تركيا أم إسرائيل: السباق نحو المتوسط

د. ناصر ناصر

كاتب وباحث سياسي

تركيا أم إسرائيل: السباق نحو المتوسط

 بقلم: ناصر ناصر 

17-1-2020

 لم يذع مراسل القناة 11 للتلفزيون الاسرائيلي أمس سراً عندما أشار الى ما أصبح معلوما من السياسة في اسرائيل بالضرورة من أن التعاون الاسرائيلي المصري من جهة والقاضي بضخ 60 مليار متر مكعب من الغاز العربي المسروق من حقل ليفيتان ، و25 مليار متر مكعب من حقل تمار الى مصر عن طريق الأنبوب الذي اشترت اسرائيل معظمه من شركة EMG المصرية والممتد على طول 95 كم من عسقلان الى العريش ، والتعاون الاسرائيلي الايطالي اليوناني والذي ظهر في الاتفاق بين الأطراف الثلاثة باستثناء مصر في اليونان في 2-1-2020 من جهة أخرى هو موجهاً بالدرجة الأولى لمواجهة التحركات والنشاط التركي في المنطقة. 

فالسباق إذن بالأساس تركي واسرائيلي على أهمية كافة اللاعبين الآخرين بما فيهم مصر ، فلمن ستكون الغلبة ؟ وهل يملك التأييد العربي والاسلامي في إمالة وترجيح الكفة لصالح تركيا ؟ أشارت العديد من التقارير الاسرائيلية في الآونة الأخيرة ومنها في يديعوت أحرنوت بداية هذا الشهر الى أن تحركات نتنياهو واسرائيل مع مصر واليونان وقبرص موجهة بالأساس لمواجهة تركيا ، بعد ان اقتنعت اسرائيل وعلى حد قول أحد كبار المحللين السياسيين في اسرائيل بأن ( تركيا ليست شريكاً يمكن الوثوق به في مجال الغاز ) وقد يشكل حادث قيام سفينة عسكرية تركية بطرد سفينة اسرائيلية من المنطقة الاقتصادية لقبرص قبل أسابيع مؤشراً ودليلاً رمزياً على هذا التنافس والسباق . وقد يأمل الكثيرون من العرب والمسلمين بأن ينتهي هذا السباق كما انتهى حادث السفينة تماماً ،

 أي طرد تركيا لاسرائيل وإعادتها الى حجمها الطبيعي كدولة محتلة تسرق خيرات الفلسطينيين والعرب والمسلمين ، لا كدولة مركزية تنافس الكبار . قد لا تكون تطورات الأزمة الليبية بعيدة كثيراً عن هذا السياق ، أي التنافس التركي الاسرائيلي ، فحلفاء حفتر يسعون لإستخدامه كورقة تستنزف تركيا في ليبيا والمنطقة ، وهو ما ظهر فعلا من استمرار الإعتداءات العسكرية لقوات حفتر في محيط طرابلس ، ثم رفضه التوقيع على التفاهمات التي وقع عليها السراج في موسكو برعاية تركية وروسية . ومن غير المرجح ان تكون تحركات حفتر الأخيرة ناجمة عن قناعة محركيه بأنهم سيحسمون أمر ليبيا لصالحهم عسكرياً ،

 إنما المقصود هو الاستنزاف حيث الاستنزاف هو استراتيجية الضعيف سياسياً وشعبياً ، وهو ما قد يفسر تأكيد الرئيس أردوغان بإرساله قوات عسكرية تركية للحفاظ على التوازن وحماية الشرعية التي يمثلها السراج على الأقل ، ولتحويل حالة الاستنزاف ضد قوات حفتر . 
ان من المستبعد ان يكون سعي اسرائيل لتواجد محدود لها في قاعدة برنيس المصرية التي افتتحت حديثاً في مصر موجهة لتركيا بالأساس وذلك على الرغم مما يثيره الموقف الاسرائيلي من شبهات في هذا الشأن ، وخاصة ما نشرته القناة 12 للتلفزيون الاسرائيلي قبل يومين من ترحيب اسرائيلي بهذه القاعدة التي يتوقع منها الاسرائيليون ان تحمي مصالحهم وأطماعهم في منطقة البحر الاحمر ، وتحديداً حماية التجارة الاسرائيلية ومنع تهريب السلاح الى سيناء وقطاع غزة ، وقد يأتي ذلك في اطار السياق الاسرائيلي العام القاضي بتعزيز التحالفات في المنطقة ضد النفوذ التركي المتزايد ، سواء أكان ذلك من خلال الغاز او من خلال القواعد العسكرية . 

لا يمكن التنبؤ لمن ستكون الغلبة في هذا السباق ، فالجانب الاسرائيلي يستند في الأساس الى قوة الولايات المتحدة ، وهي القوة الأعظم في العالم ، للأسف كل الأحرار الذين قد يستمدون الكثير من التشجيع من تقرير البنك الدولي حول التحسن الجوهري في الاقتصاد التركي ، أو من شهادة احد كبار الناقدين للرئيس أردوغان وهو البرفسور الاسرائيلي تسفي بار ايل في هآرتس أمس عندما أشار مضطرا الى قدرات الرئيس أردوغان الذي "ينجح رغم سخريته من قواعد الاقتصاد الرأسمالي التقليدي التي يحاول البنك الدولي فرضها على تركيا " وفق تعبيره ، مضيفاً بأن أردوغان حقق معجزة اقتصادية قبل ستة عشر عاما ، وأنقذ تركيا من أزمة عميقة ، وقد يفعلها الآن ، فللمعجزات لا توجد قواعد أو منطق وفق البرفسور . أقول ومنطق أردوغان الاصرار والمثابرة حتى تحقيق الهدف.

جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2023