المناورات العسكرية الإيرانية الخلفيات التنظيمية والدلالات التعبوية

عبدالله أمين

خبير عسكري وأمني

المناورات العسكرية الإيرانية

الخلفيات التنظيمية والدلالات التعبوية 

عبد الله أمين 

16-01-2021


تعمد الدول إلى بناء مؤسساتها العسكرية والأمنية لتلبية احتياجها في الدفاع عن مصالحها ودفع التهديدات التي يمكن أن تتعرض لها أثناء عملها على تأمين تلك المصالح، وفي هذا السياق فإن بناء المؤسسات العسكرية ونموها وتطورها، يتم من خلال مجموعة إجراءات، إما من أسفل إلى أعلى أو العكس، بمعنى أن دولة ما ومن أجل استكمال المكونات الضرورية لكيانيتها وبرستيجها فإنها لا بد أن تملك قوة عسكرية مكونة من مجموعة قوى وصنوف وإختصاصات، فإن كانت تلك الدولة من الدول التي ليس لديها مشاكل أو نزاعات مع أحد في الإقليم أو العالم، أو لا يطمع أحد بخيرات تملكها، فإنها وبقرار سياسي يصدر عن الجهات ذات الصلاحية يأمر بتشكيل المؤسسة العسكرية خلال فترة من الزمان مكونة من الصنوف والإختصاصات المقررة وبالاستعداد المطلوب منتشرة في جغرافيات محددة من الدولة ، الأمر الذي يوضع له جدول زمني ينفذ في إطاره، فلا تلبث أن ترى تلك المؤسسة إلّا وقد ولدت وتكونت خلال المدة الزمنية المعطاة لأهل الإختصاص، لتبقى تلك المؤسسة على حالها فلا تنمو ولا تتطور ولا تكاد تسمع بها إلّا في الكوارث البيئية والملمات الطبيعية التي قد تصيب تلك الدولة، وهذا ما يعرف بالبناء من أعلى إلى أسفل -قرار سياسي يتبعه إجراءات إدارية وتعبوية ينهي مهمة البناء خلال مدة زمنية محددة- والسلام .

أما الطريقة الأخرى التي يتم من خلالها بناء المؤسسات العسكرية، فهي التي تعمد لها الدول التي تقع في نطاق تهديد دولة أخرى أو لديها مصالح خارج جغرافيتها تريد تأمينها والدفاع عنها، فهي عندما تبني مؤسساتها العسكرية أو الأمنية فإنها تراعي مسألة الإمكانيات التي بين يديها المخصصة لبناء القدرات العسكرية والأخطار التي تتهددها وطبيعة نموها وتطورها، فتضع مسار لبناء القوات، ترتقي في عملية مراكمتها درجة بعد أخرى ومرحلة عقب مرحلة، وعينها شاخصة على التهديد وتطوره أو المصلحة وإمكانية تأمينها والدفاع عنها، عاملة بما هو متوفر حاليًا، محسنة بما يتوفر مستقبلًا، وأثناء طي مسار البناء ذلك فإن تلك الدول تعمد إلى عمل المناورات العسكرية بشكل متكرر ومتواصل من أجل تحقيق مجموعة من الأهداف والتي على رأسها:

1- تحسين الكفاءة القتالية للأفراد ، على المستوى الفردي والجماعي والتخصصي والمهماتي.

2- فحص كفاءة الأدوات القتالية المستوعبة والمدمجة في مختلف التشكيلات والصنوف.

3- دمج هذه الأدوات ضمن منظومات نار واحدة قادرة على العمل بشكل منسق ومنظم ضمن عملية واحدة على هدف واحد.

4- الوقوف على نقاط ضعف وقوة القدرات القتالية، المادية منها والبشرية ، ليبنى على الشيء مقتضاه.

5- استخلاص الدروس والعبر من تلك المناورات ومن ثم القيام بعمليات التطوير والتعديل بناء على نتائج تلك المناورات.

6- والهدف النهائي لمثل هذه المناورات هو: إرسال رسائل لمن يهمه الأمر داخليًا وخارجيًا، بحيث يحقق في الداخل رفع معنويات وزيادة ثقة الشعب بمؤسسته العسكرية، وخارجيًا بناء معادلة رعب تفضي إلى إقرار حالة ردع بين الدولة وأعدائها أو المتربصين بها، تحمي من خلالها نفسها ومصالحها من أن يُطمع بها أو يعتدى عليها . 

كان هذا في الأصول التي تساعد على فهم وإدراك ما نحن في صدده من حديث مرتبط بأصل عنوان هذه المقالة وهو ما تقوم به إيران من مناورات عسكرية متكررة وبشكل لافت لمختلف الصنوف والقدرات القتالية التي تملكها، بحيث يرى المراقب أن إيران من أكثر دول غرب آسيا (الشرق الأوسط) التي تقوم بعمل المناورات العسكرية الكبيرة والتي تشمل أكثر من سلاح وأكثر من صنف في المناورة الواحدة والتي تستمر أكثر من يوم وعلى مساحات جغرافية واسعة، فما هي الخلفيات التنظمية والدلالات التعبوية لهذه المناورات؟

في الخلفيات التنظيمة تكاد تكون إيران هي الدولة الوحيدة في منطقة غرب آسيا (الشرق الأوسط) التي تملك مؤسسة عسكرية فريدة من نوعها، فهي بالإضافة إلى المؤسسة العسكرية النظامية والتي يطلق عليها اسم الجيش الإيراني والذي لديه مهمات معينة تقع ضمن إختصاصها المعرف دستوريًا، فإنها تملك مؤسسة عسكرية ثانية ممثلة بحرس الثورة الإسلامية، تكاد تكون أكبر عددًا وأكثر تنوعًا من حيث الاستعداد والصنوف والتركيب والإختصاص من الجيش الإيراني، ففي الوقت الذي لا يملك فيه الجيش الإيراني سوى ما يملكه أي جيش نظامي من أسلحة البر والبحر والجو، فإن مؤسسة الحرس تملك مضافًا إلى الصنوف الثلاثة تلك، قوة بحجم فيلق تحت مسمى قوات القدس ذات مهمة عمل خارجية، وقوة صاروخية مستقلة تؤمن الإسناد المدفعي للجيش والحرس معًا، وقوات البسيج أو التعبئة والتي تشبه إلى حد بعيد ما يطلق عليها في بعض الدول بالمليشيا، مع فارق مهم هو أن المليشيا في أصل التعريف هي قوات عسكرية غير نظامية وغير مهيكلة تستدعى عند الحاجة لإسناد القوات المسلحة، ولكن في الحالة الإيرانية فإن قوات التعبئة هي قوات عسكرية هيكلية، لديها قيادة عسكرية متفرغة ترعى شؤن تطورها ونموها ورفع كفاءتها بشكل مستمر، كما أن إيران تملك إدارة مستقلة تحت مسمى إدارة الدفاع السلبي بقيادة لواء، وهي إدارة تقوم بعمليات الدفاع السلبي -تجهيزًا وإجراءً-  ضمن الخطط العسكرية المقرة من رئاسة هيئة الأركان المشتركة.

كل هذه القوات تنتظم في تشكيلات قتالية باستعداد يفوق 545 ألف مقاتل عامل في مختلف الرتب والمرتبات، يسندهم قوة احتياط تصل إلى 1.8 مليون مقاتل وفقًا لإحصاءات عام 2015، هذه التشكيلات وتلك الصنوف ينتظم عملها ضمن نظرية قتال قائمة على الدفاع النشط، والذي من مقتضياته التحرك بإتجاه التهديد للتعامل معه قبل أن تصل المخاطر الناتجة عنه إلى داخل الحيز الجغرافي لإيران الدولة.

ومن مقتضيات تلك النظرية أيضاً إنشاء معادلة رعب وردع؛ تمنع الطامعين وتطمئن المحبين، لذلك فإن ما تقوم به إيران من مناورات دورية سنوية وعلى مختلف مسمياتها من "الرسول الأعظم " والتي هي أكثرها شهرة، إلى مناورات "حامي سماء الولاية" والمخصصة للدفاع الجوي والتي تعقد بشكل دوري سنوي، وما بينهما من مناورات وتدريبات، تأتي في ذاك السياق المشار له سابقًا والذي يهدف في المجمل إلى بناء معادلة الرعب والردع تلك، أما على وجه الخصوص فالهدف منها تحقيق ما ذكر من الأهداف المتوخاة من أي مناورة تقوم بها الجيوش والتي أتينا على ذكرها في بداية هذه المقال.

ولكن ما هي الدلالات التعبوية والرسائل السياسية التي تحملها تلك المناورات للداخل والخارج؟ فالقوات لا تناور لمجرد المناورة، وإن كان في مجرد عقدها فوائد أتينا على ذكرها، وإنما تقوم الدول والحركات والكيانات التي تملك قوة خشنة باستعراض هذه القوة في الاحتفالات والمناورات من أجل إيصال رسائل إلى من يهمه أن تصل له هذه الرسائل والتي منها على سبيل المثال لا الحصر:

1- طمأنة الداخل إلى أنه يملك قدرات قتالية ينفق عليها من أموال ضرائبه، لديها من القدرة والكفاءة ما يريح باله ويطمئن حاله.

2- أن يثبت للخارج كفاءة وقدرة أدوات رد الفعل الخشنة، من حيث النوع والبأس.

3- إشعار الخارج بصدقية وجدية تفعيل هذه القدرات عند الحاجة.

4- إرسال رسائل إلى من يهمة الأمر تشير إلى المدى الجغرافي والمستوى النوعي الذي يمكن أن يصله شعاع رد الفعل على أي إعتداء.

5- كشف القدرات المقابلة التي يتم تشغيلها من قبل الأعداء والخصوم والمنافسين لرصد ومتابعة هذه المناورات والتدريبات، ليبنى على الشيء مقتضاه.

6- تسريب أو إظهار ما يتم التوافق على تسريبه أو إظهاره من أهداف ميدانية مستهدفة أثناء المناورة في الجغرافيا المعادية؛ لإجبار الطرف الآخر على حساب مدى الأكلاف التي سيدفعها حال اعتدائه أو تجاوزه، فيرتعب فيردع . 

جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2023