بل تُجمل الانهيار. تتحدث عن التغيير بينما تمنعه بنيويًا. الحركة الصهيونية الأمريكية ليست استثناءً، بل التعبير الأوضح عن فشل أوسع: حركة ساهمت في بناء دولة، ثم تحولت إلى إدارة علامة تجارية قديمة.
صراع رؤيتين
يدخل العالم اليهودي صراعًا أيديولوجيًا داخليًا. من جهة، دعاة الهوية العبرية، واللغة، والسيادة، والقوة. ومن جهة أخرى، دعاة الاندماج الليبرالي الذين يفرغون الهوية من مضمونها، ويحوّلون الصهيونية إلى مفهوم أخلاقي مجرد. لا يمكن لهاتين الرؤيتين أن تتعايشا. وقد اختارت قيادة الحركة الصهيونية الأمريكية جانبها.
تحذير هرتزل
حذّر هرتزل من ضيق الأفق، وأدرك أن البقاء يتطلب وضوحًا وجدية. بنى مؤسسات تقود شعبًا نحو السيادة. أما الحركة اليوم، فلا تستطيع حتى الالتزام ببرنامج زمني. بنى هرتزل أمة، بينما تُنتج هذه الحركة شعارات.
الخلاصة
الخيار المطروح ليس تنظيميًا بل حضاريًا. المسألة ليست جلسات أو منصات، بل هوية. عندما سُئل يونا عن هويته، أجاب ببساطة: “أنا عبري”.
هذا ما يبحث عنه الجيل القادم: الجذور، والقوة، والوضوح، والانتماء. إذا لم تستطع الحركة الصهيونية الأمريكية بناء جيل كهذا، فقد كتبت نعيها بنفسها.