نشأت الحركة النسائية المصرية متشابكة مع الحركة الوطنية المصرية منذ أوائل القرن العشرين. وقد أصبحت القضية الفلسطينية، خاصة بعد عام 1948، جزءاً أساسياً من الهوية الوطنية والقومية العربية، وبالتالي صُبغ الخطاب النسوي ببُعدين:
بُعد تحرري معني بالمطالبة بحقوق المرأة كجزء من تحرر الأمة، وبُعد تضامني معني بدعم القضية الفلسطينية كقضية تحرر وطنية وقومية. كانت الحركة النسوية في فترة ما قبل عبد الناصر (حتى 1952) بقيادة نخبة مثل هدى شعراوي، نشطة في العمل الوطني العام. وفلسطين كانت قضية مركزية في المشاعر الوطنية، خاصة بعد وعد بلفور 1917 وثورة 1936 ثم حرب 1948، حيث نظمت الجمعيات النسائية كالاتحاد النسائي المصري حملات توعية ومحاضرات عن خطر الصهيونية وجمع التبرعات لدعم الفلسطينيين، بجانب المشاركة في الاحتجاجات.
وقد شاركت النساء في المظاهرات المناهضة للصهيونية وللاستعمار البريطاني الذي ربطته الحركة الوطنية بدعم الصهيونية. ومن خلال هذا الإطار، مثلت نسويات مصريات فلسطين في مؤتمرات نسائية دولية كمؤتمر الاتحاد النسائي الدولي، وحاولن كسب تعاطف عالمي. لقد شهد العمل النسوي في تلك الفترة نضالاً وطنياً عاماً، وليس كحركة نسوية مستقلة بخطاب خاص عن فلسطين.
أما في فترة حكم جمال عبد الناصر (1956-1970)، فقد شهدت صعود القومية العربية وتأميم قناة السويس وحرب 1956 ثم 1967، حيث كانت الدولة تحتكر العمل السياسي والجماهيري وتضمّن المجتمع المدني في أجهزتها (الاتحاد الاشتراكي والاتحاد النسائي الذي أصبح تابعاً للدولة). وقد قاد الاتحاد النسائي (الرسمي) تحت مظلة الدولة حملات لتعبئة النساء لدعم الجيش، والتبرع بالذهب والمجوهرات "كهبة النساء" بعد نكسة 1967 تحت شعار "الأولوية للمعركة". وتم دمج القضية الفلسطينية في الخطاب الرسمي للدولة وتبنته المنظمات النسائية التابعة، فأصبح التضامن مع فلسطين جزءاً من الواجب الوطني للمرأة. لقد شهد عهد عبد الناصر تقييد المبادرات المستقلة، ولم يُسمح بوجود حركة نسوية مستقلة عن الدولة، فانحصر العمل في الإطار الرسمي، مما حدّ من قدرة النساء على تطوير خطاب نسوي نقدي خاص بقضية فلسطين، مثل نقد احتلال الأراضي وربطه بالاضطهاد والعنف ضد النساء. ولكن كانت هناك مفارقة؛ فعلى الرغم من القمع الناصري للمجتمع المدني المستقل، إلا أن فترة الستينيات شهدت ذروة في تضامن النساء المصريات مع فلسطين كجزء من الهوية العربية، لكن بصورة غير نقدية وضمن خطاب الدولة.
وبعد انتقال مصر من المحور السوفييتي إلى الأمريكي، مع حرب 1973 ثم معاهدة كامب ديفيد 1979 وقطيعة مع العالم العربي، وظهور الانفتاح الاقتصادي وبداية صعود التيارات الإسلامية والليبرالية في فترة حكم السادات (1970-1981)، ظهر انقسام حاد في المجتمع المدني النسوي الذي بدأ يستعيد استقلاليته جزئياً: بين تيار رسمي داعم للسادات وتبنى خطاب السلام مع إسرائيل، ومؤسسات رسمية مثل الاتحاد النسائي، وتيار معارض (قومي، يساري، إسلامي) رفض التطبيع واستمر في دعم فلسطين. وظهرت جمعيات أهلية جديدة غير حكومية ونوادي سياسية (مثل نادي المرأة بالقاهرة) ناقشت القضية برؤى مختلفة. لقد شهد عهد السادات بروزاً في العمل الأهلي بعد كامب ديفيد، حيث نشطت مجموعات نسوية مستقلة في جمع التبرعات للاجئين الفلسطينيين عبر الصليب الأحمر والأونروا، أو دعم منظمة التحرير الفلسطينية. كما أثرت الصحوة الإسلامية في تقديم خطاب تضامني مع فلسطين من منظور ديني، وجذبت نساء كثيرات، مما شكل منافساً للخطاب النسوي العلماني.
وتطور دور المجتمع المدني النسوي خلال استمرار حالة السلام البارد مع إسرائيل، وصعود النيوليبرالية، وتزايد القمع الأمني، وتنامي حركات الاحتجاج مثل انتفاضة الأقصى 2000 والحرب على غزة 2008-2009 في فترة حكم مبارك (1981-2011)، حيث ظهرت عشرات الجمعيات النسائية المستقلة (حقوقية، تنموية، إسلامية) بعد مؤتمر بكين 1995، وظهرت حالة من التضامن الحقوقي. لقد ربطت المنظمات الحقوقية النسوية (كالمركز المصري لحقوق المرأة ومؤسسة المرأة الجديدة) بين انتهاكات حقوق الإنسان في فلسطين وفي مصر، وانتقدت الاحتلال كشكل من أشكال القمع، ورأته مرتبطاً بالقمع الذكوري.
ومع انتفاضة الأقصى 2000 وحرب غزة 2008، نظمت تحالفات نسوية بالاشتراك مع أحزاب ونقابات مظاهرات وقوافل مساعدات (كقافلة الكرامة 2009 لمحاولة كسر الحصار على غزة)، وجمع تبرعات، بجانب إصدار نشرات وأبحاث مع عقد ندوات عن جرائم الحرب ضد النساء الفلسطينيات وعن مقاومة النساء الفلسطينيات. وواجهت النساء العديد من التحديات، حيث منعت السلطات كثيراً من الفعاليات المؤيدة لفلسطين تحت ذريعة "عدم الخوض في السياسة" و"الحفاظ على السلام"، والانقسامات الداخلية التي نشأت بين النسويات العلمانيات اللواتي ركزن على الربط بين تحرر المرأة وتحرر الأرض، وبين الإسلاميات اللواتي جعلن فلسطين قضية دينية أولاً، وبين النسويات الليبراليات اللواتي قدّمن أولوية لقضايا المرأة الداخلية.
وفي السنوات القليلة قبل الثورة، ازداد الربط بين القمع الداخلي في مصر (أثناء حكم مبارك) ودعمه للحصار على غزة، مما جعل القضية الفلسطينية جزءاً من خطاب المعارضة الشاملة. وشاركت ناشطات نسويات كثيرات (منهن من جيل الشباب) في حركات مثل "كفاية" و"حركة 6 أبريل"، والتي رفعت شعارات ضد التطبيع وضد دور مصر في حصار غزة. وبدأ يتشكل خطاب نسوي يربط بين التحرر الوطني والتحرر الجندري، ويرى أن مقاومة الاحتلال جزء من معركة التحرر الإنساني الشامل.
في فترة حكم مبارك، وخاصة السنوات الأخيرة، حدث حالة من التحول في التوجه النسوي من الوطني العام إلى النسوي الخاص، حيث تطور دور المجتمع المدني النسوي من كونه مجرد رديف للعمل الوطني العام (قبل عبد الناصر وخلاله) إلى محاولة صياغة خطاب نسوي مميز يربط بين اضطهاد المرأة والاحتلال. وانتقلت حالة التضامن من النظري للعملي من خلال التبرعات والمظاهرات. وتلك الحالة العملية كانت أقوى من الجانب النظري في تقديم تحليل نسوي عميق للصراع، كتأثير الاحتلال على حياة النساء الفلسطينيات بشكل نوعي. وكانت تواجه الحركة النسوية معضلة مستمرة في التوفيق بين الأولويات: التركيز على قضايا المرأة الداخلية (الموروثات الثقافية، القوانين التمييزية) وبين الانخراط في القضية الوطنية الكبرى (فلسطين).
وغالباً ما اختارت الجمع بينهما، لكن مع ترجيح كفة القضية الفلسطينية في لحظات الأزمة. وقبل ثورة يناير 2011، كانت المرأة المصرية والناشطات النسويات قد رسخن أنفسهن كفاعلات أساسيات في مشاعر التضامن مع فلسطين، ولكن داخل أطر تتأرجح بين الخطاب الوطني التقليدي والخطاب الحقوقي النسوي الجديد. وكانت الثورة 2011 لحظة انفجار لهذا التراكم، حيث اختلطت شعارات الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة بالهتاف لفلسطين في ساحات الاعتصام بكل الميادين.
تعمل المنظمات النسوية المصرية ضمن سياق معقد يجمع بين النضال من أجل حقوق المرأة والانخراط في القضايا الوطنية والقومية الأوسع، وأبرزها القضية الفلسطينية. هذه المعضلة المزدوجة تعكس التوتر التاريخي بين النسوية والتحرر الوطني في المنطقة العربية، حيث غالباً ما اتهمت الحركات النسوية بالانفصال عن أولويات الشعوب أو بالتبعية لأجندات غربية. منذ بدايات الحركة النسوية المصرية في أوائل القرن العشرين، واجهت الناشطات تحدي التوفيق بين المطالب النسوية والانتماء الوطني.
ففي فترات النضال ضد الاستعمار، طُلب من النساء تأجيل مطالب النوع الاجتماعي لصالح المعركة الكبرى. هذا الإرث التاريخي لا يزال يؤثر على الخطاب النسوي المعاصر، حيث تواجه المنظمات النسوية اتهامات بالتغريب أو الانفصال عن الهموم الوطنية إذا ركزت بشكل مفرط على قضايا النوع الاجتماعي بمعزل عن القضية الفلسطينية. تعمل المنظمات النسوية المصرية تحت قيود متعددة، منها: القيود الحكومية عبر قوانين تضع شروطاً صارمة على التمويل الأجنبي والنشاط، والحساسية الشديدة لأي موقف ينظر إليه على أنه تطبيع مع إسرائيل في ظل استمرار الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، والضغوط الاجتماعية وفقاً لتوقعات الرأي العام المصري الذي يرى في القضية الفلسطينية قضية مركزية للأمة العربية والإسلامية. وتواجه المنظمات النسوية تساؤلات جوهرية: هل يمكن الفصل بين تحرر المرأة والتحرر الوطني؟ وكيف تتعامل مع عنف الدولة والاحتلال معاً؟ وهل تركيزها على قضايا مثل العنف المنزلي أو التحرش الجنسي يعني تجاهلها للعنف السياسي الأوسع؟
وشهد العقدان الماضيان تحولاً في مفردات العديد من المنظمات النسوية المصرية نحو خطاب التمكين الاقتصادي والمشاركة السياسية، مدعوماً بتمويل من جهات دولية وأوروبية بشكل أساسي. هذا التحول يحمل إشكاليات متعددة: كتهميش القضايا التحررية الشاملة حيث حوّل خطاب التمكين القضايا النسوية إلى مشاريع منفصلة (مشروعات صغيرة، برامج قيادية) بدلاً من رؤية شاملة تربط اضطهاد المرأة بأنظمة القمع المتعددة، والتركيز على تمكين الفرد بمعزل عن السياق السياسي الأوسع الذي يشمل الاحتلال والاستبداد المحلي، وتبني مصطلحات وأجندات تتناسب مع أولويات الممولين الأوروبيين والأمريكيين، الذين غالباً ما يتجنبون دعم الأنشطة المرتبطة بقضايا سياسية حساسة مثل فلسطين.
تعيش المنظمات النسوية تناقضاً بين الحاجة للتمويل لاستمرار عملها، والرغبة في الحفاظ على استقلالية أجندتها، والضغط لتبني مقاربات تقنية تهمش البعد السياسي التحرري. وتظهر نماذج للمنظمات ووجهات النظر المختلفة: فبعض المنظمات التي تركز على التمكين الاقتصادي واجهت انتقادات في أعقاب الربيع العربي، حيث اتهمتها حركات شعبية وناشطون بتجاهل القضية الفلسطينية في خطابها ونشاطها، وبتقديم صورة منقاة عن المرأة المصرية منفصلة عن نضالاتها الوطنية، بينما دافعت هذه المنظمات بأن تمكين المرأة هو جزء من النضال التحرري الشامل، وأن عملها اليومي في مواجهة العنف ضد المرأة يمثل مقاومة لأنظمة القمع.
ومن ناحية أخرى، واجهت منظمات أخرى مثل اتحاد النساء التقدمي (ذو الخلفية اليسارية) انتقادات لتركيزها المفرط على القضية الفلسطينية على حساب معالجة قضايا نسوية ملحة داخل مصر مثل العنف الأسري أو القوانين التمييزية، حيث حاولت المنظمة الحفاظ على توازن يصعب تحقيقه، مؤكدة أن التحرر الوطني والتحرر الجندري وجهان لعملة واحدة. وحول المنظمات النسوية خلال العدوان على غزة، أطلقت بعض المنظمات بيانات تضامنية قوية وخصصت جزءاً من نشاطها لدعم فلسطين، والتزمت أخرى الصمت أو أصدرت بيانات عامة جداً. وهذا يعكس أن الاختلاف ليس فقط في المواقف السياسية، ولكن أيضاً حسابات عملية تتعلق بالتمويل والعلاقة مع الحكومة المصرية، والمخاوف من الاتهام بالتسييس.
تواجه المنظمات النسوية المصرية معضلة حقيقية في التوفيق بين: الالتزام بقضايا النوع الاجتماعي كأولوية تأسيسية، والانتماء الوطني والتضامن مع القضية الفلسطينية، ومتطلبات الاستمرارية المؤسسية والتمويل، والضغوط السياسية في سياق مصري متشدد على النشاط المدني. تظل المعضلة المزدوجة للمنظمات النسوية المصرية تجاه القضية الفلسطينية مرآة للتعقيدات الأوسع التي تواجه الحركات الاجتماعية في العالم العربي، حيث يصعب الفصل بين النضال من أجل الحرية الفردية والجماعية، وبين المحلي والإقليمي، وبين التخصصي والشامل. وقد شهدت هذه الفترة انعكاسات على المستقبل ومفارقات الهوية بين وحدة المصير بين الحريات الداخلية والتضامن الخارجي، حيث أثبتت هذه التجربة أن المجتمع المدني المقموع داخلياً لا يمكن أن يكون مناصراً حقيقياً للقضايا الخارجية. فالنظام الذي يخشى شعبه لن يسمح له بالتضامن مع شعوب أخرى، لأن التضامن الحقيقي قوة تحريرية تُعلّم الناس التضامن مع أنفسهم أولاً.
نتج عن ذلك بوادر اختراق آليات القمع رغم الظلام، وهو: بروز نشطاء ومؤثرين يستخدمون الترميز واللغة الرقمية لنشر الوعي حول جرائم الحرب، متجنبين الكلمات المباشرة التي تثير الرقابة، وحالة التضامن عبر المهن كمبادرات من أطباء وصحفيين وفنانين لتقديم الدعم المهني المباشر لأقرانهم في غزة رغم العقبات الهائلة، وتداول قصص وصور الحرب عبر التطبيقات المشفرة مثل تليجرام وسيجنال، مما يحفظ سردية الإبادة خارج السيطرة الرسمية.
ومن المرجح استمرار النموذج الحالي، لكن مع تراكم تناقضات قد تنفجر لاحقاً: حيث سيتعمق الانفصام بين الشعب والدولة، كما ستتآكل الشرعية الأخلاقية للنظام حتى داخل الأوساط الموالية التقليدية، وقد يتحول المجتمع المدني إلى ظاهرة تحت الأرض وشبكية بالكامل، تاركاً الساحة الرسمية فارغة إلا من الخطاب الرسمي الفارغ. وتشير النتيجة النهائية إلي محاولات تعلم الدرس في مسألة الهشاشة والمرونة.
فالمجتمع المدني المصري الذي ارتفع سريعاً (2011-2013)، سقط بقسوة (بعد 2013)، ووصل إلى حضيض صمته القسري أمام الإبادة (2023-2025). لكن هذا المسار لا يعني موته، بل تحول. وعندما ننظر إلي التاريخ، نجد أن المجتمعات التي تمر بمثل هذه التجارب القاسية تتطور آليات بقاءها وتمردها خفية، تنتظر لحظة الضعف النظامي. فالقضية الفلسطينية التي كشفت هشاشة المجتمع المدني الرسمي، قد تكون نفسها البذرة التي تُعيد تشكيله في المستقبل بشكل أكثر جذرية وعمقاً، عندما تتفكك آليات الخوف أو تتعرض لضغوط لا تطاق.